بعد أن ودّع كايتو يوي، بدأ يسير وحده في الطريق المؤدي إلى منزله.
كانت السماء قد بدأت تميل إلى اللون البرتقالي مع اقتراب الغروب، والهواء البارد يمر بين الأشجار بهدوء.
أخرج كايتو هاتفه من جيبه.
نظر إلى الشاشة لحظة…
كان يفكر في شيء واحد فقط.
أكاني.
ابتسم ابتسامة خفيفة دون وعي.
"ربما يجب أن أرسل لها رسالة…"
فتح المحادثة، وأصبعه كاد أن يبدأ بالكتابة—
لكن فجأة…
توقفت خطواته.
على بعد عدة أمتار منه، كان هناك شخص يسير في الاتجاه المعاكس.
ومع اقتراب المسافة…
تعرف كل منهما على الآخر.
ريوسكي.
توقف الاثنان في مكانهما.
كانت هناك مسافة صامتة تفصل بينهما.
رفع كايتو عينيه إليه وقال ببرود:
"أنت…"
أما ريوسكي فبقي صامتاً.
لم يتغير تعبير وجهه.
تنهد كايتو بخفة، وكأنه فقد الاهتمام فجأة.
وبدأ يمشي ليتجاوزه.
لكن في تلك اللحظة—
تحدث ريوسكي.
قال بصوت منخفض:
"أكاني… كيف حالها؟"
توقفت خطوات كايتو فوراً.
تجمد مكانه.
بقي صامتاً لثانية… ثم استدار ببطء.
نظر إليه بعينين حادتين.
وقال ببرود واضح:
"هل تمزح معي؟"
رد ريوسكي بهدوء:
"أنا أتحدث بجدية."
اقترب كايتو خطوة.
"حسناً… إذاً يجب أن تتوقف عن ذكر اسم أكاني والتحدث عنها."
كانت نبرته حادة.
ثم قال بسخرية:
"لديك حبيبة، صحيح؟"
"تلك الفتاة من ذلك اليوم… التي كانت تهين أكاني."
اشتدت نبرة صوته.
"وأنت كنت تقف مثل المزهرية…"
توقف لحظة ثم قال ببرود:
"حتى أنني لا أتذكر ماذا كنت ترتدي ذلك اليوم."
خفض ريوسكي عينيه قليلاً.
ثم قال:
"أنا… انفصلت عن شيوري."
رد كايتو فوراً:
"وماذا إذاً؟"
تنهد ريوسكي ببطء.
ثم قال:
"لا أعلم إن كنت تعلم هذا…"
رفع عينيه إليه.
"لكن أنا وأكاني كنا نتواعد لمدة سنة."
تجمد كايتو قليلاً… لكنه لم يتكلم.
أكمل ريوسكي:
"لكنني… غبي."
شد قبضته.
"تم التلاعب بي."
انخفض صوته.
"استغلتني شيوري فقط من أجل… من أجل…"
شد أسنانه.
"تباً…"
رفع رأسه فجأة وقال بصراحة:
"كنت أحب أكاني."
ثم أضاف بصوت أكثر هدوءاً:
"وما زلت أحبها."
في لحظة—
اندفع كايتو نحوه.
أمسك ياقة قميص ريوسكي بقوة وثبّته على الجدار.
ارتطم ظهر ريوسكي بالحائط.
كان وجه كايتو قريباً جداً منه.
وقال بغضب:
"توقف عن الكلام."
لكن ريوسكي لم يقاوم.
نظر إليه ببرود وقال:
"لا تخف."
ثم أضاف:
"لقد تحدثت مع أكاني بعد ذلك اليوم."
اتسعت عينا كايتو قليلاً.
أكمل ريوسكي:
"وقد أخبرتني بمشاعرها الصادقة."
ثم قال ببطء:
"أكاني… تكرهني جداً."
رفع عينيه إليه مباشرة.
