في اللحظة التي ارتطم فيها ذلك الشيء الغريب بأرض الكهف، وفي اللحظة ذاتها التي انفلت فيها صراخ أحمد من صدره ليمزّق سكون المكان، خطف الشعلة التي كان قد أشعلها من نار مخيّمه، ومدّها أمامه بيد مرتجفة من هول ما ينتظره. "ما هذا— أهذه زوجتي حقاً؟! مااااذا؟!"
وهناك كانت، بلا ريب: زوجته مريم، متكوّرة داخل حقيبة السفر كطفلة نائمة، وعلى محيّاها تلك البراءة التي لا تخون صاحبتها أبداً. ضرب أحمد جبهته بكفّه، وقد اجتمع في صدره الذهول والغضب والحنان معاً في آنٍ واحد. "لا إله إلا الله — ماذا عساي أفعل بها الآن؟" وفي أعماقه كان يصرخ نحو السماء صرخة لا يسمعها أحد: يا أماه، كيف فعلتِ هذا بابنك، وأنتِ التي ربّيتِه؟
تنهّد تنهيدة طويلة أطفأت بعض جمر غضبه، ثم مدّ يده يهزّ كتفها برفق شديد، حذراً كل الحذر أن يفزعها من نومها فجأة في ذلك المكان الموحش. "مريم. مريم — استيقظي يا حبيبتي، استيقظي."
فتحت مريم عينيها ببطء شديد، وفركتهما بظهر يدها الصغيرة، وهمست بصوت لا يزال مثقلاً بدفء النوم: "أصبح الصباح إذاً؟" وظلّ نظرها معتّماً غائماً لحظة قبل أن يتّضح شيئاً فشيئاً، فوقعت عيناها على وجه زوجها القريب منها — فانفرجت شفتاها عن ابتسامة عريضة صادقة، أضاءت الكهف كله في عيني أحمد كما تُضيء الشمس أفقاً بعد ليل طويل.
"نجحت خطتي! أنا مع أحمد الآن." وقفزت واقفة على قدميها في لحظة، وأخذت تدور حول الكهف مبتهجة، كأنها لم تكن منذ قليل نائمة داخل حقيبة سفر مظلمة.
انتفخ صدر أحمد بنفَس ساخن طويل، وتصاعد في وجهه احمرار الغضب ممزوجاً بشيء من العجز أمام فرحتها الطفولية. "لماذا،" سألها، وقد خرج الغضب هذه المرة أوضح مما أراد، "اختبأتِ في تلك الحقيبة تخطيطاً وتدبيراً، وتبعتِني من غير علمي؟ هذه رحلة محفوفة بالمخاطر، لا نعرف ما يخبّئه لنا الطريق! تعالي — سأعيدك إلى القرية على الفور، فما زلنا قريبين، ولم يفتنا من الوقت الكثير."
جلست مريم على ركبتيها في الحال، مطأطئة رأسها كطفلة أُخذت متلبّسة، وقد نفخت خديها ضيقاً وامتعاضاً واضحين. "ولمَ توبّخني هكذا، وأنا لم أفعل إلا ما يفعله كل من يحب؟ أريد أن أرى العالم أنا أيضاً، لا أن أظل حبيسة جدران القرية أنتظر عودتك عاماً كاملاً. وفضلاً عن هذا كله" — رفعت رأسها فجأة وغمزت بعينها المشاغبة — "الآن يمكنك أن تطيل غيابك ولا تعجل بالعودة، لأني معك، ولن أشعر بالوحشة." وأخرجت لسانها بدلال، وأضافت بخفّة: "كل هذا بسببي أنا."
ارتفعت زاوية فم أحمد رغماً عنه، فمهما بلغ به الغضب، لم يكن يملك أن يقاوم طويلاً وهو يراها على سجيّتها هذه، مشاغبة كأول يوم عرفها فيه. لكنه شدّ من عزمه، ولم يُظهر لها ما اعتمل في صدره من رقّة. "ستكونين عبئاً عليّ في طريق لا أعرف أهواله. سأضطر إلى إنفاق نصف قوتي وأنا أحميك، فيما كان يمكن أن أدّخرها كلها لمواجهة ما يعترضني."
