# الفصل الأول: منظور الكيان المشوه
**[جاري تحميل "بروتوكول الانغماس"...]**
**[الرجاء الانتظار...]**
**[اكتملت المزامنة: 100%]**
---
كانت الغرفة غارقة في صمتٍ ثقيل، لا يقطعه سوى طنين مروحة الحاسوب المنهكة وصوت أنفاسي المتقطعة التي كانت تصارع للخروج من صدري الضيق. الضوء الأزرق المنبعث من الشاشة كان الشيء الوحيد الذي يربطني بالواقع، يلقي بظلالٍ طويلة ومشوهة على الجدران العارية. نظرتُ إلى يديّ المرتجفتين فوق لوحة المفاتيح؛ كانت العروق تبرز تحت جلدٍ شاحب كأنه ورق قديم.
"سرطان الكبد.. المرحلة الأخيرة."
كلمات الطبيب كانت لا تزال تتردد في أذني كصدى ناقوس جنائزي. سخرتُ في داخلي. يا لها من نهاية مبتذلة لكاتبٍ أمضى حياته يبتكر نهايات ملحمية لأبطاله. لم تكن هناك معركة أخيرة، ولا تضحية بطولية، فقط علب بيرة فارغة، وشريط حبوب براسيتول ملقى على الأرض، وجسدٌ يخذلني في كل ثانية.
أغمضتُ عينيّ، فاندفعت ذكريات ذلك الصباح الدافئ قبل سنوات. رائحة القهوة المحمصة التي كانت أمي تعدها في المطبخ، صوت والدي وهو يضحك مع إخوتي الصغار، ذلك الشعور بالأمان الذي كنت أظنه أبدياً. كنتُ موظفاً ناجحاً، شاباً يمتلك مستقبلاً مشرقاً في شركة محترمة، لكن القدر كان يخبئ لي حريقاً التهم كل شيء، ثم مرضاً نهش ما تبقى من روحي.
فتحتُ عينيّ بصعوبة. العالم كان يميل. الضوء الأزرق بدأ يتلاشى، والظلام يزحف من حواف رؤيتي. حاولتُ الوصول إلى هاتفي، لكن يدي سقطت كقطعة من الرصاص.
"اللعنة.. سأموت وحيداً."
كانت هذه آخر فكرة واعية قبل أن يبتلعني السواد المطلق.
---
طش!
لم يكن الماء بارداً فحسب؛ كان إبرًا من الجليد اخترقت مسامي لتوقظ وعياً كنت أظنني فقدته إلى الأبد. شهقتُ، أو حاولت، لكن الهواء انحبس في حنجرتي كغصة صلبة. ارتجفت أهدابي، وانفتحت عيناي على عالمٍ لم يكن ينبغي أن أراه.
"استيقظ أيها الحثالة! لا وقت للنوم في حضرة الموت."
الصوت كان رعدياً، خشناً، يفتقر لأي ذرة من الرحمة. حاولتُ تركيز بصري على مصدر الصوت، وهنا بدأ الجحيم الحقيقي. لم أرَ وجهاً بشرياً. ما كان يقف أمامي هو كتلة هلامية مشوهة، ملامحها تذوب وتتحرك كأنها طين يغلي. العينان كانتا في غير مكانهما، والأنف مائل بزاوية مستحيلة، والفم يتسع ويضيق بشكل مقزز.
أغمضت عيني بقوة، واعتصرت جفوني. *متلازمة وجه الشيطان*. اللعنة، حتى في الموت، لم يتركني هذا المرض اللعين.
"انظر إليّ عندما أحدثك!"
شعرت بيده الغليظة تقبض على شعري وترفع رأسي. كانت يده ترتجف، ليس خوفاً، بل من فرط الغضب. فتحت عيني مجدداً، وحاولت أن أبدو ثابتاً. في داخلي، كنت أصرخ، أريد الفرار، أريد الاختباء تحت السرير والبكاء. لكن جسدي لم يستجب. كان متصلباً، بارداً، وكأنني تمثال من الرخام الأسود.
