المجلد الأول: المرآة المثلثة

الفصل الثاني: المرآة المثلثة

كان المكان شديد الظلام.

بل إن مفهوم الضوء نفسه لم يكن موجوداً في هذا المكان. كان الشاب المجهول ينجرف في الفراغ مع بقايا غامضة من أفكاره المحتضرة - غضبه، حزنه، يأسه، كل شيء تجمّع في صوت مخدر للعقل خنق أفكاره، واحتضن لاوعيه.

بدا الأمر وكأنه يستمر بلا نهاية وهو يطفو دون أي فكرة عن وجهته، مدركاً فقط لوجوده... لحقيقة أنه لا يزال على قيد الحياة بطريقة ما على الرغم من أنه لقي حتفه في قارب التهريب الشراعي هذا.

بعد ما بدا وكأنه دهر، بدأت قوة خفية تضغط على جسده. ببطء ولكن بثبات، تقاربت أطرافه نحو نفس النقطة وهي تلتوي بشكل يفوق قدرة الإنسان، مولدةً شعوراً جديداً في هذا العالم الهادئ؛ الألم.

دخلت ركبتاه فمه وحطمتا جمجمته، وشقتا طريقهما إلى أعماق أكبر بينما اخترقت مرفقاه جذعه، وصعدت شظاياه المكسورة إلى حلقه.

هل هذا كل شيء؟ هل هذه هي عقوبتي؟

خلال عذابه، لم يستطع حتى البكاء، فضلاً عن الصراخ. بدت نعيم فقدان الوعي بعيدة المنال بينما كان الألم يمزق عقله، غارساً فيه الخوف المتأصل من أنه على وشك أن يعاني هذا العذاب إلى الأبد.

هل هذا بسبب جرائمي؟ لم أفعل ذلك إلا لإطعام عائلتي. لم أقتل قط، ولم أحاول القتل أبدًا! فلماذا إذًا؟

ترددت أفكاره دون أي إجابة، واستمر جسده المحطم في الانهيار على نفسه، والتقلص، والانضغاط إلى حد لا يمكن تصوره.

لماذا...؟ لماذا؟ لماذا؟ لماذا؟!

ترددت توسلاته بشكل مثير للشفقة عبر تلك المساحة المظلمة حتى انحصر في نقطة واحدة، ليصل إلى ذروة معاناته.

في تلك اللحظة بالذات، دارت أضواء متلألئة أمام عينيه، واتخذت شكل رموز غريبة مثلثة كان على دراية بها - تلك المنقوشة على سواره الفضي.

انتابه شعورٌ بالذهول وعدم الفهم، وكاد أن يمحو وعيه تماماً.

في تلك اللحظة، استيقظ.

_

جلجل!

ارتطم رأس الشاب بشيء صلب أثناء سقوطه، وسرعان ما ارتطم بالأرض.

"تباً! ماذا حدث...؟" وسط شكواه، أدرك أنه يستطيع الكلام مرة أخرى.

فتح عينيه ببطء، وتدفق الضوء بقوة كافية لإبهاره. رأى غرفة فخمة، كبيرة بما يكفي لاستيعاب منزله بأكمله، تتلألأ فيها الحلي الفضية والبرونزية في كل مكان ينظر إليه.

تألقت ثريا معلقة ببريق لؤلؤي أثيري انعكس على النسيج المحيط، محاكية انحسار الأجرام السماوية الرائع في الليل.

خارج النافذة الممتدة من الأرض إلى السقف على يمينه، امتدت مدينة رائعة من الفضة والأبيض بلا نهاية، تشبه شيئاً خرج مباشرة من الأساطير القديمة.

كانت المباني المصنوعة من الرخام الخالص تخترق السماء، وتتصل ببعضها البعض عبر سلالم حلزونية وأبراج مقوسة. كانت متقنة الصنع وخلابة، لدرجة أنها أذهلت الشاب الذي لم يغادر قطّ الحي الفقير في بلاده.

قمرٌ ضخمٌ حالك السواد يقع بين غيوم رمادية، يغمر العالم بأسره بضوئه المهيب. بدا وكأنه كسوف شمسي متواصل، تتلألأ خيوطه الشاحبة من منحنيته.

وبجانبه، تألق نجم فضي سباعي الرؤوس بنفس القدر من السطوع، على عكس أي شيء رآه الشاب من قبل.