فتحت عينيها باتساع، وحدّقت فيه بنظرة فارغة متعمّدة أضحكته في سرّه رغم غضبه. "عبء؟ أنا عبء؟" أطرقت رأسها لحظة، ثم رفعته فجأة، وانهمرت الكلمات من فمها في دفقة سريعة لاهثة، كأنها كانت تحفظها منذ زمن تنتظر فرصة قولها: "أنت لا تُحسن الطبخ، ولو تركتك يوماً وحدك لجعت. لا تُحسن رعاية نفسك، ولا غسل ثيابك، ولا حتى الخياطة، فمن يرقع لك ثوبك إن مزّقته سيوف الأعداء؟" فتح أحمد فمه محاولاً أن يدافع عن نفسه بكلمة، لكنها لم تمهله، ومضت في اندفاعها: "وفضلاً عن هذا كله — نعم، أعلم جيداً أني لست قوية البدن كما أنت، لكنني أحمل في يديّ أرقى مهارات القتال التي عرفتها أي مملكة في هذه الأرض. أنسيتَ أني ابنة الخليفة السابق؟ نشأتُ على العلم والدين معاً، وحفظتُ من أمور ديني ما لا يحفظه كثيرون. أما أنت، فقوتك الجسدية وحدها هي التي ظلمتني في كل مصارعة بيننا، وهي وحدها السبب الذي يجعلك تهزمني بهذه السرعة، لا مهارة زائدة عندك."
سكت أحمد لحظة يتأمل وجهها المحتقن بالحماسة، ثم تنهّد تنهيدة استسلام رقيقة، وارتسمت على شفتيه ابتسامة لم يعد يخفيها. "حسناً، حسناً. يمكنك أن ترافقيني إذن. لكن بشرط واحد لا تراجع فيه: إن حدث أي مكروه في طريقنا، تركضين بأقصى ما تملكين من سرعة، ولا تشغلي بالك بي مهما رأيتِ، فنحن لا نعرف شيئاً عمّا ينتظرنا في هذه الأرض الغريبة."
لكنها كانت قد بدأت تقفز فرحاً قبل أن يُتمّ جملته، ترقص كطفلة نالت أمنيتها، مبتهجة أكثر من أن تصغي لشرط أو قيد — واكتفت بالصياح: "نعم! نعم!" فتنهّد أحمد من جديد، تنهيدة من يعرف أنه لن يُسمَع، لكن قلبه كان يهدأ رغم ذلك كلما رآها هكذا. ومضت تلك الليلة في سلام وهدوء، لم يكدّرهما شيء.
في الصباح التالي، خرج أحمد من الكهف ومريم تمشي إلى جانبه بخطى نشيطة، وقد بدّدت الشمس الوليدة آخر أثر لبرد الليل. التفتت إليه وسألته بفضول لا يخفى: "إلى أين نتّجه يا أحمد؟"
قال، وقد لمعت عيناه بحماسة رجل يوشك أن يخوض غماره الأول في الحياة: "أظن أن رحلتنا ينبغي أن تبدأ شرقاً. سمعت من التجّار أنها أرض المحاربين بلا منازع، وأريد أن أرى بعيني أقواهم، وأن أصقل مهارتي الخاصة أمام من يستحق أن أُقاس بهم."
فكّرت مريم في الأمر برهة، وهي تعقد حاجبيها في تركيز مصطنع. "كنت أتمنى أن نرى الأراضي الغربية أولاً، فقد سمعت أن الحرير هناك من أرقى ما يُنسج في هذه الدنيا، وأن صنّاعهم يقطعون الحجر الصلب بضربة سيف واحدة لا تُخطئ. لكن لا بأس، فلندع رغبتي هذه إلى وقت آخر."
نظر إليها أحمد بامتنان صامت، وقبض قبضته أمام صدره بثقة الشاب الذي يعرف طريقه. "وهذا بالضبط ما يجعلني أُصرّ على الشرق — أنا أقاتل بفنّ ابتكرته بنفسي، لم يعلّمني إياه أحد، وأريد أن أكتشف فنون غيري، ومعرفتهم أيضاً، فلعلّي أتعلّم منهم ما يزيدني قوة."
