كانَت رين يينغ مُستنِدَة على النّافذة، على وشكِ القفز، لكنَّها استدرات ببطء عندَ سماعِها خطوَات شو تشيان تقتَرِب من العَدم.
بغتةً، و دون أدنى استعداد، اصطدمت نظراتها بنظراتِها وجهاً لوجه.
و في اللّحظة التي تلاقَت فيها العيون، سرت قشعَريرة باردة في جسدِها، و كأنّ الدّم قد تجمّد في عروقها و توقف الزمن من حولها.
رنّ التَّحذيرُ الذي قاله رونغ تزي للتوّ في أذنِها.
'لا تنظري في عيني الشبح، إن علِمَت أنَّك تستطيعين رؤيتها، لن تدعكِ و شأنكِ.'
لقد كانت في عداد الهالكين.
قبل أن تتَاحَ لها الفرصة لتزيغَ ببصرِها بعيدًا، ابتعدَت رين يينغ فجأة عن النّافذة و انقضَّت عليها.
كانَ خاطِفَة كومضَة البرقِ لدرجَة أنَّها دفعَتها نحوَ الجدار بقوة و لم تمهلها وقتًا للفرار.
محجر عينها الأجوف كانَ ينزِف بلا هوادَة، في حين انفرجت ملامحها في حماسٍ مسعور.
"شو تشيان! تستطيعين رؤيتي أليس كذلك؟ هذا يعنني أنَّني لم أمت صحيح؟!"
ألحَّت تسألُ بجنون.
"أنتِ ميِّتة بالفِعل!"
تملَّكها الخوفُ لدرجَة أنّها صرخت في وجه رين يينغ دون أن تلقيَ بالًا للموضوع.
انقلبت تعابيرُ وجهِها في طرفة عين من الحماس إلى الغضب العارم.
"كاذبَة! أنتِ تكذبِين! كيف يُعقل أنني ميّتة؟!"
زمجَرت و فتحت فاهها محاوِلَة عضّها من رقبتِها.
ارتعدَت فرائصُها رعبًا حتى شحُبَ لونها.
حاولَت دفعَها بعيدًا عنها بأقصى ما لديها من قوّة، لكنَّها لم تتحرَّك قيدَ أنمُلة، كأنَّها تدفعُ جدارا.
و لمَّا كادت أن تغرزَ أسنانَها في رقبَة شو تشيان، اندَفعَت ريحٌ باردَة قويَّة على حين غرّة.
و إذا بذراعٍ خفيّةٍ تمسك برين يينغ بعنفٍ، انتُزِعَت من فوق شو تشيان دفعةً واحدة، و سقطَت أرضًا كدمية مكسورة.
رفعت بصرَها مصدومَة، لترى هيئةً فارِعة الطّول تسيرُ نحوَها ببطء مهيب من عمقِ الممر.
ارتفع ثوبُه الأسود مع الريح قليلا، كاشِفًا قامَته الممشوقَة و بنيته القويّة، خطواتُه ثابتَة و واثقة، و هالته هالةُ ملكٍ، تبعثُ الرَّهبة في نفسِ من ينظرُ له تلقائيّا.
كان رونغ تشي.
أتى و وقفَ بجانِبِها، مخفِضًا بصرَه على شو تشيان.
عندَما رأى الكدَماتِ على ذراعِ شو تشيان، اكتست عيناه الداكنتنان برودة عميقة.
"يا لغبائكِ."
تلفَّظ بهذه الكلماتِ بنبرَة باردة حادة، و لوَّح بكُمّ ثوبِه الطويل، و ما هي إلا لحظة حتى دوّت صرخةٌ حادة من رين يينغ.
تقلّبت ملامح وجه شو تشيان و سرعان ما أمسكت بكمّ رونغ تشي.
"ما الذّي تفعله؟"
ردّ ببرود و دون انفعال "تجرَّأت على أذيّتِك و الآن لا بُّد أن تتلاشى روحُها من الوجود."
دُهشِت لوقع ذلك على مسامِعها.
هو أيضاً شبح، لكنَّه قادرٌ على أن يُفني الأرواح ببرودٍ لا يهتزُّ له رمش؟
"لا تفعل ذلك!"
قالت بُسرعة بالنظر إلى الألم الذّي كانت تتخبط فيه رين يينغ "هي فقط لا تعلم أنّها ميّتة بعد، و لهذا فعلت كل ذلك، ليس لأنّها تريد أذيّتي عمدًا، كانت رفيقتي في الغرفَة قبل هذا!"
ألقى عليها نظرَة جانبيَّة لوهلة و كأن نظراتُه تقرأ ما يجوب داخلها.
