المجلد الأول: المجهول
الفصل الأول: المجهول
سار شاب ذو شعر أسود بحذر بين منزلين من الطوب نصف متهالكين. كان يمسك بحقيبة جلدية قديمة مهترئة بإحكام، ويتفحص محيطه وهو يلقي نظرة خاطفة من خلال بقايا نافذة زجاجية.
من خلف الإطار الخشبي المتشظي، رأى لون الغسق البارد يغيب في الأفق. وصل إلى أذنيه صوت الأمواج المتلاطمة، وشمّ رائحة خفيفة من الملح في الهواء.
كان قريباً. بضع خطوات أخرى وسيتمكن من بدء رحلته نحو الحرية.
رفع الشاب يده ببطء، فتحرك ظلان خلفه. ومع اقترابهما، سمح له ضوء الشمس الخافت بإلقاء نظرة فاحصة عليهما؛ امرأة عجوز متجعدة في الخمسينيات من عمرها، ذات بشرة برونزية وشعر رمادي، تحمل فتاة صغيرة ذات شعر أسود بالكاد تجاوزت الثالثة عشرة من عمرها، ولها نفس لون البشرة.
كانت تلك عائلته... أو على الأقل جزء منها.
أبعد الشاب نظره وألقى نظرة خاطفة على سواره الفضي. داعبت أصابعه الخشنة والمتصلبة حوافه المصقولة بدقة وهو يدرس نقوشه الغريبة للمرة المئة، ربما بدافع العادة.
قلة من الرجال سيختارون ارتداء هذا النوع من الإكسسوارات في بلده، والمادة الثمينة التي صنع منها كانت ستدفع أي شخص في وضعه إلى بيعها.
ومع ذلك، ورغم العقبات التي لا تُحصى التي واجهها، لم يستطع التخلي عنها أبدًا. ذلك لأنها كانت آخر تذكار من والده الراحل، الشيء الوحيد الذي سيذكره بأجمل أيام طفولته.
منذ وفاة والده المفاجئة، غرقت عائلته في فقر مدقع، واضطر لترك المدرسة لإعالة والدته المريضة. مرت السنوات سريعًا، وارتكب خلالها العديد من الأفعال المشينة، كالسرقة والتهديد وإيذاء الآخرين لإطعام أهله.
كان تجويع نفسه لأيام متتالية ممارسة شائعة فقط لكي تتمكن أخته من تناول وجبة كاملة - ولم يشعر بأي ندم على ذلك أبداً.
بنساً تلو الآخر، تمكن من توفير ما يكفي من المال لهم الثلاثة للهروب من يأس بلادهم والوصول إلى أرض الأمل.
على الجانب الآخر من البحر الأبيض المتوسط يكمن المصدر الوحيد للخلاص بالنسبة لهم، وكان على استعداد لفعل كل شيء ليمنح عائلته فرصة لتجربة حياة طبيعية في هذا العالم.
سرعان ما غطى الظلام السماء، وانحسرت تيارات من الأضواء المتلألئة بهدوء على الشاطئ، عاكسة الليل المرصع بالنجوم.
ثبتت نظرات الشاب بترقب على الشعاب المرجانية القريبة، والتي سرعان ما ظهر خلفها شيء ما. اقترب قارب شراعي بصمت من الشاطئ، كاشفاً عن هيئة مظللة على سطحه. أضاء القارب ضوءاً ثلاث مرات متتالية بسرعة، مما يشير إلى أن الساحل آمن.
كانت تلك هي الإشارة.
ألقى الشاب نظرة خاطفة على عائلته قبل أن يغادر مأوى البيوت المبنية من الطوب، مسرعاً على الرمال بخطوات خفيفة. وتبعته عدة ظلال من جانبي الشاطئ، مسرعة نحو القارب الشراعي كالفراشات المنجذبة إلى اللهب.
كان يعرف معظمهم، لأن الأشخاص الذين لديهم نفس الأهداف يميلون إلى التجمع بسهولة.
قفز رجلٌ ذو مظهرٍ مرعب من على سطح السفينة، واضعاً يده على مقدمة السفينة بينما كان يُمعن النظر في "البضاعة" التي كان على وشك تهريبها. شعره الأسود القصير، وبشرته البرونزية، ولحيته غير المهذبة، أعطته مظهراً خطيراً نوعاً ما، في تناقضٍ صارخ مع قميصه الأبيض الملطخ وبنطاله الجينز الممزق.
وبما أن الشاب وعائلته وصلوا أولاً، فقد نظر إليهم المهرب بنظرة ازدراء قبل أن يبصق قائلاً: "هل أحضرتم المال؟"
أومأ الشاب برأسه وأزال الحقيبة الجلدية من حول عنقه، وشعر بقلبه يخدر وهو يفارقها. كانت تلك مدخرات عمره، مفتاح الحرية التي طالما تاقت إليها نفسه.
قام المهرب بفحص رزم النقود بفرح بالكاد أخفاه، ثم عدّها على عجل، ثم أشار إليهم للصعود إلى المركب الشراعي.
ارتسمت ابتسامة مشرقة على وجه الشاب مع انحسار توتره المتزايد. بدت والدته وشقيقته مرتاحتين، تساعدان بعضهما البعض أثناء صعودهما إلى مقدمة السفينة. وجدوا مكانًا على سطح السفينة واحتضنوا بعضهم، مدركين أن رحلتهم على وشك البدء.