قالت وهي تهزّ رأسها موافقة جزئية: "لكن مملكتنا، كما تعلم، أكثر تقدّماً في كثير من العلوم، لا سيما الطب والرياضيات، فلماذا نبحث عمّا عندنا أصلاً؟"
"أعلم ذلك حقّ العلم، ولا أنكره،" أجاب، "لكن علم الفلك هو ما أريد أن أتقدّم فيه خاصة، فهو المجال الوحيد الذي أظن أننا ما زلنا متأخرين فيه عن غيرنا." ثم أضاف بنبرة خفتت قليلاً وصارت أقرب إلى التأمل: "وفضلاً عن ذلك، فقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بطلب العلم ولو كان بعيد المنال، فكيف أقعد وأنا أستطيع السعي إليه؟"
أومأت مريم موافقة، ونفخت خدّها بدلال معهود، وأخذت تدندن لنفسها بلحن خفيف، تمشي بتمايل صغير مبالغ فيه عمداً لتُضحكه. نظر إليها أحمد من عل، فهو طويل القامة عريض المنكبين، وهي إلى جانبه كزهرة صغيرة تتمايل مع الريح، وقال في نفسه، وقد امتلأ قلبه دفئاً: لقد أنعم الله عليّ بمثل هذه الزوجة، رقيقة القلب، حادّة اللسان، لا تمل الحياة يوماً، فالحمد لله على هذه النعمة التي لا تُقدَّر بثمن.
مشيا نحو نصف يوم كامل، يتبادلان الحديث تارة والصمت المريح تارة أخرى، قبل أن يستريحا عند لافتة خشبية مغروسة بإحكام في مفترق الطرق، كُتب عليها بخط عريض: احذروا — قطّاع طرق في كل مكان، وقبائل لا تخضع لسلطان أحد. عندئذ فقط أدرك أحمد ومريم، وقد تبادلا نظرة قلقة صامتة، كم ابتعدا فعلاً عن حدود المملكة الآمنة — إذ كانا يسيران الآن في أراضٍ لا يحكمها قانون ولا شريعة، أراضٍ تعجّ بالخارجين على القانون والعشائر المتحاربة التي لا تعرف رحمة.
توقف أحمد فجأة، وقد شدّ عضلات جسده استعداداً لأي طارئ. كان رجلان يقتربان منهما ببطء. فنادى على الفور، دون تردد يشوب صوته، بل بثبات من يعرف قدر نفسه: "السلام عليكم. ما مقصدكم في هذا المكان؟"
ذُهل الرجلان لحظة، وقد صعقهما طول أحمد وبنيته وتلك القوة الداكنة الهادئة المنبعثة منه دون أن يتكلّف إظهارها، فرفعا أيديهما إشارة سلم. تكلّم أحدهما بصوت فيه شيء من الحذر الممزوج بالاحترام: "وعليكم السلام ورحمة الله. أنا زكريا، من قبيلة الصخر. كنت متجهاً غرباً نحو منجم لنا، فرأيتكما جالسَين هنا في هذا المكان الموحش، فأردت أن أطمئن وأقدّم لكما ما استطعت من المساعدة."
نظر إليه أحمد نظرة فاحصة، ثم التفت إلى زوجته التي كانت قد سدلت نقابها على وجهها بحركة سريعة تلقائية، ثم تقدّم خطوة نحو الرجلين وهو يُبعد يده عمداً عن مقبض سيفه ليُشعرهما بالطمأنينة، وابتسم ابتسامة صافية. "آه — لا داعي للاعتذار يا أخي، بل الشكر لك على حسن نيتك. وإن كان عليك أن تعلم أن هذا الموضع خطر على زوجين مسافرين وحدهما، هاها." ثم أضاف بلطف: "شكراً جزيلاً على عرضك الكريم، لكننا في غنى عنه بحمد الله، فلا يزال معنا ما يكفينا."