وقال:
"أنت حقاً محظوظ."
في اللحظة التالية—
لكمه كايتو بقوة في وجهه.
ارتد رأس ريوسكي جانباً.
وسقطت قطرات الدم من أنفه.
كان صمت الشارع ثقيلاً.
قال كايتو بغضب شديد:
"أنا محظوظ؟!"
اقترب منه أكثر.
"أنت لا تعرف أي شيء."
اشتدت قبضته.
"أنت مجرد شخص أحمق."
ثم صرخ:
"هل تعلم ماذا؟!"
"أنت تستحق هذا!"
ارتجف صوت كايتو وهو يقول:
"هل تعلم كم عانت أكاني في اليوم الذي تركتها فيه؟!"
اتسعت عينا ريوسكي فجأة.
"كم بكت؟!"
همس ريوسكي بصدمة:
"ماذا…؟"
لكن كايتو لم يتوقف.
قال بحدة:
"أنا لست مثلك."
ثم تنهد ببطء.
"نعم… أنت قلت الحقيقة."
ثم قال بنبرة هادئة لكنها قوية:
"أنا محظوظ جداً."
نظر إليه مباشرة.
"بسببك أنت."
تجمد ريوسكي.
أكمل كايتو:
"اليوم الذي تركت فيه أكاني…"
خفض صوته قليلاً.
"قُدّر لي أن ألتقي بها."
ثم قال بثقة:
"أنا محظوظ جداً لأن لدي أكاني."
شد قبضته وقال:
"وأنا لن أجعلها حزينة أبداً."
اقترب أكثر وقال:
"لست مثلك."
ثم ترك ياقة قميصه فجأة.
ترنح ريوسكي قليلاً.
وانزلق ببطء حتى جلس على الأرض مستنداً إلى الحائط.
كان أنفه ينزف.
وقف كايتو أمامه لحظة.
ثم قال ببرود:
"انسَ أكاني."
ثم استدار.
وقال قبل أن يبتعد:
"هي لم تعد لك بعد الآن."
ثم بدأ يمشي بعيداً.
خطوة… بعد خطوة…
حتى اختفى في نهاية الشارع.
أما ريوسكي فبقي جالساً على الأرض.
رفع يده ولمس الدم على أنفه.
ثم ضحك ضحكة خافتة مريرة.
لكن فجأة…
سقطت دمعة من عينه.
همس لنفسه:
"تباً…"
ثم قال بصوت مكسور:
"هذا… هذا قاسٍ جداً."
خفض رأسه.
"أنا أستحق كل هذا…"
لكن صوته ارتجف.
"لكن… هذا حقاً صعب."
جلس هناك وحده…
مع غروب الشمس.
بعد مدة…
وصل كايتو إلى شقته.
فتح الباب بسرعة.
دخل دون أن يبدل حذاءه حتى.
ثم رما حقيبته على الأرض.
مشى مباشرة نحو الحمام.
فتح الصنبور بعنف.
وقف أمام المرآة… وبدأ يغسل وجهه بالماء البارد.
قطرات الماء تناثرت على الأرض.
كان يتنفس بسرعة.
ثم رفع رأسه ونظر إلى نفسه في المرآة.
وقال في داخله:
"ما هذا الذي فعلته…؟"
أغمض عينيه بقوة.
"هل تماديت…؟"
شد قبضته.
ثم ضرب الحوض بيده بخفة من الغضب.
بقي صامتاً لثوانٍ.
ثم تنهد ببطء.
خرج من الحمام.
توجه إلى غرفة المعيشة.
وجلس على الأريكة.
أخرج هاتفه من جيبه.
فتح الشاشة.
كانت محادثة أكاني أمامه.
ظل ينظر إليها.
كان يفكر أن يكتب رسالة…
لكن…
توقف.
أطفأ الشاشة.
ووضع الهاتف بجانبه.
لم يرسل شيئاً.
جلس في صمت.
