كنتُ مترددًا في أن أخطو فوق تلك الأحجار المتوهجة. كانت تبعث شعورًا مزعجًا يتسلل إلى أعماقي قبل حتى أن ألمسها.
لكن لم يكن لدي خيارٌ آخر... إما أن أتقدم، أو سيقومون بقتلي.
وهذا ما جعل الاختيار يبدو سهلًا... إلى حدٍّ ما.
لم أنطلق أولًا. بقيت في مكاني، أراقب، منتظرًا أن يبدأ الغزال النائم والخنزير الكريه بالحركة.
لكن بعد لحظات، عبستُ وأنا أحدّق بهما.
كانت تعابير وجهيهما تتغير مع كل خطوة يخطوانها، مزيجٌ من الألم والتحمّل القسري. وعندما خفضت نظري إلى الأسفل، رأيت الحقيقة بوضوح...
أقدامهما كانت تحترق تحت تأثير تلك الحجارة المتوهجة.
تراجعتُ خطوةً إلى الخلف دون وعي.
هذا... جنون.
هل يسيرون فوق نارٍ حقيقية؟
أنا... لن أفعل ذلك أبدًا.
لكن تلك الفكرة طُردت من رأسي بسرعةٍ كما جاءت.
"تحرّك، أيها الحشرة... أو هل تفضّل حكم الإعدام فورًا؟"
عند سماعي تلك الكلمات، ابتلعتُ ريقي، وأغمضتُ عينيّ للحظة، وكأنني أحاول الهروب... ولو لثانية.
"لا تقلق، الأمر ليس مؤلمًا... إنه مريح فقط.
عليك أن تجربه مرةً أخرى. فأنت تفعل هذا كل مرةٍ تفقد فيها ذاكرتك. ستعتاد عليه، صدّقني."
قالها دودة الوحل مبتسمًا، وهو يستعد للانطلاق، وكأن ما ينتظرنا مجرد لعبة.
"أكون أو لا أكون... لا خيار آخر. سأفعلها... سأفعلها."
شجعتُ نفسي، ومع قليلٍ من التردد، اندفعت نحو الأحجار السوداء، وبدأت أركض بأقصى سرعة أستطيعها، واضعًا قدمي فوقها دون تفكير.
"المؤلم... المؤلم... المؤلم...!"
اشتعل الألم في ساقيّ كوميض البرق، وكأن جلدي يُحرق حيًا. كان الألم لا يُطاق، يتصاعد مع كل خطوة.
والأسوأ من ذلك... أن الطريق ما زال طويلًا.
لكن ذلك لم يكن التحدي الوحيد.
كان عليّ أيضًا أن أتفادى تلك الفؤوس العملاقة التي تتأرجح بلا رحمة، قاطعةً الهواء من اليمين إلى اليسار.
"عليّ التوقف قليلًا... لا، لا يمكنني ذلك. تبا... ماذا أفعل؟ إذا توقفت، سأموت من الألم... وإذا واصلت الركض دون تفكير، سيُقطع جسدي إلى نصفين."
"آه..."
خففت سرعتي قليلًا بعد أن لاحظت — ولحسن حظي — ثغرةً صغيرة بين الفؤوس المتحركة.
كان المرور عبرها صعبًا... لكنه كان الخيار الوحيد.
اندفعت نحوها مباشرة.
ومع اقترابي من الفأس، قفزت بسرعة، وأمسكت بحافتها بكل ما أملك من قوة.
كان ذلك مؤلمًا... لكن ليس بقدر الألم المشتعل في قدمي.
سحبت نفسي بسرعة، ولوّحت بجسدي في الهواء، متشبثًا بالحافة. كانت المسافة بين الفؤوس قصيرة نسبيًا، لذلك احتجت إلى توليد قوةٍ أكبر لما سأفعله لاحقًا.
وفي تلك اللحظة... رأيت دودة الوحل.
كان ينزلق إلى الأسفل بانسيابية، مائلًا بجسده إلى الجانب، ثم وضع يده فوق الأحجار المتوهجة ورفع نفسه بخفة، قبل أن يقفز فوق الفأس التالي بسلاسة مذهلة.
شعرت بمفاجأة حقيقية من حركته. لكن لم يكن لدي وقت للتفكير.
