فتحتُ عينيّ ببطء، فاستقبل بصري سقفٌ يغمره ضوءٌ مبالغ فيه، حتى كاد يؤلمني. كنتُ مستلقيًا على سريرٍ ضخم، فاستدرتُ قليلًا وأخذتُ أتفحّص الغرفة بعينيّ.

عملاقة… لا، حتى هذه الكلمة لا تكفي لوصفها.

كان بإمكاني أنا وأخي أن نلعب كرة القدم هنا بسهولة.

عند تذكّري له، شعرتُ بشيءٍ يعتصر صدري، ألمٌ خفيف لكنه عميق. أغمضتُ عينيّ للحظة، ثم استلقيتُ على ظهري مجددًا، أحدّق في السقف بلا هدف.

إذًا… لقد تناسخت.

هل يعني هذا أنني متّ فعلًا؟

فكرة الانتقال إلى عالمٍ آخر كانت دائمًا تبدو لي هراءً، مجرد حبكاتٍ رخيصة في الروايات. لم أتخيّل يومًا أنني سأكون جزءًا منها.

لكن… لم يعد بإمكاني إنكار الواقع.

حتى لو حاولتُ إقناع نفسي بأنه حلم، فهل يستمر الحلم ليومٍ كامل؟ منذ أن استيقظتُ في هذا الجسد… جسد "نيرون ستيتلاس"، وقد مرّ وقتٌ ليس بالقليل.

ومع ذلك… تأقلمتُ بسرعةٍ مخيفة.

لستُ غبيًا. أعلم أنني متّ، وأنه لا سبيل للعودة إلى عالمي… إلى عائلتي… إلى أصدقائي.

لكن تقبّل ذلك… ما يزال صعبًا.

تنهدتُ ببطء. ماذا سأفعل من الآن فصاعدًا؟

ربما… من الأفضل أن أبقى مستلقيًا لبعض الوقت. على أي حال، لا أحد سيسأل عني. حتى بعد مرور يومٍ كامل دون خروجي من الغرفة، لم يأتِ أحد لزيارتي… باستثناء الخادمات.

وكنتُ أعرف السبب جيدًا، وهذا… مريحٌ بالنسبة لي.

لذلك، بقيتُ مستلقيًا… بلا هدف. لم أرغب في التفكير في المستقبل، ولا في ما يجب عليّ فعله. كل ما أردته… هو البقاء على هذه الحال.

مرّ وقتٌ لا أعلم مداه… ثم فُتح باب الغرفة.

دخل ثلاثة خدم، يدفعون عربةً صغيرة. أملتُ رأسي نحوهم، أراقبهم وهم يجهّزون طاولة الطعام بسرعةٍ مذهلة.

في كل مرة… كنتُ أندهش من خفّة حركتهم.

لم تمضِ سوى دقائق قليلة حتى انتهوا. انحنت إحداهن قليلًا، وقالت بصوتٍ لطيف، وعيناها إلى الأسفل:

"سيدي الشاب… الطعام جاهز، تفضل."

تدحرجتُ بكسلٍ على السرير حتى وصلتُ إلى الحافة، ثم نهضتُ بتثاقل واقتربتُ من الطاولة.

جلستُ على الكرسي الناعم، وأطلقتُ تثاؤبًا طويلًا قبل أن أتناول أول لقمة.

شعرتُ بتعبٍ غريب… رغم أنني لم أحرّك إصبعًا منذ استيقاظي في هذا الجسد.

لابد أن السبب… هو تلك اللعبة اللعينة التي كنتُ غارقًا فيها، حتى انتهى بي الحال… هكذا.

واصلتُ الأكل، وكان الطعم رائعًا على نحوٍ لم أختبره في حياتي قط. لا بدّ أن هذه إحدى مزايا التناسخ… أن تولد ثريًا؛ يا له من أمرٍ مغرٍ حقًا.

استمررتُ في التهام الطعام حتى انتفخ بطني بشدة، ثم اقتربت مني الخادمات وبدأن بتنظيف فتات الطعام العالق بي.

الغريب أنني لم أشعر بأي حرجٍ من ذلك… ربما لأنني بدأت أتأثر بشخصية نيرون. ومع ذلك، لم أُعر الأمر اهتمامًا كبيرًا.

ما إن انتهين، حتى حركتُ جسدي بصعوبة، وألقيتُ بنفسي فوق السرير، مغمضًا عيني، بينما كانت الخادمات منشغلات بتنظيف المكان.

ومع مرور الوقت، سمعتُ باب الغرفة يُغلق.

لكن فجأة… دوّى صوت احتكاك شيءٍ بالأرض.

لم أهتم في البداية، إلا أن الصوت اقترب تدريجيًا حتى توقف فوقي، مما أجبرني على فتح عينيّ.

رفعتُ نظري، لأجد إحدى الخادمات واقفةً فوقي، الأمر الذي جعلني أعبس وأنا أقول:

"ما الأمر؟ ولماذا ما زلتِ هنا؟ هل هناك خطبما؟"

لم تُجب. اكتفت بابتسامةٍ غامضة، جعلت شعري يقف.

وقبل أن أفكر في شيء، رأيتها تتجه بهدوء نحو مقعدٍ قريب— الذي سمعتُ صوته قبل قليل—ثم جلست، واضعةً ساقًا فوق الأخرى، وقالت:

"مرّ وقتٌ طويل يا نولن… هل ما زلت تتذكرني؟"

تجمّدتُ لوهلة.