"أنت التالي في الساحة. تأكد من أن تموت بشكل يمتع الجمهور، يا **نوكس**."
*نوكس؟*
الاسم وقع على أذني كصاعقة. تذكرت تلك الليالي المظلمة التي قضيتها أحشر وجهي داخل شاشة حاسوبي، أكتب روايتي "رماد العروش". نوكس.. الشرير الذي صممته ليكون تجسيداً لكل ما أكرهه. الشرير الذي قتل عائلته بدم بارد ليحصل على القوة، والذي ينتهي به المطاف دائماً مقطوع الرأس في الساحة.
سحبني حارسان من ذراعيّ. لم أقاوم. لم تكن لدي الطاقة. كنت أشعر ببرودة القيود الصدئة وهي تنهش معصميّ، وبخشونة السترة التي بالكاد تغطي جسدي الهزيل. ممر طويل، مظلم، تفوح منه رائحة العفن والموت الوشيك.
"انظروا إليه.. إنه لا يرمش حتى."
"يقولون إنه قتل الدوق **كاسباريان** بدم بارد.. انظر إلى تلك النظرة، إنها نظرة شيطان."
سمعت همسات الحراس. نظرة شيطان؟ يا للهول! لو علموا أنني أحدق في الفراغ لأنني لا أستطيع تمييز أين تبدأ رؤوسهم وأين تنتهي. صمتي الذي ظنوه كبرياءً لم يكن سوى شللٍ ناتج عن الرعب الخالص. كل خطوة كانت تقربني من هتافات الجماهير التي بدأت تتعالى في الأفق، أصوات متعطشة للدماء، تطلب رأس "الكيان المشوه".
توقفتُ فجأة أمام بوابة حديدية ضخمة. اهتزت الأرض تحت قدمي، وصرير المفصلات الصدئة كان يمزق طبلة أذني. الضوء الساطع المنبعث من الساحة ضرب وجهي، فجعلني أضيق عينيّ. بالنسبة للآلاف المحتشدين في المدرجات، كانت تلك حركة "مفترس" يحلل فريسته. بالنسبة لي، كانت محاولة يائسة لمنع الدموع من الانهمار.
"اذهب.. واجعل موتك يستحق الثمن."
دفعني الحارس بقوة. تعثرتُ، لكنني لم أسقط. وقفتُ في منتصف الساحة الترابية، والرياح تداعب شعري الأسود الطويل. نظرتُ حولي.. آلاف الوجوه المشوهة، آلاف المسوخ التي تصرخ وتلوح بأيديها. لم أرَ بشراً، رأيت كابوساً حياً.
وفي الجهة المقابلة، انفتحت بوابة أخرى. خرج منها شيء.. ضخم، يجر فأساً عملاقاً خلفه. لم أستطع رؤية ملامحه، لكن هيبته كانت كافية لتجعل ركبتي ترتجفان.
*أنا جبان.*
*أنا مجرد موظف كان يحب حياته البسيطة.*
*أنا لست نوكس.*
لكن العالم لم يكن يهتم بما أشعر به في الداخلي. العالم كان يرى "الشرير العظيم" يقف وحيداً أمام الموت، بابتسامة باردة (كانت في الحقيقة تشنجاً عضلياً من الخوف) وعينين لا تعرفان الخوف.
رفعتُ يدي ببطء، وتحسستُ وجهي. كان ناعماً، بارداً، ومختلفاً تماماً عن وجهي القديم.
"إذن.. هكذا تنتهي الرواية؟" تمتمتُ بصوتٍ عميق لم أعرفه، صوتٍ أرسل قشعريرة حتى في جسدي أنا.
لم تكن هناك مقدمات، ولا تلخيصات. فقط أنا، والوحش الذي أمامي، وجمهور ينتظر موتي.
