تحت ضوءِ المصبَاح اليدوي، رأت أنّ البُقَع على أطرافِ أصابعها حمراء قرمزيّة—دم!

"ما الخطب، تشيان تشيان؟"

سألت شياو مين و لوو هان بنبرة قلقَة من الكبائن المجاورة.

"دم! دم! الدِّماء تقطرُ من السّقف!"

تيك تاك.

قطرَة دم أخرَى سقطَت على وجهِها.

يدها المرتجفَة سلّطت المصبَاح الذي بيدِها نحوَ الأعلى، ضوؤه السّاطِع يشعّ فوقَ رأسِها.

تمنَّت لحظتها لو انشقت الأرض و بلعَتها.

لأنّها رأت هيئة بيضاء معلّقة في سقفِ دورَة المياه

وجهٌ دمويٌ مشوّه، جسدٌ ملتوٍ، و مقلَة عين مفقودة.

رين يينغ!

دبَّ الخوفُ في جسمِها لدرَجة أن القشعريرة شقّت ظهرها.

لكنَّها في ذات الوقت، كانت مصدومة.

لحد اللحظة، لم تدرك رين يينغ أنّها ميّتة بعد؟

لماذا لم تُستَنسَخ روحُها إلى الآن؟

"آآه!"

صرخةٌ حادّة دوَّت من شياو مين و لوو هان بالجوار.

لا بدّ و أنّهما قد رأتا رين يينغ أيضاً من ضوء المصباح.

اندفعت تفتحُ بابَ الحمّام في هلع، لتسقط أرضًا مباشرة.

و في اللحظة ذاتها، اصطدمت بلوو هان و شياو مين، و قد سقطتا هما أيضًا في فزعٍ مماثل.

فرّت الثّلاثة من الحمّام كالمجانين.

بام!

صوتُ ارتطامٍ عالٍ أتى من الخلف فجأة.

غير قادرَة على كبحِ فضولِها، أدارت شو تشيان رأسها للخلف ترى ما كان ذاك، ليقعَ بصرُها على رين يينغ تركض خلفَهن بخطواتٍ هائجة بعد أن سقطت من الأعلى.

معظم عظامِها كان مكسورًا و جسدُها مشوّه بطريقَة مفزِعة، إلا أنّها كانت تلاحقهنّ بسرعة خاطِفَة.

لم تلبث عدة أجزاء من الثّانية حتى لحقتهنّ.

"ها...ها..."

أصواتٌ غريبَة صدرَت من جثّتها المتفتّتة.

كأنَّها قهقهة.

و في أقل من ثانيَة، وثَبت من الأرضِ بغتة و انقَضّت عليهن كوحشٍ هائج.

"آآه!"

نهش الخوفُ شياو مين لدرجة أنّ ركبتيها لم تقوَيا على حملِها، بالكادِ يُغمَى عليها.

لم تُسعِف لوو هان و شو تشيان نفسَيهما بالهرب، سقطَتا على الأرض مثل شياو مين، و ما كان منهما إلا أن شهِدتا جَسد رين يينغ المُشوَّه ينقضّ عليهن دقيقة.

و في تلك اللّحظة الحرجة، رَفَعت شو تشيان ذراعَيها تلقائيّا تحمي بهما رأسَها.

ثانية، ثانيتان، ثلاثُ ثوانٍ.

ثلاثُ ثوان ثقيلَة مرّت، يحبسن أنفاسهن، و لم يحدث شيء.

نظرَت شو تشيان إلى الأعلى بين ذراعيها، مصدومة، و وقع بصرُها على رين يينغ، منحنيةٍ أمامهن، زمجرَة غاضبة تخرجُ منها.

الذُّهول سيطر عليها.

لماذا توقّفت عن مهاجمتِهن فجأة؟!

"شو تشيان! سوارُكِ!" صاحَت لوو هان بتعجُّب مشيرًة إلى سوار شو تشيان.

أسرعت تخفِضُ بصرها إلى السِّوار في معصمِها الأيسر، لتراه يتوهَّج بضوءٍ أحمر داكن.

هل كانت رين يينغ خائفة من هذا السّوار؟

لم تهتم بالتفكير حيالَ هذا الآن.

نهضَت مُسرعَة و سحبَت معها شياو مين و لوو هان و ركضَت معهما نحو السّكن.

و لحسن الحظ، توقفت رين يينغ عن مطاردتهن.

و ما إن وصلن إلى غرفتهن بالسّكن، حتى هرعت شو تشيان تغلقُ البابَ بإحكام و تسدّه بالكراسِي، ثمّ انهَارت على السّرير بجسدٍ مرتعش و قلبٍ خائف.

خيَّم هدوءٌ مُخيف على الغرفة.

انفجَرت شياو مين بالبكاء فجأة.

"هل...هل تنوِي رين يينغ قتلَنا حتى نبقَى معها؟"

"كفى! يكفِي بكاءً! ما فائدة النّحيب الآن!" نهرَتها لوو هان، كانت ساخطَة للغايَة على ما حصل للتّو.