شيئًا فشيئًا، امتلأ المركب الشراعي بالبضائع ، بعضها مألوف، وبعضها غريب تمامًا على الشاب. كانت جميعها مكدسة على سطح السفينة، مما جعل المركب الصغير يتأرجح بشكل خطير نحو المقدمة. لقد كانت تجربة مرعبة لأخته الصغيرة لأنها لم تركب سفينة من قبل.
رغم محاولتهم التزام الهدوء، كان الجو احتفالياً بامتياز. كانت هذه الخطوة الأولى نحو تحقيق أحلامهم جميعاً، ولم يستطع أحد منهم كبح جماح فرحته.
ربما كان ذلك بسبب الاسترخاء المفاجئ أو عدم تصديقه أنه قريب جدًا من هدفه، لكن الشاب شعر ببعض القلق. لقد مر وقت طويل منذ أن صعدت المجموعة الأخيرة، ومع ذلك لم يكن هناك أي أثر للمهرب.
سرعان ما تحوّل القلق إلى توتر شديد، فنهض الشاب فجأة، ومسح الشاطئ بنظرة ثاقبة. تحت ضوء القمر الخافت، رأى شخصًا يركض مسرعًا مغادرًا الشاطئ حاملًا حقيبة منتفخة.
المهرب! لماذا يهرب؟
وبينما بدأ الشاب يشعر بالذعر، سمع ضجيجًا مفاجئًا من قمرة القيادة. انفتح الباب فجأة، وتجمعت مجموعة كبيرة من الرجال حول سطح السفينة، مدججين بالسلاح. أصابه منظر هذا الكم الهائل من الأسلحة بالدوار، وكاد يسقط في الماء.
لم يبدُ أن أياً منهم يرتدي زياً موحداً أو يحمل شارات، لذا لا يمكن أن يعني ذلك إلا شيئاً واحداً.
تجار البشر.
توصل الجميع إلى هذا الاستنتاج في الوقت نفسه، وعمّت الفوضى على الفور. أولئك الذين ما زالوا متشبثين بالأمل قفزوا فوق القضبان المعدنية هرباً، بينما بقي آخرون في حالة ذهول، رافضين تصديق أن كل جهودهم ذهبت سدى.
لا، هذا لا يمكن أن يكون... حاول الشاب الهرب مع عائلته، لكن صوت إطلاق النار جعله يترنح.
تجمّد للحظة، كافية ليلحق به مهربو البشر. انقضّت عليه يدٌ قويةٌ وألقته على سطح السفينة، وتذوق المزيج الفاسد من المياه المالحة والدم. لمح من طرف عينه شخصًا يدفع أمه الهاربة نحو قضبان مقدمة السفينة المعدنية، ووصل إلى مسامعه صوت تحطّم العظام.
ترددت أنات أخته الصغيرة العاجزة بشكل ضعيف وسط الصرخات اليائسة بينما كانوا يسحبونها بالقوة إلى القارب الشراعي، ووجهها ملطخ بالدماء.
"لا، أرجوك! ليس هم! كل شيء إلا هم!" قاوم الشاب وهو يعض ويلكم ويركل كل شيء في متناول يده.
ما إن ضعفت قيوده حتى نهض وانقض على تاجر المخدرات الذي كان يحتجز أخته، وهو يصرخ في حالة من الهياج الشديد.
دوى صوت طلقة نارية في منتصف محاولته اليائسة، وتسرب شيء دافئ بلا انقطاع من معدته. حاول أن يخطو خطوة أخرى، لكن ساقيه خانتاه، فسقط مرة أخرى.
"أمي! أخي! ساعدوني!" صرخت أخت الشاب وهي تتخبط بلا حول ولا قوة، لكن دوى صوت أنين ثقيل، تبعه صوت لكمة مدوية.
لم تعد هناك صرخات.
وبينما كان الشاب يكافح فقدان الوعي، رفع رأسه، ليكتشف جثة أمه الملقاة على الأرض، من بين جثث أخرى كثيرة، تنزلق على هيكل السفينة.
انهمرت الدموع على خديه الملطخين بالدماء وهو يبحث عن أخته، ليجدها مكدسة مثل كتلة من اللحم بجانب أطفال آخرين، معظمهم فاقدين للوعي.
أراد أن يصرخ... أراد أن يعوي، ولو لمجرد التخلص من العذاب الذي يشعر به الآن. لكن من سيستجيب؟ من سينقذهم؟
طوال هذه المدة، عاش حياة بائسة وضحى بالكثير من أجل حلمه، ليُطفأ هذا الحلم فجأة. إن لم يكن قد ذاق مرارة اليأس من قبل، فقد عرفها الآن.
"تباً. تباً لكل شيء." تشبث بالسوار الفضي بكل ما تبقى لديه من قوة، يكتم شهقاته الثقيلة وسط شتائمه. "لماذا الحياة ظالمة إلى هذا الحد؟ لماذا..."
وبينما كان صوته يتلاشى، اجتاح الإرهاق جسده. خفتت حدة تفكيره تدريجياً مع غضبه، ليحل محله حزن عميق لمن فقد كل شيء بسهولة بالغة.
وفي اللحظة التالية، مات الشاب المجهول.