الفصل 85: صاعقة الليل
خرجت هيئة ببطء من النهر الرمادي.
أول ما لاحظه لايمـنو كان عصاً خشبية، بسيطة وخشنة المظهر، لكنها محفورة بنقوش تبعث إحساساً عميقاً بالغموض والسحر. كانت تلك العصا تقوم مقام رأس الكائن وعنقه، بينما غطى الجزء السفلي من جسده هيماتيون رمادي ممزق.
كانت نتوءات متلوية تتحرك تحت ثيابه، كاشفة عن ثعبانَي أنقليس بوجهين بشريين يلتفان برشاقة حول يديه الهيكليتين.
همس أحدهما بصوت بارد يتردد صداه بغرابة:
"لقد كسرتَ سكينة الغسق الأبدي، أيها المولود من التربة—"
وأكمل الآخر فوراً دون تردد:
"ولكل خطيئة عقاب. ومن واجبنا أن ننزله."
تهيأ لايمـنو للقتال، جامعاً المانا من حوله رغم تراجع قوته. لكن التدفق الرمادي استجاب ببطء، وكأنه يقاوم سيطرته.
"من أنتم؟" سأل محاولاً كسب بعض الوقت.
"نحن جامع العشور."
أجاب الاثنان بصوت واحد.
"نحن حرّاس الإشراق الأعلى، سجّانوه، والقائمون على سباته المقدّر."
اجتاح صداع جديد عقل لايمـنو، نتج عن إجهاد سحره وتأثير آخر أكثر خبثاً. وكان الألم يشتد كلما فكر في كلمات الأيدولون، مما جعله يردد دون وعي:
"الإشراق الأعلى؟"
أمسك جامع العشور بالعصا التي تمثل عموده الفقري، وسحبها بعناية من الأقمشة المبتلة. ثم توقف عند رد فعل لايمـنو، وقد بدا عليه الارتباك من جهله.
"ألستَ منحدراً من المملكة النجمية؟"
"ولماذا يهم ذلك؟"
غرس الأيدولون سلاحه في الأرض القاحلة، فانطلقت هزة اجتاحت المنطقة.
ظهرت تموجات على سطح نهر تيفراس، ثم بدأت أسماك ذات وجوه بشرية، وأفاعٍ ضخمة ذات قرون، وتماسيح برأسين، بالخروج تدريجياً من المياه.
كانت ملتوية ومشوّهة الهيئة، لكنها جميعاً ثبتت أنظارها المتلألئة على لايمـنو، كضوارٍ تترقب فريستها.
"إننا نخدم تحت قيود إلهتك، لأن مرسومها هو الذي حجب النور فوق الجميع."
ترنح لايمـنو فجأة، شاعراً بقوة غريبة تخنق عقله.
سال الدم من أنفه وأذنيه، ودوى طنين حاد داخل جمجمته.
كاد يفقد القدرة على التفكير.
لقد كاد جامع العشور يسحق وعيه بكلمات فقط. بدا أنه يكشف معرفة خطيرة للغاية، لكن لايمـنو لم يستطع إدراك أي جزء منها كان سبب هذا الارتداد المرعب.
محاولة فهم كل كلمة ينطق بها قد تقتلني. يجب أن أفرغ ذهني... وأقمع أي محاولة لفهم هرائه من جذورها.
أحاطه دفء مفاجئ، مهدئاً ذعره ومغرقاً إياه بإحساس غريب.
ارتعشت أطرافه، واحمر وجهه قليلاً بينما ارتسمت ابتسامة على شفتيه.
كفى. إن أردت النجاة فعليّ أن أقاتلهم. لا شيء يهم سوى حياتي. السعي وراء القوة خطر، لكن الحذر لن يحملني بعيداً. لا أستطيع الاستمرار في التردد.
وللحظة...
أصبح ذهنه فارغاً تماماً.
لم تعد أشكال المخلوقات الملعونة أمامه تبدو أكثر خطورة من دمى خشبية منحوتة، بل إن فكرة مواجهتها جميعاً بمفرده أطلقت موجة لذيذة من النشوة في جسده.
مد ذراعيه، دافعاً المانا المحيطة خارج مجراها بقوة جديدة.