لم تجرؤ شياو مين على التفوه بكلمِةٍ أخرى، و لم يكن في وسعِها شيءٌ سوى البكاء بصمت.

نظرت لوو هان إلى شو تشيان ثم سألتها مشيرَة إلى إسوارَتِها.

"سو، ما الخطبُ مع سوار العاج في يدكِ ذاك؟ بدَت رين يينغ خائفة منه."

"أعطَته صديقة لي، أخبرتني أنَّه يطرد الأرواح الشّريرة."

لم يكن أمامَها سوى الكذبِ حيلةً، لم تستطع أن تخبرهما عن زواجها بالشّبح.

لم تشكّ لوو هان و شياو مين بشيء.

ارتمت شو تشيان على سريرِها، يدُها اليُمنى تطبِقُ بإحكام على سوار العاج الأخضر.

على الرغم من بُغضِها الشَّديد لرونغ تشي، ذلك الشبح اللعين، إلا أنَّ يد القدَرِ شاءت على نحوٍ غير متوقع، أن تنجو بسبب سوار اليشم خاصّتِه الذّي أهدَاها إيّاه.

و كأنَّه قرأ أفكارَها، وهجٌ أحمرٌ أشَع الإسوار العاجي مجدَّدًا.

"زوجَتي العزيزة، هل تدركين الآن مدى حسن معامَلَتي لك؟"

همسَ صوتٌ خافتٌ في أذنِها، يقطر سخريّة.

رونغ تشي!

"كلَّا لا أفعل!"

صرَخت في الفراغ أمامَها دون قصدٍ منها.

"من تخاطبين، تشيان تشيان؟"

عندَما عادَت إلى وعيِها، كانت كلٌّ من شياو مين و لوو هان يناظِرَانها بتوتر.

طَقْ طَقْ!

كانت محرَجة للغايَة لدرجة أنّها لم تعرف حتى كيف ستختلق عذرًا مقنِعًا، لكن فجأة، كان هناك طرقٌ عنيفٌ خارجَ الباب.

ما إن تنفّست الثلاثة الصعداء، حتى عاد التوتر يخنق أنفاسهن بغتة.

تكومن مع بعضِهن في سريرٍ واحد، يرتجفن بلا هوادَة، يحدِّقن في البَاب.

ارتجّ باب الغُرفَة تحت وقع الضّربات العنيفة المتتالية، لكنه بقيَ مغلَقًا و لحسن الحظ لم يُفتَح.

أيَّا كان ذاك الذّي طرقَ الباب، بدا و كأنّه استسلم أخيرًا بعد عشراتِ المحاولات.

عادَ اللّيل إلى سكونه شيئًا فشيئًا، و كذلك عاد إليهن روعهن المنهار.

لم تظهر رين يينغ لبقيّة الليلَة، لكنّ الثلاثة عزمن على البقاء مستيقظاتِ حتى الفجر.

حالَما بدأت خيوط الفجر تنكشِف، اقترحت شياو مين أن يبدأن بالتّحقيق في موتِ رين يينغ.

كانت مثل قبضةٍ حديديّة في قفّاز مخملي.

بغضِّ النّظر عن خوفِها الذّي أكل دواخِلها، إلا أنّها كانت مصرّة على إيجاد الحل، بدءًا بمعرفة السَّبب الحقيقيّ وراء موتِ رين يينغ.

انقَسمت هي و لوو هان: ظلّت إحداهما في الغرفة للتّحققِ من أغراضِ رين يينغ، و الأخرى ذهبت إلى مقرّ الشّرطة لتستفسِر عن مزيدٍ من حيثيَّات القضيّة.

شو تشيان، هي الأخرى، قرّرت الذهاب إلى رونغ تزي.

كان في نهايَة المطاف، الشّخص الوحيد ممَّن تعرفهم الذي يمكنه رؤية الأشبَاح.

ربَّما يعرفُ طريقَةً ما للتعاملِ مع رين يينغ.

بعد بحثٍ طويل، عثَرت عليه في الغابَة خلف الجامعة حبيبتِه الجديدة.

ما كان مثيرًا للاهتمام أنّ هذه الفتاة لم تكن نفسُها العارضَة من يوم أمس.

ارتسم الإحراج الشّديدُ على وجهِه فورَ ظهورها المُباغت، ثمّ طلب من الفتاة التّي كانت معه الانصراف.

حدجتها تلك الفتاة بعيونٍ شراريّة، و غادرت.

"شو تشيان، لماذا تأتين بحثًا عني؟"

ضاقت ذرعًا من تضييع المزيد من الوقتِ في أحاديث فارغة مع رونغ تزي، دخلت مباشرَة في صلبِ الموضوع و أخبرته بكلّ ما حصلَ مع رين يينغ، و سألته "رونغ تزي، ألا تعلم رين يينغ أنّها ميتة بعد؟ لماذا لم تذهب روحُها إلى الاستنساخ؟"

عقدَ حاجبيه بجديّة عابسًا.

"تصرُّفات رين يينغ الآن حتمًا ليس بسببِ عدمِ معرفتِها بأنَّها ميِّتة، بل بسببِ ضغينَتِها."