بدأ الوحش بالركض نحوي. صرختُ في داخلي: *أهرب! أهرب الآن!* لكن قدمي غاصتا في الرمل، وبقيتُ واقفاً، أحدق في تلك الكتلة المشوهة القادمة لقتلي، بينما كان عقلي يراجع تلقائياً قواعد العالم التي وضعتها بنفسي.. واللغز الأول الذي نسيتُ حله: كيف ينجو الشرير من فصله الأول؟
---
كانت الساحة تتنفس غضباً. الرائحة هنا كانت مزيجاً خانقاً من العرق، والدم الجاف، والغبار الذي تثيره أقدام الوحش المقترب. كل صيحة من المدرجات كانت تضربني كصفعة جسدية. "اقتله!"، "مزق أحشاء الخائن!"، "أرنا دماء عائلة فان غارد!".
أغمضتُ عينيّ للحظة، محاولاً استرجاع تفاصيل هذا المشهد من مسودات روايتي. كنتُ قد كتبتُ هذا الفصل في ليلةٍ عاصفة، كنتُ أشعر فيها بكراهية شديدة لكل شيء. جعلتُ نوكس يقف هنا، وحيداً، منبوذاً، ليواجه "جلاد العصور"، وهو وحشٌ لا يعرف الرحمة، صُمم خصيصاً ليكون النهاية الحتمية لكل من يتجرأ على خيانة الإمبراطورية.
لكنني لم أكتب أبداً كيف يشعر نوكس في تلك اللحظة. كتبتُ عن بروده، عن كبريائه الزائف، عن الطريقة التي يرفع بها ذقنه متحدياً الموت. لم أكتب عن ارتجاف أصابع قدميه داخل حذائه الجلدي المهترئ، ولا عن جفاف حلقه الذي يجعله يشعر وكأنه يبتلع شفرات حلاقة.
فتح الوحش فمه، وأطلق زئيراً هز أركان الساحة. لم أرَ فماً، رأيت ثقباً أسود يمتلئ بأسنانٍ غير منتظمة تتحرك كأنها كائنات حية مستقلة. *Prosopometamorphopsia*. حتى الوحوش لم تسلم من تشوه رؤيتي. كان الجلاد يبدو لي ككتلة من اللحم النابض، تتغير ملامحه مع كل خطوة يخطوها.
*خطوة.. اثنتان.. ثلاث.*
كان الفأس العملاق يلمع تحت ضوء الشمس الحارق، يعكس ومضاتٍ كانت تعمي بصري المنهك. شعرتُ بقطرة عرق باردة تنزلق من جبيني، تعبر حاجبي، وتستقر في عيني. لم أجرؤ على مسحها. أي حركة بسيطة قد تُفسر على أنها ضعف، أو الأسوأ، قد تُعجل بهجوم الجلاد قبل أن أجد مخرجاً.
"لماذا لا يتحرك؟"
"هل يسخر من الجلاد؟"
"انظروا إلى هدوئه.. إنه حقاً وحش بدم بارد."
الهمسات في المدرجات القريبة كانت تصل إليّ بوضوح مريب. سخرتُ في أعماقي. هدوء؟ أنا مشلول! أنا عالق في كابوسٍ من صنعي، وأنا الشخص الوحيد الذي لا يملك مفتاح الخروج.
تذكرتُ فجأة قاعدة وضعتها في نظام القوة الخاص بروايتي. "الخوف هو الوقود الأول للسحر الأسود". نوكس كان ساحراً أسود، وقوته كانت تعتمد على قدرته على تحويل خوف الآخرين إلى طاقة تدميرية. لكن ماذا عن خوفي أنا؟ ماذا لو كان الخوف الذي يملأ كياني الآن هو المفتاح الوحيد للنجاة؟
بدأ الجلاد برفع فأسه. كانت العضلات في ذراعيه المشوهتين تتضخم بشكل مقزز. في تلك اللحظة، شعرتُ بشيءٍ غريب في صدري. لم يكن ألماً، بل كان برودةً قارسة بدأت تنتشر من قلبي إلى أطرافي. كانت طاقةً سوداء، لزجة، تشبه الحبر الذي كنت أكتب به رواياتي.