ثم تراجعتُ للخلف بسرعة، بينما بدأ العرق يتصبب من جسدي، وتصلّب وجهي بتعبيرٍ مشوّش.

كيف…؟ كيف عرفت اسمي؟ من تكون هذه…؟

هل سمعتُ خطأ؟

ابتسمت الخادمة، وكأنها تقرأ أفكاري،

" هاه. يبدو أنك مرتبك قليلًا. خطئي… كان عليّ أن أشرح لك منذ البداية. لم يكن يجب أن أخيفك هكذا." توقفت للحظة، ثم مالت برأسها قليلًا وأضافت: "دعنا نتعارف من جديد…

الاسم الذي تعرفه جيدًا... مؤلف الميزان الكوارث"

"مؤلف الميزان الكوارث."

تمتمتُ بالكلمات بصوتٍ منخفض، أحاول استيعابها، بينما أمسح العرق عن وجهي.

كنتُ أتصبب عرقًا… وكيف لا، وأنا أسمع هذا الهراء أمامي؟

لكنني تماسكت بسرعة، وقلت:

"أأنتِ امرأة؟ لم أتوقع ذلك إطلاقًا… كنت أظنك رجلًا، لكن يبدو أنني كنت مخطئًا."

"..."

"لا تفهميني خطأ، لست متحيزًا، فقط… هذا ما ظننته، وبصراحة، لم أكن الوحيد."

تشنّج وجه الخادمة للحظة، قبل أن يستعيد هدوءه سريعًا.

"أنا رجل… لكنني أستعير جسد هذه الفتاة لبعض الوقت."

"هكذا إذًا…"

"ليس لدي وقتٌ لأضيّعه. دعنا ندخل في صلب الموضوع الذي جئتُ من أجله… وهو أيضًا سبب وجودك هنا." توقفت لحظة، ثم أضافت وهي تنظر إليّ بثبات:

"أنقذ هذا العالم، يا نولن… وسأعيدك إلى عالمك."

لم أتردد لحظة.

"لا يهمّني." قلتها ببرود، قبل أن أستدير وأستلقي، مانحًا إياها ظهري. "من تحاولين خداعه؟"

إنقاذ العالم…؟

سخيف. كيف لشخصٍ مثلي أن ينقذ عالمًا؟

أنا حتى… لم أستطع إنقاذ نفسي.

لكنها لم تستسلم.

"توقعتُ ردّك هذا." قالت بهدوء. "أعلم أن إقناعك لن يكون سهلًا… لكن، ألا تشتاق إلى عائلتك؟"

صمتت لحظة، ثم تابعت بنبرةٍ أعمق:

"حقًا… هل تريد التخلّي عنهم؟ كيف سيشعروا والديك، عندما يعلمان أن ابنهما تخلّى عن أرواحٍ لا تُحصى كان بإمكانه إنقاذها؟"

انفجر شيءٌ داخلي فجأة.

قفزتُ واقفًا، وصرختُ بصوتٍ مرتفع:

"بالطبع أشتاق إليهم! لكن ماذا تريدين مني أن أفعل؟!"

كنت ألهث، صدري يعلو ويهبط بعنف.

"لستُ غبيًا حتى تُخدعني بهذا الهراء! أعلم أنني متّ… ولا توجد أي طريقة للعودة إلى عالمي!"

تقدّمت خطوة، وعيناي تشتعلان:

"أتظنين أنني قرأتُ كل تلك القصص عبثًا؟! كل من ينتقل إلى عالمٍ آخر… لا يعود أبدًا!أتريدني أن أصدقك؟! أنتِ من أحضرتِني إلى هنا، أليس كذلك؟ فلماذا… يجب أن أستمع إليكِ أصلًا؟!"

تسارعت دقّات قلبي بشكلٍ جنوني. وشعرتُ بحرارةٍ خلف عينيّ… دموعٌ بدأت تتجمّع، رغمًا عني.

على النقيض، بقي هو صامتة.

تلاقت أعيننا لثوانٍ بدت أطول مما ينبغي.

"…آسف. كان خطأً. لم يكن لدي خيار." صمت للحظة، "ولا أظن أن لديّ الكثير من الوقت المتبقي."

في تلك اللحظة، ظهرت نظّارات سوداء في يدها اليمنى.

عرفتها فورًا.

كانت نفس النظارات التي كنت أرتديها دائمًا.

اقتربي مني، ومدّي يده، ثم وضعها بين يدي.

"ستساعدك.فكّر جيدًا فيما ستفعله بعد الآن…"

توقف لحظة، ثم أضاف دون أن ينظر إليّ:

"ولا تقلق… هذه الخادمة لن تتذكر شيئًا مما حدث."

كنت أحدّق في النظارات بين يديّ، أحاول استيعاب ما يجري…بينما تحرّكت الخادمة نحو الباب.

وقبل أن تغادر— تردّد صوتي في أرجاء الغرفة، غريبً… وكأنه قادم من مكانٍ بعيد:

"نلتقي لاحقًا."

2026/05/04 · 1 مشاهدة · 965 كلمة
Binkmn 23
نادي الروايات - 2026