"ضغينة؟"

"نعم، إذا أصاب حدسِي، رين يينغ ماتت مقتولة، و لهذَا روحُها الحاقدَة لا تزال معلّقة تجوبُ عالمَنا."

عقدَ الذّهول لسانَها و حدّقت فيه كالبلهاء.

إذًا رين يينغ لم تمت لأنّها انتحرت؟

"روحُها يجبُ أن تذهب إلى القاتِل الذّي قتلَها، أليس كذلك؟ لا يوجد حقدٌ بيننا و بينَها، لماذا إذًا تصرُّ على ملاحقتُِنا و محاولَة أذيّتنا؟"

هزّ برأسِه نافيًا.

"لا أدري، في هذه الحالة، أخشى أنّه سيكون عليك معرفة سببِ موتها بنفسكِ."

كما كان متوقعًا، رأسُ الخيط كان معرفَة سبب وفاتِها.

برؤيتِها محتارَة على تلك الحال و ملامِحُ القلق باديَةٌ على وجهها، رفَع حاجبَه متسائلًا.

"بالمناسبَة، لماذا لجئتِ إلي؟ هناك شخصٌ ما أقوى مني بكثير أقربُ إليكِ."

بحلَقت فيه لبعض ثوانٍ متسمرة مكانها، قبل أن تدرِك أنُّه يقصدُ الشَّبح الذَّكر، رونغ تشي.

بالحديثِ عن هذا، تذكّرت أنّها أرادت سؤاله عن شيءٍ آخر.

"رونغ تزي، لم تخبرني بعد، لماذا تعرِف بشأن زواجي الشّبحي؟"

ضيّقَت عينيها محاولَةً أن تتمعّن في تعابير وجهِه، علّها تقرأ شيئًا منه.

و مع ذلك تظاهرَ بأنّه لم يسمع سؤالَها.

أخرَجَ من جيبِه كيسًا صغيرًا و ناولها إيّاه.

"هذا زنجفر، احتفظي ببعضه معكِ و انثري القليلَ منه على عتبة الباب، لن تتجرّأ على الاقتراب ثانية."

رغم يقينها بمحاولته صرف الحديث عمدًا، إلا أن هذا الزنجفر كان مغريًا للغاية، لذا قبِلَت أن تأخذه منه.

"شكرا رونغ تزي، لكنّك لم تُجبني على سؤالي بعد."

رفضت الاستسلام.

ابتسمَ بعجز.

"شو تشيان، ليس بوسعي الآن الإجابة عن هذه الأسئلة. ستعرفينَ كل شيء في أوانِه. فقط ركزِّي على حلِّ مسألة زميلتك في السكن الآن أولًا."

لم يعطِها فرصَةً أخرى لطرحِ مزيد من الأسئلة، أسرَع يغادِر ملوِّحا بيده لها.

وقَفت شارِدَة الذّهن ممسِكَة بالزنجفر.

حدسُها أخبرَها أنّ رونغ تزي يعرِفُ الحقيقَة لكنّه يخفيها عنها.

على ذكر هذا، كان من العجيبِ أن يحمل رونغ تشي و رونغ تزي اسم العائلة ذاته.

تُرى، هل بين رونغ تشي و رونغ تزي صلةٌ خفيّة؟

-------

بعض المفاهيم:

الزِّنجفر : مادة معدنية حمراء اللّون. في الثّقافة الصّينية قدِيمًا، كان الزنجفر مادة ثمينة مُحتكَرة على طبقَة النّبلاء و الأباطِرة لرمزيّته في العلاجَات الطبيّة و الروحيّة، باعتقاد أنّه يطرد الأرواح الشِّريرة و يحمي من الأذى و مجلَبة للحظّ السّعيد و التّرف، كما استُخدِم في المراسِم الإمبراطورية و الأختام بلونه الأحمر المقدس، و كذلك استُعمِل في الأصباغ و اللّوحات الفنيّة الثّمينة.

قديمًا، كان لونُ الزنجفر الأحمر القاني مرتبطا بالأرستقراطية، لدرجة أنّ النبلاء كانوا يصبغون أبواب منازلهم بأحمر الزنجفر، دلالة على منزلتِهم الرّفيعة في المجتمع.

إلى حدّ اليوم، لازال الزنجفر، و لونُه الأحمر تحديدًا، مربوطين بجلبِ الحظّ السعيد، الغنى، و الحماية من الشّر.

اليشمُ الأخضر : في الثقافة الصينية، يَرمز اليشم الأخضر إلى الفضيلة و النقاء، و يجسد الأخلاق و الفضيلَة. كما يُعد حجرًا يجلب الحماية و الحظ و الانسجام، و يُستخدم لطرد الشرور و جلب الصحة و طول العمر. و كان رمزًا للخلود و الروحانية لدى الأباطرة و الطاويين، إضافة إلى كونه علامة على الثروة و المكانة الاجتماعية الرفيعة.

2026/02/28 · 1 مشاهدة · 1410 كلمة
لونــا
نادي الروايات - 2026