بعد أن جمعت ما يكفي من القوة، تركت حافة الفأس الذي كنت متشبثًا به، وانطلقت في الهواء نحو الفأس الثاني.
مددت يدي أمامي، وأنا أرجو — بكل ما في داخلي — ألا أندم على هذه الخطوة.
مؤلم.
ما إن لمست الحافة حتى اندفع الألم في جسدي كشرارةٍ حارقة، كاد يقطع أنفاسي.
حاولت تجاهله قدر استطاعتي، لكنني كدت أفقد توازني.
بدافع غريزة البقاء، قبضت يدي بقوة، ورفعت جسدي بعنف، مندفعًا نحو الفأس الثالث...
لكن— الفأس كان على وشك أن يقسمني إلى نصفين.
لقد أخطأت في التوقيت.
وهذا... كان ثمن غبائي.
شعرت بوخزةٍ حادة من الندم، كأنها تخترق صدري.
ظننت أنني سأموت.
لكن— قبل أن يتم تقسيمي إلى نصفين، شعرت بشيءٍ ناعم يضربني من الخلف.
انطلقت في الهواء. وأنا أطفو هناك، بين الحياة والموت، بدأ عقلي يعمل بسرعةٍ جنونية، محاولًا إيجاد طريقةٍ للنجاة.
لم أكن أريد أن يحترق جسدي بالكامل عند السقوط. لذلك حاولت أن أتشقلب في الهواء، وأعدّل وضعيتي قدر الإمكان، أبحث عن زاويةٍ تقلل الضرر... ولو قليلًا.
ونجحتُ في ذلك في اللحظة المناسبة.
لكن ما إن هبطت على الأرض— حتى عاد الألم من جديد، أقوى من قبل، كأنه كان ينتظر تلك اللحظة ليهاجمني بكل ما لديه.
"أف... إنه الجحيم حرفيًا." تمتمت بذلك، وأنا ألهث، قبل أن ألتفت إلى الخلف.
عبست قليلًا عندما رأيت الدب السمين... الذي أنقذ حياتي قبل لحظات.
"لماذا؟"
تسلل إليّ فضولٌ خافت، لكنه لم يكن كافيًا ليجعلني أتوقف.
"آه... ليس وقت التفكير في ذلك. أسرع، قبل أن تصبح إنسانًا محمّصًا."
عاتبتُ نفسي سريعًا، واستأنفت الركض فورًا، بينما ثبتُّ نظري على الصخور التي تهبط من الأعلى ثم ترتفع من جديد، كأنها أنفاس وحشٍ عملاق.
بدأت أراقبها بعناية، أدرس حركتها، وأعدّ في صمت الفاصل الزمني بينها.
واحد...
اثنان...
ثلاثة...
بوم! -
ابتسمت دون وعي.
"الذكاء المصقول من الفقر... أفضل من ذكاء الأغنياء."
كنت أهرطق بكلامٍ فارغ، أعلم ذلك.
لكنني كنت بحاجةٍ لأي شيءٍ يُبقي عقلي متماسكًا.
وقفت لثانية واحدة فقط... ثم اندفعت.
وفي اللحظة نفسها، هبطت الصخور من جديد خلفي، كأنها تطاردني.
كان الحريق يلتهمني ببطء. جلدي يُشوى فوق الأحجار المتوهجة، وكل خطوة كانت كطعنةٍ جديدة.
وعندما بدأت الصخور ترتفع مرة أخرى، ركضت فورًا بأقصى ما لدي من قوة. هذه المرة... لم أعد العدّ.
كنت قريبًا. قريبًا جدًا من الصخرة الأخيرة.
ظننت أن الأمر انتهى.
كانت ترتفع إلى الأعلى... وأنا على وشك العبور.
فجأة... وقف شعر جسدي بالكامل ، سمعت صوتًا لم أكن أريد سماعه أبدًا ، صوت هبوط الصخور
"تبا—!"
ومن دون تفكير، دفعت جسدي إلى الأمام بكل ما أملك.
بوم! -
خرجت... سالمًا تقريبًا.
لكن— هبطت مباشرة فوق الأحجار المتوهجة.
لم أستوعب ما حدث في تلك اللحظة...
إلا عندما انفجرت صرخةٌ من حنجرتي.
"هااااااااااا! المؤلم... المؤلم! لا ي-"
كان الألم هذه المرة مختلفًا.