"أين... أين أنا؟ هل هذه الجنة... أم الجحيم؟"

عندما قال ذلك، بدأ رأسه ينبض من جديد، وتدفقت على ذهنه ذكريات لا حصر لها - ذكريات لا تخصه - واحدة تلو الأخرى.

"لا. هذا... عالم آخر؟"

لم يستطع الشاب أن يقرر ما إذا كان يحلم أم لا، فنهض على قدميه، ليكتشف أنه أقصر بكثير من المعتاد. في الواقع، بدا جسده كله مختلفًا، مع أنه لم يستطع تحديد السبب.

بعد شعور غامض بالألفة، ترنح عائداً إلى الزاوية التي ارتدت فيها رأسه، ليجد مرآة طاولة متصدعة ملطخة بالدماء.

على سطح الطاولة الرخامية، لمح للحظات رمزًا يتلاشى، يشبه عينًا فضية تنزف. وإلى جانب مكانه السابق، كانت هناك صينية من فاكهة تشبه التوت الأزرق، وإن كانت أصغر حجمًا. لم تكن تبدو شهية، بل جعلته يشعر بطعم مرٍّ عالق في فمه.

تقدم خطوةً للأمام محاولاً فحص مرآة الطاولة المتشققة والملطخة بالدماء، حين شعر بوخزة ألم جعلته يتألم. رفع يده، فاكتشف أن مفاصل أصابعه تنزف، وتنزف منها سوائل دافئة من جروح صغيرة.

"هل لكمته؟"

عبس الشاب، ثم أمسك بجزء من سترته البيضاء، ومسح بها الدم عن أصابعه وسطح المرآة. كانت الشقوق قد انتشرت كخيوط العنكبوت، مع ذلك استطاع أن يرى انعكاس صورته بوضوح نسبي. في تلك اللحظة، تجمد في مكانه.

لم تتطابق الصورة التي رآها في المرآة مع تصوره لنفسه على الإطلاق. كان الشاب، الذي يقترب من العشرينيات من عمره، يتذكر أنه كان يتمتع بملامح شرقية نموذجية؛ شعر أسود قصير مجعد، وعيون بنية داكنة، وبشرة برونزية، وأنف بارز. لكن هذه المرة، كانت الصورة في المرآة أبعد ما يكون عن ذلك.

كان يظهر وجهاً رقيقاً وجميلاً بملامح شبه غير بشرية - بشرة رمادية داكنة، وشعر وعيون فضية شبه طويلة، وبقع مثلثة أرجوانية تنزلق أسفل رقبته وعلى طول أطرافه.

في أقصى الأحوال، بدا وكأنه في الحادية عشرة من عمره تقريباً.

"هذا ليس أنا..." تداعت الذكريات التي تلقاها سابقًا في ذهنه وكأنها قاطعت تسلسل أفكاره. "اسم صاحب هذا الجسد... لا، اسمي لايمنو. نعم، هذا يبدو صحيحًا."

أومأ لنفسه، وقد شعر أخيرًا ببعض الانسجام وسط أفكاره المضطربة. لقد اندمج الشاب المجهول من الأرض مع ذكريات الصبي المسمى لايمنو، ليشكلا كيانًا واحدًا. ولسبب غريب، استطاع استيعاب الفكرة بوضوح نادر، وتقبّلها بسهولة.

"نعم، أنا لايمنو." أكد لايمنو نفسه مرة أخرى وشعر بالضباب في ذهنه يتلاشى تدريجياً، مما سمح له أخيراً بالتفكير بعقلانية.

لم يكن غريباً عليه سماع قصص عن العثور على نفسه عالقاً في عالم آخر، بل كان يتخيل حدوث مثل هذه الأمور له. ومع ذلك، غالباً ما كان يشعر باختلاف بين مجرد الخيال والواقع.

استذكر لحظاته الأخيرة على الأرض – وفاة والدته، واختطاف أخته الصغيرة من قبل تجار البشر ... واستسلامه لجراحه.

الغريب في الأمر أنه لم يُثر فيه الغضب والحزن بالقدر الذي توقعه. بدا شعور اليأس بعيدًا، أشبه بتذكر ذكريات شخص آخر. كان ضعيفًا للغاية، لكنه شعر بوخزة خفيفة في صدره كلما تخيل ما سيحدث لأخته لاحقًا.