تأمله زكريا بإعجاب لم يخفِه، وقال في نفسه وقد راح يقارن بينهما: هذا الرجل ألطف بكثير مما توحي به هيبته. لكن، ما شاء الله لا قوة إلا بالله، كنت أحسب نفسي طويل القامة بين أبناء قبيلتي، وإذا بي أشعر بالقِصَر أمامه لأول مرة في حياتي. وتلك الذراع، عرضها يكاد يوازي عرض جذعي كله. لقد أنعم الله عليه بجسد لا يُنعم به إلا على القلائل. ثم قال بصوته المسموع: "حسناً إذن، يا أخي في الدين والعقيدة — إن احتجت شيئاً يوماً من الأيام، فاعلم أنك موضع ترحيب دائم بين قبيلة الصخر. أنا نفسي متجه شرقاً الآن، برفقة أخي الأصغر سلطان، فقد أتمّ اليوم ثمانية عشر عاماً من عمره، ولا بدّ له أن يؤدّي طقس العبور الذي تفرضه تقاليد قبيلتنا على كل شاب بلغ هذا السن."
ابتسم أحمد ابتسامة ودّ صادقة. "إذن أنت أخي الأكبر بمنزلة أخي بالفعل، فأنا في عمر أخيك تماماً." تبادل زكريا وسلطان نظرة ذهول لم يستطيعا إخفاءها، ولم يقولا شيئاً، واكتفيا بالمضي في طريقهما، مودّعَين أحمد بنظرة احترام لم تفارق وجهيهما.
عاد أحمد إلى زوجته، فقالت بابتسامة خفيفة وهي تمدّ يدها نحوه: "أظن أن علينا أن نتوجه نحن أيضاً إلى قبيلة الصخر، فقد نفد ماؤنا منذ ساعة تقريباً." ابتسم أحمد، وتناول كوب الشاي الذي قدّمته له من مؤونتها الصغيرة، شربه بلذة من كان يحتاج إليه فعلاً، ثم قال: "تعالي إذن — لنتوضأ ونصلِّ العصر قبل أن يفوتنا وقته." نظرت إليه بعينين هادئتين، وأجابت بلطف يفيض حباً: "حسناً يا أحمد."
عند منجم الذهب الذي تملكه قبيلة الصخر، التفت زكريا إلى أخيه وهما يواصلان طريقهما، لا يزال أثر الدهشة بادياً على وجهه. "ما شاء الله عليه — هو أصغر مني بخمس سنوات كاملة، ومع ذلك يبدو أكبر مني سناً وهيبة. حتى لحيته أكثف من لحيتي بكثير. أعترف أني أحسده على ما آتاه الله، وإن كان طيب القلب، حسن الخلق."
نظر سلطان إلى أخيه بشيء من الحسرة الممزوجة بالشوق. "أحسده أنا أيضاً يا أخي — يسافر بصحبة زوجته منذ الآن، بينما لا أزال أنا أنتظر دوري. متى يأتي يوم زواجي يا ترى؟"
وضع زكريا يده على كتف أخيه بحنان الأخ الأكبر. "قريباً بإذن الله، فلا تستعجل الأقدار. لكن عليك أولاً أن تؤدّي طقس قبيلتنا كما أدّيته أنا من قبلك — أن تعود بأكبر قطعة ذهب تستطيع أن تجدها في هذا المنجم، ثم تشكّلها بيدك أنت، لا بيد صائغ، وتقدّمها هدية لأمنا. تذكّر جيداً — سلسلة، وخاتم يُنقش عليه اسمها بخط واضح. حان دورك الآن يا سلطان، فلا تخيّب ظن أبينا فيك."
ابتسم سلطان ابتسامة الفخر بنفسه، ودخل المنجم والشعلة في يده تضيء له الطريق، فيما بدأت الشمس تغيب خلف التلال البعيدة، وبدأ الليل يسدل ستاره الأسود ببطء على الأرض كلها. وبعد لحظات لم تطل، اندفع خارجاً من فوهة النفق مسرعاً، والفزع بادٍ في عينيه، صائحاً بأعلى صوته: "أخي — أخي، تعال، هنا—"
فأصابه سهم غادر في رأسه، فسقط في الحال دون أن يُتمّ جملته.