وعيناه تحدقان في الفراغ.
في صباح اليوم التالي…
تسللت خيوط الشمس الأولى عبر نافذة الشقة الصغيرة، وانعكس الضوء الذهبي على أرضية غرفة المعيشة الهادئة.
كان كايتو مستلقياً على الأريكة.
لم يكن نائماً في سريره تلك الليلة… بل غلبه التعب وهو جالس، فاستسلم للنوم هناك.
فتح عينيه ببطء.
رمش عدة مرات محاولاً استيعاب الصباح.
شعر بتيبّس في عنقه وكتفيه، فاعتدل قليلاً وهو يتنهد.
مد يده إلى الطاولة الصغيرة بجانب الأريكة وأمسك هاتفه.
فتح الشاشة.
نظر إلى الإشعارات.
…لا شيء.
لا رسائل.
لا مكالمات.
بقي يحدق في الشاشة للحظة.
ثم أطفأها ببطء.
جلس على الأريكة وهو يميل للأمام قليلاً، واضعاً مرفقيه على ركبتيه.
تنهد بصمت.
وفجأة…
سمع صوتاً خلفه يقول بلطف:
"صباح الخير."
تجمد كايتو في مكانه.
اتسعت عيناه قليلاً.
استدار ببطء شديد…
وهناك—
كانت أكاني تقف في المطبخ الصغير، تنظر إليه بابتسامة هادئة.
وقف شعرها البني الطويل فوق كتفيها بشكل طبيعي، وكانت ترتدي ملابس منزلية بسيطة.
كانت أشعة الشمس تلامس وجهها بلطف.
اقتربت منه بضع خطوات وقالت:
"لقد أعددت الفطور."
ظل كايتو ينظر إليها وكأنه لم يصدق ما يراه.
ثم وضع يديه على وجهه فجأة.
غطى عينيه للحظة.
تنفس ببطء.
ثم أنزل يديه تدريجياً.
وعندما ظهرت ملامحه من جديد… كانت ابتسامة خفيفة على وجهه.
قالت أكاني بنبرة قلقة قليلاً:
"ما الخطب؟"
لم يجبها كايتو مباشرة.
بدلاً من ذلك…
فتح ذراعيه قليلاً نحوها.
وقال بصوت هادئ:
"أكاني…"
ابتسمت أكاني فوراً.
تقدمت نحوه دون تردد.
ثم انحنت قليلاً وعانقته.
التف ذراعاه حولها برفق.
كان العناق دافئاً… وهادئاً… وصادقاً.
لم يكن هناك استعجال.
فقط شعور بالراحة.
بقي الاثنان هكذا لبضع لحظات.
ثم ابتعدا قليلاً.
لكن المسافة بينهما بقيت قصيرة جداً.
كان كايتو يضع يديه خلف ظهرها ممسكاً خصرها برفق.
بينما كانت أكاني تضع يديها خلف رأسه بلطف.
نظرت إليه وقالت بهدوء:
"بالأمس… هل حدث شيء ما معك؟"
توقف كايتو لحظة.
ثم أبعد نظره عن عينيها.
وقال:
"لا… لم يحدث شيء."
ثم أضاف:
"لماذا تسألين؟"
رفعت أكاني حاجبها قليلاً وقالت:
"لأن هذا أول يوم… لا تراسلني فيه."
مالت برأسها قليلاً.
ثم قالت بنبرة خفيفة مازحة:
"هل توقفت عن الاشتياق لي؟"
رفع كايتو رأسه بسرعة ونظر مباشرة في عينيها.
وقال بسرعة:
"هذا ليس صحيحاً!"
اتسعت عينا أكاني للحظة.
ثم…
لم تستطع حبس ضحكتها.
ضحكت بصوت خفيف وهي تقول:
"أنا أمزح معك!"
وضعت يدها على فمها قليلاً وهي تضحك.
احمرّ وجه كايتو فوراً.