"لا أملك حيلةً حيال ذلك الآن..." رغم أن الأمر بدا قاسياً بشكلٍ غير طبيعي، إلا أنه كان ما يشعر به لايمنو في أعماق قلبه. "والأهم من ذلك، أنني بحاجة إلى معرفة مكاني وما حدث هنا."

ألقى نظرة سريعة على طاولة الرخام الفضية، فوجد قطعة زجاج بجوار مرآة الطاولة المتصدعة.

في البداية، ظنّ أنها تخص المرآة المتضررة، لكنه سرعان ما اكتشف أن المقاسات لا تتطابق. كانت القطعة مثلثة الشكل تمامًا وسليمة، كما لو أنها صُنعت على هذا النحو عمدًا.

التقطها لايمنو برفق، وشعر أن سطحها الأملس بارد وغير مريح عند اللمس.

تحت ضوء النجوم الهادئ المنبعث من الثريا المتلألئة، حدق في المرآة المثلثة، فوجد انعكاس صورته الجديدة ينظر إليه.

بعد بضع ثوانٍ من الفحص الدقيق، كان لايمنو على وشك وضع الشظية جانباً عندما لاحظ شيئاً ما.

بدأت صورته تومض بشكل لا يمكن السيطرة عليه على سطح الزجاج، وظل الانعكاس ثابتاً حتى مع تحريك رأسه بعيداً!

ملأ شعور كثيف بالرعب الغرفة عندما انطفأت الأنوار المتلألئة، مما أدى إلى غرق الغرفة بأكملها في الظلام.

انطفأ انعكاس لايمنو المتذبذب في نفس اللحظة، تاركًا بقعة سوداء تغطي معظم المرآة باستثناء حوافها. ظل ينظر إليها، باحثًا عن أصل هذه الظاهرة رغم أن كل غرائزه كانت تحثه على صرف نظره.

جلجل!

ظهرت فجأة يد سوداء غامضة على سطح مرآة الطاولة المتصدعة، تضرب وتشق طريقها للخارج. قفز لايمنو، وكاد يسقط المرآة المثلثة وهو يتجمد في مكانه من الرعب، وعيناه متسعتان وقلبه يخفق بشدة.

"ما هذا...؟"

اهتزت طاولة الرخام تحت المرآة المتصدعة، وصدى كل ارتطام قوي في الغرفة. لم يعرف لايمنو ماذا يفعل، فأنزل رأسه غريزيًا، وألقى نظرة خاطفة على المرآة المثلثة في يده.

في تلك اللحظة، تجمد الدم في عروقه.

كانت عينٌ وحشية تحدق به من سطح المرآة المثلثة!

تلوّت أوعيته الدموية الرمادية كالديدان وسط بياض عينيه الأسود، تفيض بالجنون والغضب. اشتدت نظراته مع سرعة ضربات اليد المظلمة، راغبةً في الفرار. تراجع لايمنو مسرعًا في خوف، فارتطم بحافة سريره وسقط إلى الوراء.

انفرطت السترة الملطخة حول مفاصل أصابعه، متسببة في تلطيخ شظية الزجاج ببقعة من الدم المتخثر.

انقشع الظلام فوراً عندما لامست القطرات السطح الأملس البارد. واختفت أصوات الارتطام المزعجة مع اليد الخفية، وعادت بريق الثريا إلى الحياة، لتغمر الغرفة بأكملها بضوء سماوي.

كان لايمنو مستلقيًا على أغطية سريره الناعمة، ولا يزال مشلولًا ومذهولًا مما حدث. "ما الذي جرى بحق الجحيم؟ لماذا لدي مرآة كهذه؟"

توالت الأسئلة في ذهنه، فرفع المرآة المثلثة بتردد، خشية أن يرى تلك العين المرعبة مجدداً. لحسن الحظ، اختفت مع قطرات الدم، تاركةً وراءها سلسلة غريبة من الخطوط السوداء المتحركة التي تداخلت لتشكل أشكالاً غير مألوفة. وسرعان ما أدرك لايمنو أنه يستطيع قراءتها.

تم الدفع. ثلاثة أسئلة لثلاث إجابات. أجبتُ على واحد منها، وبقي اثنان. أنتظر استفساراتكم، أيها الكريم.

2026/05/13 · 7 مشاهدة · 1314 كلمة
نادي الروايات - 2026