صرخ زكريا صرخة مزّقت جوف الليل، وركض نحو جثة أخيه الممدّدة على التراب، ينادي وهو يهزّه بيدين مرتجفتين: "سلطان! سلطان — يا أخي، انهض! لا، لا، انهض يا أخي!" ثم استلّ سيفه بيد ترتجف من الغضب لا من الخوف، وزأر في الظلام زئير الثكلى: "اخرجوا أيها الجبناء المختبئون في الظلام — أياً كان من قتل أخي البريء، فسيقع عليه حدّ من حدود الله لا محالة! اخرجوا!" وتصدّع صوته في آخر الكلمة من فرط الحزن والغضب المتصاعد في صدره.
خرج أربعة رجال من بين الظلال ببطء ساخر، ضاحكين ضحكة استفزّت ما تبقّى من صبر زكريا. سخر أحدهم بصوت مقيت: "هؤلاء المسلمون من قبيلة الصخر — كم يسلّونني بحماستهم الفارغة."
لم يفكّر زكريا لحظة واحدة، فقد أعمى الحزن بصيرته. اندفع نحوهم بكل ما أوتي من قوة، عازماً على قطع رأس ذلك الرجل بيده — لكن سهماً آخر غادراً أصابه من الخلف، اخترق قدمه بألم حارق، فانهار على الأرض عاجزاً عن الحركة، يبكي بمرارة رجل رأى كل أحلامه تتهاوى أمام عينيه. "أخي — أخي، سامحني، لم أستطع الأخذ بثأرك، سامحني."
تقدّم رجل أصلع الرأس يحمل على جبهته فوق عينه اليمنى وشماً أحمر على هيئة ثعبان ملتوٍ، وكمّم فم زكريا بقطعة قماش خشنة أسكتت صراخه، وقيّد يديه وقدميه بسلاسل ثقيلة قبل أن يجرّه واقفاً بلا رحمة. ثم اقترب رجل قصير القامة قبيح المنظر، وفعل بجثة سلطان فعلاً مهيناً أمام عينَي زكريا مباشرة — وفي تلك اللحظة، انكسر شيء عميق في داخل زكريا لن يُجبر أبداً. بكى دموعاً يشبه لونها لون الدم من فرط الألم، وأخذ يردّد في أعماق قلبه، مراراً وتكراراً، كأنه قسَم لا يُنقض: سأقتلك. سأقتلك. سأقتلك. سأقتلك، ولو كان آخر ما أفعله في هذه الحياة.
من بعيد، جاء صوت فارس ينادي وهو يقترب مسرعاً: "أيها الزعيم! أيها الزعيم!" فرفع الرجل الممسك بزكريا رأسه ونظر نحوه. قال الفارس، وهو لا يزال يلهث من سرعة ركضه: "رأيت رجلاً وامرأة متجهين نحو قبيلة الصخر منذ قليل. انزاح نقابها عن وجهها للحظة عابرة بفعل الريح، فلمحت وجهها بوضوح. إنها جميلة جداً يا زعيم، لم أرَ مثلها من قبل."
ابتسم الزعيم ابتسامة بطيئة خبيثة، وقد لمعت عيناه بشرّ لا يخطئه ناظر. "أظنني سأستمتع بذلك الفتى القوي لاحقاً، فمثله لا يُقتل بسهولة، بل يُروَّض أولاً. وسأستمتع بتلك المرأة الجميلة — أمام عينَي زوجها تحديداً، لتكتمل لذّتي. هاهاها."
اخترق الرعب قلب زكريا وهو يسمع هذه الكلمات، وتقطّع نفَسه من هول ما فهمه. يا ربّ، دعا في صمت وهو مكبّل لا يقوى على شيء إلا الدعاء، احمِ أحمد وزوجته البريئة من شرّ هؤلاء الملاعين قبل أن تطالهما أيديهم النجسة. وخذ لي بثأري منهم يا ربّ العالمين، فأنت وحدك القادر على ذلك، ولا حول لي ولا قوة.
بعيداً عن كل هذا، وفي غفلة تامة عمّا يُحاك لهما في الظلام، كان أحمد ومريم يسيران معاً عبر عتمة الليل الهادئ، على ضوء مصباحين صغيرين من الزيت يتراقصان مع خطواتهما، ضاحكَين معاً بقلبين مطمئنّين، لا يدريان بأن القدر قد نصب لهما فخاً لا يعلمانه، وأن سعادتهما هذه البريئة قد تكون آخر لحظات الأمان التي يعيشانها معاً.