كنتُ أطفو في فضاءٍ أسودَ لا قعر له، وكأنني معلّقٌ في سماءٍ بلا حدود، وسط ظلامٍ يبتلع كل شيء. لم أستطع التفكير، ولا الحركة، ولا حتى النطق… كنت موجودًا فقط.
شعرت وكأنني تحولت إلى دميةٍ فارغة، بلا إرادة، مجرد شيءٍ عالق في ذلك الفراغ الأسود.
بقيت على تلك الحال وقتًا طويلًا… طويلًا لدرجة أنني فقدت الإحساس بالزمن نفسه، وكأن اللحظات لم تعد تُقاس، بل تتلاشى.
ثم—ظهر ضوء.
ضوءٌ صغير، خافت، بعيد… كأنه نجمٌ وُلد في نهاية العدم.
ظل يلمع بصمت، قبل أن يبدأ بالاتساع تدريجيًا، يكبر شيئًا فشيئًا، يقترب… يقترب… حتى اندفع فجأة نحو بصري دون أي إنذار.
...
"هاه!"
نهضتُ بسرعة، ألهث بعنف، وكأنني كنت أغرق منذ لحظات. كان صدري يرتفع وينخفض بسرعة، بينما عادت إليّ الذكريات دفعةً واحدة.
"ألم أمت قبل قليل؟ كيف… كيف ما زلت على قيد الحياة؟" تجمدت أفكاري للحظة، ثم اندفعت في فوضى عارمة. "لا تقل إنه كان مجرد حلم… لا، هذا مستحيل. ذلك الألم… كان حقيقيًا تمامًا."
لم أستطع الربط بين ما حدث… وما يحدث الآن.
بل إنني لم أنتبه حتى إلى المكان الذي كنت فيه.
إلا عندما سمعت خطواتٍ تقترب.
ثم جاء الصوت: "ألا يزال وعيك سليمًا؟ وما هو المكان الذي أنت فيه؟ هل ما زلت تتذكر؟"
رفعت رأسي بصعوبة لأقابله.
كان رجلًا مسنًا، يبدو في أواخر عمره، وجهه مليء بالتجاعيد العميقة، وعيناه خلف نظاراتٍ تعكسان برودًا صارمًا، وكأنهما لا تحملان أي تعاطف.
نظرت حولي ببطء، بعدما بدأت أنفاسي تهدأ قليلًا.
كنت داخل حجرةٍ دائرية، تتوزع فيها عدة أسرّةٍ حديدية، مصطفة بشكلٍ منظم… لكن ما شدّ انتباهي حقًا— هم الأطفال.
أطفالٌ مستلقون فوق تلك الأسرّة.
كان سائلٌ غريب يتدفق إلى أجسادهم عبر أنابيب طويلة، بينما كانت أجسادهم… تتغير.
لا… بل تُعاد صناعتها.
بعضهم كان جسده أشبه بكتلةٍ صغيرة من اللحم، بالكاد تحمل شكلًا بشريًا، ثم تتفكك تلك الكتلة إلى جزيئاتٍ دقيقة… قبل أن تبدأ بالتكاثر والتمدد ببطء، وكأنها تُبنى من الصفر.
مشهدٌ مرعب… وغير منطقي.
لم أفهم شيئًا. حتى— نظرت إلى نفسي.
رأيت أصابعي تتفكك إلى جزيئاتٍ داكنة، تتناثر للحظة… ثم تعود لتلتئم من جديد، وكأن شيئًا لم يحدث.
عندها فقط لاحظت الأنبوب المغروس في جسدي.
"ما هذا بحق الجحيم…؟"
أمسك بي العجوز فجأة.
كانت قبضته قوية… بشكلٍ غير طبيعي، وكأنها لا تنتمي لجسدٍ بهذا العمر.
"تحدث. هل ما زلت تتذكر أي شيء؟ ليس لدي وقت لأضيعه معك. سأمنحك خمس ثوانٍ فقط… وإلا سيتم التخلص منك."
"آه…"
نظرت إليه، محاولًا قراءة تعبيره، لكن وجهه كان كالحجر. لم أكن أريد استفزازه.
سؤاله كان بسيطًا نوعناما.
"أنا… في قلب الشياطين."
أردت أن أعرف إن كنت ما زلت هنا… أم أنني انتقلت إلى مكانٍ آخر.
رأيته يهزّ رأسه ببطء.عندها—
شعرت بشيءٍ ينقبض داخل صدري. صرت متأكيدًا.
أنني … ما زلت هنا.