كأنه لا يحرق الجلد فقط... بل ما تحته أيضًا.
شعرت بشيءٍ غريب في وجهي.
ببطء، وبخوفٍ ، رفعت يدي ولمست وجهي.
كان النصف الأيمن منه... قد تحوّل إلى سوادٍ متفحّم. كنت أشعر به، وهو يذوب.
نهضت بسرعة، أتحسس وجهي بارتباك، كأنني أحاول التأكد أن هذا مجرد وهم.
لكن— ما إن لمسته... حتى شعرت بشيءٍ لينٍ ينفصل.
جلدي.
كان يتساقط... في يدي، تجمدت في مكاني.
ازداد الذعر داخلي بشكلٍ مرعب، وتغيّر تعبير وجهي؛ ارتفع أحد حاجبيّ وانخفض الآخر في مزيجٍ من الصدمة والرعب.
"هاه..." كان الألم لا يُطاق، بل يزداد كلما بقيت واقفًا أكثر، لذلك وبينما كان صدري يعلو ويهبط بعنف، أجبرت نفسي على الركض إلى الأمام.
اقتربت من السلايم الذي يتمدد أمامي ويسد الطريق، ورأيت دودة الوحل والغزال النائم والخنزير الكريه يدخلون إليه، لم أفهم ما يحدث لهم، كانوا يسحبون أنفسهم بصعوبة كأنهم عالقون في مستنقعٍ لزج.
"هاه..." أنفاسي كانت متقطعة، ومع ذلك دفعت نفسي إلى الداخل، وما إن دخل جسدي في السلايم حتى اختفى الهواء، شعرت وكأن رئتيّ فُرغتا دفعةً واحدة، وبدأ سائلٌ أزرق يتسلل إلى داخلي.
ومع كل مرةٍ يدخل فيها، كان الألم ينفجر، كأن جسدي يُطحن ببطء ثم يعود ثم يُطحن من جديد، يتكرر ذلك بلا توقف.
"ا... قق..." لم أستطع حتى الصراخ، كان الألم يزداد ويزداد حتى بدأ يلتهمني من الداخل.
لماذا ما زلت حيًا؟ ولماذا لا أموت فقط؟ لن يحزن أحد عليّ، وهل تستحق الحياة كل هذا الألم؟ ماذا فعلت لأستحق هذا؟ نعم، قتلت بعض الأشخاص، لكن هل هذا عقابي؟ لا أظن، إذًا لماذا لا أستسلم فقط وأموت وينتهي كل شيء؟
صمتُّ للحظة وسط ذلك العذاب، وأنا أسحب نفسي بصعوبة نحو الخارج، وعندها ظهرت الإجابة بوضوح داخل رأسي: لأنني ما زلت أريد أن أعيش، نعم، لا أريد أن أموت، أريد أن أعيش، أريد أن أرى هذا العالم اللعين لا أن أقرأ عنه فقط، لقد انتظرت طويلًا، وأنا أستحق هذه الفرصة حتى لو كانت مؤلمة.
ثم بعد معاناةٍ طويلة، تمكنت أخيرًا من الخروج، قذفني السلايم إلى الخارج بعنف فتدحرج جسدي على الأرض، كان مغطىً بمادةٍ زرقاء لزجة بالكامل.
حاولت النهوض، لكن فجأة امتلأت رؤيتي باللون الأزرق.
طراااخ! -
ارتجف جسدي بعنف، لقد أصابتني صاعقة، ثم أخرى، ثم أخرى، كل ضربة كانت تحرقني من الداخل حتى لم أعد أشعر بجسدي، ولم أعد أستطيع الحركة، وبدأ وعيي يتلاشى ببطء.
لم أعد أستطيع تحريك حتى خليةٍ واحدة.
بدأ وعيي يتلاشى ببطء.
"هل... سأموت..." بهذه البساطة؟"
حتى بعد كل ذلك الحديث... البطولي؟
ضحكت.
ضحكة خافتة، متقطعة، بالكاد خرجت من بين شفتي.
"هههه... أستحق ذلك... فأنا... في النهاية عاهة،
مهما تغيّر العالم....مهما حدث، سأبقى— "
فجأة— أظلمت رؤيتي. توقف كل شيء..الصوت.
الألم. الأفكار..كل شيء... اختفى. لقد مت.