أطلقت ثعابين جامع العشور فحيحاً دوى كإنذار على ضفاف نهر تيفراس.
وعوت الأيدولونات الصغرى بعدائية صريحة، مندفعة من كل زاوية مظلمة نحو لايمـنو.
أما هو...
فضحك.
صفق كفيه بعنف، فاستجاب الإيكور الآثم لأمره.
اندفعت موجات من الضوءين الأسود والأبيض من العدم، مرتطمة بالأيدولونات وساحقة أجسادها حتى انفجرت إلى غبار متلألئ.
وفي اللحظة التالية، اخترق جسد لايمـنو بقايا الوميض بسرعة تفوق الريح.
كانت ساقاه المعززتان تحطمان الأرض مع كل خطوة.
ضيّق عينيه الفضيتين مثبتاً نظره على جامع العشور، الذي كان قد غرس عصاه بالفعل في التربة.
راحت دوامات ملونة تدور حول الأثر السحري، بينما أضاءت نقوشه بقوة غامضة، وكأنه يتهيأ لإطلاق تعويذة.
سرت قشعريرة في عمود لايمـنو الفقري، محذرة إياه من خطر وشيك.
ودون تردد، استجاب لغريزته وانحنى فجأة أثناء اندفاعه.
شق نصل من البرق الأرجواني الهواء فوق رأسه مباشرة.
فاته بفارق شعرة واحدة.
سوى صخرة قريبة بالأرض، وشق في الصخور العارية صدعاً دائماً يزيد عمقه على عشرة أمتار.
لكن بدلاً من الخوف...
ارتسمت الإثارة على وجه لايمـنو.
قال أحد الأنقليسين:
"هذا التعبير... أعرفه جيداً. ابتسامة في وجه الموت، وضحكة في وجه القدر. مهما تغيرت العصور، فإن أبناء التربة لا يجلبون إلى مهودهم سوى الفوضى."
رفع جامع العشور عصاه.
وانتشر حقل من الضوء البنفسجي من تحت قدميه، مغطياً مساحة واسعة تجاوزت موقع لايمـنو.
كانت الكهرباء تتراقص على أطرافه، كتحذير لكل من يفكر في مغادرة حدوده.
ظهر ختم غريب على كتف لايمـنو المكشوف.
كان يصور يداً بثلاثة أصابع تمسك سلاسل مشوهة.
ورغم أنه لم يحتوِ على مانا أو لعنة ظاهرة، إلا أنه كان ينبض بانسجام مع السجن المحيط به.
وأضاف الأنقليس الآخر:
"سأطفئ شرارتك قبل أن توقظ نيراناً أعظم."
فجأة...
ابيضّ العالم.
ثم اجتاح تيار مجهول جسد لايمـنو وأحرق جلده.
ضربته صاعقة برق من السماء قبل أن يتمكن من الرد.
اهتزت عظامه كلها من شدتها.
ترنح لثوانٍ عدة، عاجزاً عن الحفاظ على توازنه.
لكن على نحو غير طبيعي، استعاد ثباته بسرعة، وغرس قدميه بقوة في الأرض اللامعة.
تمتم متجهماً:
"أهذا يفترض أن يكون إهانة؟"
كانت غضبة غير عقلانية تغلي داخله.
واكتسحته رغبة دموية طاغية أطاحت بهدوئه المعتاد، لتحل محلها حماسة غاضبة.
بصق بازدراء قائلاً:
"كان ضعيفاً جداً."
قهقه جامع العشور بلا مبالاة، مشيراً بإصبعه الهيكلي إلى السماء.
"إنها مجرد المقدمة، أيها العميق الذي لا يُدرَك."
تجمعت غيوم رعدية كثيفة تحت ستار الغسق الأبدي، حاجبة القمر الأسود الحالك.
وتشكلت سبع كرات من الضوء البنفسجي على اللوحة الضبابية للسماء، مرسومة في هيئة صاعقة برق ومحدقة في لايمـنو من الأعلى.
وكانت إحداها أكثر سطوعاً من البقية بكثير.
ثم أعلن جامع العشور:
"تبدأ الآن صاعقة الليل."