بعد برهة من الزّمن، رفعَ يده مجدَّدًا، لتتوقّف معاناة رين يينغ و تسكُن.
خائفة من البقاء أمامَه، أسرعت هي الأخرى بالهرب بعيدًا عنه.
تنفّست شو تشيان الصّعداء.
حريّ بـ رين يينغ الآن أن تتقبّل موتَها، و تُستَنسَخ بسلام.
استندَت بظهرها الحائط و قد نال منها الإرهاق، كأنّها أكملت سباقا للعَدْو لتوّها.
لم تلبث أن التقطت أنفاسها قبل أن تحس بلمسَة صقيعيّة على ذِراعها.
رَفعَت بصرَها لتجد أصابِع رونغ تشي الرّفيعة و الفاتِحة تمرّ على رضوضِ ذراعِها، و ما إن لامست أناملُه جلدَها، اختفت الكدمَات و كأنّها لم تكن.
"شكرًا." قالت مُطرِقة الرأس.
لطالَما كانت قادِرة على التّفريق بينَ الكره و الحب.
على الرّغم من النفور الذي كانت تشعُر به اتجاه الرّجل الشَبح، إلا أنَّها لم تنكر حقيقة أنّه أنقذَها من موتٍ محتوم.
ردُّه لها كانَ لمستُه الجليديّة على ذقنِها.
رفَع ذقنَها مجبِرًا إيَّاها على النظر في عينيه مباشَرة.
"لم أحبّ قط التعبير عن الامتنان بالكلام."
قالَ بنبرَة مبهَمة.
فورَ ما سقطت كلماتُه على أذنيها، انحنى إلى الأمام، و حاصرَها بين جسدِه و زاويَة الجدار، مقتربًا منها ببطء.
تسارعت أنفاسها، و شعرت بقلبها يخفق بعنف.
أدارت رأسها بسرعَة بعيدًا عنه محاولةً الابتعاد.
عادَ الغضب ليومِض في عينيه القاتمتين.
أدرَكت شو تشيان أنّ لا جدوى لمحاولاتِها في دفعِه بعيدًا عنه، مهما قاومَته، لن يزيدَ ذلكَ سوى من غضبِ الشَّبح الذَّكر فحسب.
لم تجد حلًّا آخر سوى أن تختلق عذرًا.
"لا يزال لديّ درس يجب أن أحضره."
حدَّجها، بعينين عميقتين و نظراتٍ غامِضَة لم تتمكن من قراءَتها، كان من الصّعب عليها أن ترى ما يجول خلالَهما.
ثم فجأة، أحسّست بلمسَتِه الباردة على معصمِها.
أخفضت بصرَها و رأته يضع سوَرًا من اليشم الأخضر في يدِها.
"هذا رمزُ خطوبَتنا، نسيتُ أن أعطيكِ إياه المرّة الماضية." همس رونغ تشي في أذنها.
"أمم...لديّ محاضرة..."
لم تصغِ لما أرادَ قوله على الإطلاق، فقط أسرعت بإيجاد عذر ما لتتهرّب منه.
"عليّ الذهاب..."
قالت هذا ثمّ انفلتت منه و أسرعت نحو صفّها جريًا.
لم يوقفها هذه المرّة.
عند وصولها إلى قاعة الدراسة، حاولَت ألا تنظر إلى الشّبح الصغير الذي يتبعُ الآنسة ني خلال ما تبقّى من الحصّة.
و غادرت بسرعة مع لوو هان و شياو مين عندَما رنّ الجرس.
ما إن بلغت ثلاثتهن أسفل مبنى السكن، حتى لمحن فتىً يتسكّع في الأرجاء، كمن ينتظر أحدًا ما.
"هاي، أليسَ ذلك حبيب رين يينغ؟" تساءلت شياو مين.
تعجَّبت شو تشيان.
كانت شياو مين الوحيدة بينهن التي التقت بحبيب رين يينغ، و كانت هذه المرة الأولى التّي تراه فيها شو تشيان و لوو هان.
كان الشَّاب وسيمًا و طويل القامَة، بشرتُه فاتحة و نضرَة، و بدا بشوشا مشرِق الطّبع.
و في تلك الأثناء، لمحهن الفتى و لوّح بيده نحو شياو مين.
بعد 10 دقائق أخرى، حصلن على الإذن من السيِّدة المشرِفة على سكنِ الفتيات لإحضار حبيب رين يينغ إلى غرفتهن.
كان اسمُه يو تاو.