*هل هذه هي؟*
لم يكن لدي وقت للتفكير. الوحش هوى بالفأس. كانت الحركة بطيئة في عينيّ، كأن الزمن قرر أن يمنحني فرصة أخيرة لمشاهدة موتي بالتصوير البطيء.
صرختُ. لم يكن صراخاً بشرياً، بل كان نداءً يائساً من أعماق روحي المذعورة. وفي اللحظة التي كان فيها الفأس على وشك شطر رأسي، انفجرت الطاقة السوداء من حولي.
لم أرَ ما حدث، لكنني سمعت صوت ارتطامٍ معدني عنيف، يليه صمتٌ مفاجئ ساد الساحة بأكملها.
فتحتُ عينيّ ببطء. كان الجلاد يقف على بعد أمتار، فأسه محطم إلى نصفين، ويده تنزف سائلاً أسود اللون. أما أنا، فقد كنت محاطاً بهالة من الدخان المظلم الذي كان يهتز ويرتجف تماماً كما كان يرتجف قلبي.
نظرتُ إلى الجمهور. الوجوه المشوهة التي كانت تصرخ قبل قليل كانت الآن متجمدة في مكانها. لم أرَ ملامحهم، لكنني شعرت بخوفهم. كان خوفاً لذيذاً، قوياً، بدأ يغذي تلك الهالة السوداء من حولي.
"إنه.. إنه يستخدم السحر المحرم!"
"لقد عاد الكيان المشوه!"
رفعتُ رأسي، وحاولت أن أرسم على وجهي تلك الابتسامة التي وصفتها في روايتي. ابتسامة نوكس التي تجعل الملوك يرتجفون. في الحقيقة، كانت مجرد محاولة لمنع أسناني من الاصطكاك ببعضها البعض.
"من.. التالي؟"
خرج صوتي محطماً، عميقاً، وكأنه يأتي من قاع بئر سحيقة. لم يكن صوتي، بل كان صوت الشخصية التي خلقتها لتكون كابوساً للعالم. والآن، أنا عالق داخل هذا الكابوس، مجبراً على تمثيل الدور حتى النهاية.. أو حتى يكتشف أحدهم أن خلف هذا القناع المرعب، لا يوجد سوى جبانٍ يرتجف خوفاً من ظله.
بدأ الجلاد بالتراجع. نعم، الوحش الذي صممته ليكون لا يقهر كان يتراجع أمام خوفي الذي تحول إلى قوة. ضحكتُ في داخلي ضحكة مريرة. يا لها من سخرية.. الكاتب ينجو من الموت باستخدام السلاح الذي كان يقتله في الواقع: الخوف.
لكن الساحة لم تكن سوى البداية. كنتُ أعلم أن هناك 499 فصلاً آخر ينتظرني، وأن كل فصل سيكون اختباراً جديداً لقدرتي على التمثيل، ولقدرتي على رؤية العالم من خلال عيونٍ لا ترى سوى التشوه.
أخذتُ خطوة إلى الأمام. الرمل تحت قدمي كان دافئاً، والقيود في معصمي كانت لا تزال تذكرني بأنني سجين. سجين في هذا الجسد، سجين في هذه الرواية، وسجين في دور "نوكس".
"أنا قادم.." تمتمتُ، بينما كانت الهالة السوداء تتلاشى ببطء، تاركةً إياي وحيداً في مواجهة آلاف العيون التي لا أستطيع رؤيتها، وعالمٍ قررتُ أن أعيد كتابته.. بدمي، وخوفي، وتشوهي.
--