ثم تمتم بتوتر:
"تباً…"
استمرت أكاني بالابتسام.
ثم رفعت يديها.
وأمسكت وجه كايتو بين كفيها بلطف.
وضعت يديها على خديه الدافئين.
وقالت وهي تنظر في عينيه بصدق:
"إذاً… هل ستخبرني بما حصل معك؟"
نظر كايتو إليها لحظة.
ثم ظهرت ابتسامة خفيفة على شفتيه.
وقال:
"سأخبرك."
ابتعد الاثنان قليلاً.
وجلسا جنباً إلى جنب على الأريكة.
ساد الصمت لوهلة قصيرة.
كان كايتو يفكر في كلماته.
ثم تنهد بهدوء.
وقال:
"بالأمس… قابلت بالصدفة حبيبك السابق."
اتسعت عينا أكاني فجأة.
"ماذا…؟"
قال كايتو وهو يفكر:
"ما كان اسمه مجدداً…"
ثم قال:
"ريوسكي…"
نظر إليها.
"ريوسكي… صحيح؟"
أومأت أكاني برأسها ببطء.
تابع كايتو:
"سألني عنك."
خفض نظره قليلاً.
"وأنا… تماديت قليلاً."
تنهد.
"لم أتمالك نفسي."
رفع عينيه قليلاً وقال:
"بسبب ذلك اليوم… في المطعم."
"عندما جاء مع حبيبته تلك."
ساد الصمت للحظة.
ثم أكمل كايتو:
"ظل يخبرني أنه… أنتِ وهو…"
"كنتما تتواعدان لقرابة سنة."
"إلى أن جاء ذلك اليوم."
شد قبضته قليلاً.
"قال لي إنه ما زال يحبك."
ثم ضحك بسخرية خفيفة.
"وقال أيضاً… إنني محظوظ."
خفض رأسه قليلاً.
"لم أستطع تمالك نفسي."
قال بصوت منخفض:
"فقلت له كلاماً قاسياً ."
"وضربته على وجهه."
"جعلت أنفه ينزف."
ساد الصمت بينهما.
ثم قال كايتو بهدوء:
"بالأمس… لم أرد أن أراسلك."
"لأنني كنت غاضباً من نفسي… ومن كل ما حدث."
ثم قال بصراحة:
"لم أرد أن تريني وأنا غاضب."
في تلك اللحظة…
مدت أكاني يدها.
وأمسكت يد كايتو برفق.
قالت بصوت صادق وهي تنظر في عينيه:
"كايتو…"
"أنا حقاً أحبك."
اتسعت عينا كايتو قليلاً.
تابعت أكاني بهدوء:
"أنا أعلم ما في قلبي."
"لم أحب شخصاً في حياتي… كما أحبك الآن."
وضعت يدها الأخرى فوق يده.
وقالت:
"أنا أعلم هذا جيداً."
ثم قالت بهدوء مطمئن:
"لا يهمني ما قاله ريوسكي."
"حتى إن كان لا يزال يحبني…"
هزت رأسها قليلاً.
"هذا لا يهم."
ثم ابتسمت بلطف.
وقالت:
"لأنني أنا… أحبك."
"فقط أنت."
كانت عينا كايتو تلمعان.
كان على وشك أن تسقط دموعه.
لكنه تماسك.
ونظر إلى الأرض.
مدت أكاني يدها ورفعت رأسه بلطف.
وقالت بابتسامة دافئة:
"لا بأس."
تنهد كايتو.
وقال بصوت خافت:
"أنا آسف."
ضحكت أكاني بخفة.
وقالت:
"لماذا تعتذر؟"
رد كايتو:
"شعرت أن عليّ قول ذلك."
ابتسمت أكاني.
ثم اقتربت قليلاً.
وعانق الاثنان بعضهما مرة أخرى…
عناقاً خفيفاً…
لكن مليئاً بالطمأنينة.
نهاية الفصل....