كان مسقط رأسِ رين يينغ بعيدًا جدا عن المدينة التّي تتواجد بها الجامعة، كان من المتوقع أن يستغرِق والداها أيَّامًا عديدَة للمجيء، لذلك كانا قد سَمَحا ليو تاو بجمعِ أغراضِها.
كان يو تاو فتًى رقيقَ الطبع، أجهشَ بالبكاء فور ما وقعت عيناه على مقتنَيات رين يينغ.
لم تعرف أيٌّ منهن حتى كيف تواسِيه.
"لا يمكنني تصديقُ ما حصل... ل-لماذا أقدمت على الانتحار..." قال يو تاو مختنِقًا بدموعِه المنهمرة.
من بين الفتيات الأربع في سكنهن، كانت شياو مين، لوو هان، و شو تشيان قريبات بعضهن، أما رين يينغ فلم تكن على نفس القدرِ من القرب منهن بسبب طبعها الانطوائي.
لكنهنّ عشن مع بعضهن لثلاث سنوات على أيّ حال.
و بناءً على معرفتهن بها، لم تبدُ رين يينغ كشخص ذو ميولٍ انتحاريّة قط.
إذا انتحرت رين يينغ حقًّا، كيف لها ألا تدرك أنّها ميتة بالفعل تحديداً؟
هل يعقلُ أنها ماتت مقتولة؟
طَفَت هذه الفكرَة إلى السَّطح فجأة في ذهن شو تشيان، و مجرّد التفكيرِ بها جعلَها مصدومَة.
رين يينغ كانت إنسانَة هادئة، من قد يخطِّط لقتلها؟
"آآه!"
بينما كانت شو تشيان غارقَة في التفكير، صرخَ يو تاو فجأة و هو يرتِّب أغراض رين يينغ، ثم هوى إلى الأرض.
"ما الذِّي حصل؟!"
هرَعت ثلاثتُهن إليه.
"هن... هناك... هناك كلمات على الجدار..." قال مُرتجِفًا.
اتجهت أنظارهن صوب الاتجاه الذي يشيرُ إليه بسبَّابتِه المرتعشة، و ما إن وقع نظرهن هناك حتى شهقن مرّة واحدة.
كان مكتب رين يينغ مليئًا بالفوضى و الأغراض المُبَعثرة في البداية، و لم تظهر الكلمات المكتُوبَة على الجدار إلا بعد أن أنهى يو تاو ترتيبه.
كانَت جملَة من الكلمَات الحمراء الدّموية.
"أنتِ التَّاليّة."
ارتعبَت فرائصهن عند رؤية الكلِمَات المكتوبَة بالدِّماء.
على الرغم من أنّ لوو هان ظلّت تؤكّد أنّ هذا ربما لا يتعدى كونَه مجرد مزحة سخيفة، راوَد شو تشيان شعور داخلي بأنّ الأمر ليس بهذه البساطة.
و ما إن خيّم الظلام و انطفأت الأنوار، حتى تسلّل الخوف إلى قلوبهن، لم تجرؤ لوو هان، و شياو مين، و شو تشيان على النّوم بتَاتًا، و تجمّعن معًا على سريرٍ واحد، عاجزاتٍ عن مواجهة الليل وحدهن.
و كان أسوأ ما في البقاء مستيقظات، هو الرَّغبة في قضاء الحاجة.
لم تستطِع شياو مين التحمل أكثر من ذلك في منتصفِ اللّيل، لذلك، كان على الإثنتين مرَافَقتُها إلى المرحاض.
خطَت الفتيات الثلاث إلى داخل الرواق المعتم خارج الغُرفة، و المصباح اليدوي بين أيديهن المرتعِشة، قلوبهن تخفِقُ ذعرًا في صدورهن.
كانت دورَة المياه على بعد حوالي 100 متر، لكن بدا و كأنّهن قطعن أميَالًا إلى هناك.
عندما وصلنَ إلى هناك أخيراً، كانت شو تشيان و لوو هان في البدايَة في غير حاجة لاستعمال الحمّام، لكن الخوف الشديد الذِّي تملّكهما، بعث فيهما رغبَة عارمة في التّبول.
لم تريدَا تضييعَ الفرصَة هباءً، لذلك قررتا الدخول إلى الحمام أيضاً.
بينما كانت شو تشيان تجلس القرفصاء على المرحاض، كانت ل
ا تزال تشعر بدقَّات قلبِها تتسارَعُ رعبًا.
بعد الانتهاء من قضاء حاجتِها، شعرت شو تشيان بقطرات تبللُ وجهها فجأة.
مدّت يدها تتلمس وجهها غريزيّا و سلّطت عليه نور المصباح اليدويّ.
"آآه!"
صرخَت بملء حنجرتِها!