تابعت تحدث:
"اسمي هو…" توقفت فجأة، وتجمّدت الكلمات في حلقي، بينما اتسعت عيناي من الصدمة، ما هو اسمي بحق الجحيم؟
تذكّر… تذكّر، لكن مهما حاولت لم أستطع، لم يكن الأمر متعلقًا باسمي فقط، بل شعرت وكأن جزءًا من ذاكرتي قد اختفى فجأة، كما لو أنه لم يكن موجودًا أصلًا.
ومع ذلك، بدا العجوز راضيًا على نحوٍ غريب، راقبني للحظة ثم قال بصوتٍ هادئ:
"الحشرة… هذا هو اسمك، مثير للاهتمام، كان ينبغي أن تفقد ذاكرتك بالكامل بعد أن متَّ أكثر من ست مرات… يبدو أنه يجب عليّ إجراء بعض الدراسات عليك."
تجمّدت في مكاني، مهلًا… ماذا قال؟ أنا متُّ كم مرة؟ ست مرات؟ هذا مستحيل، كيف حدث ذلك؟
هل كان يقصد قبل أن أتجسد هنا؟
وفجأة تذكرت، عندما سألت ذلك المؤلف الأحمق من قبل كيف يجعلون الناس ينسون ذكرياتهم،
قال: "النسيان… هو الراحة في الموت."
حينها لم أفهم، ظننته مجرد هراء، لكن الآن… ألن يصبح الأمر واضحًا قليلًا؟
رغم ذلك، بقي عقلي مشوشًا، ما اسمي الحقيقي؟ هل "الحشرة" هو اسمي الآن؟ هل عندما يسألني أحد أقول له ذلك؟ ألن أموت من الإحراج قبل أن أموت فعلًا؟ تبا…
وبينما كنت غارقًا في أفكاري، شعرت فجأة بأن المحلول المتصل بجسدي قد اختفى، وقبل أن أستوعب ما يحدث، دخل شخصٌ آخر إلى الغرفة.
كان يرتدي قناعًا أسود يخفي ملامحه بالكامل، فقال له العجوز بصوتٍ بارد:
"لقد استيقظت الحشرة الضعيفة، لم يفقد ذاته بعد ولا يزال قادرًا على الاستمرار، خذه إلى مكان الاستيقاظ وأخبر هاينز أنني ما زلت أريد إجراء بعض التجارب عليه لاحقًا."
هزّ الرجل المقنّع رأسه بصمت، ثم اقترب مني وأمسكني من ذراعي، قبل أن يقودني خارج الحجرة الدائرية التي كنت فيها، كانت جدرانها مصنوعة من حجارةٍ بيضاء ناعمة تبدو نظيفة بشكلٍ مريب.
واصلنا السير بصمت حتى وصلنا إلى مصعدٍ قريب، دخلت معه وأنا أراقبه، فأخرج بطاقة سوداء من جيبه ووضعها أمام ماسحٍ ضوئي، فظهرت شاشة هولوغرافية، ثم أدخل رمزًا بسرعة، لكنني ركزت جيدًا حتى حفظته في ذاكرتي.
اهتزّ المصعد قليلًا، ثم بدأ بالنزول، بينما عمّ الصمت المكان.
"أفف…" أخذت نفسًا عميقًا بعدما هدأت مشاعري قليلًا، لم يكن من المجدي التفكير أكثر، لذلك دفنت تلك الأسئلة في عمق عقلي.
لكن رغم ذلك، لم يختفِ الخوف، ماذا لو نسيت من أنا؟ ماذا لو نسيت أنني متجسد داخل هذه الرواية؟ والأسوأ من ذلك، ماذا لو فقدت الميزة التي أمتلكها؟
شددت قبضتي قليلًا، يجب أن أركز على أمرٍ واحد فقط: ألا أموت مرةً أخرى مهما كان الثمن، لكن هل سيكون ذلك سهلًا؟ بالطبع لا، فقد متُّ بالفعل في أول اختبارٍ لي هنا.
ارتجف جسدي عندما تذكرت طريق الموت، كيف سأمنع حدوث ذلك مرة أخرى؟
ليس لدي خيار… يجب أن أصبح أقوى، ويجب أن أهرب من هذا المكان اللعين.
توقف المصعد أخيرًا، فخرج الرجل المقنّع أولًا، وتبعته بصمت، متجهًا نحو ما ينتظرني.
لم نسر طويلًا قبل أن ألاحظ أمامي تجمعًا كبيرًا من الأطفال، عندها توقف المقنّع وأمرني بالتقدم إلى الأمام، فتقدمت مترددًا قليلًا وأنا أنظر حولي بحذر، محاولًا فهم المكان الذي جُلبت إليه.
كان بإمكاني رؤية نقوشٍ غريبة على الجدران القريبة، نقوش بدت وكأنها تحكي مشاهد مرعبة؛ ملاكٌ ينزف دمًا، وتنينٌ مقطوع الرأس، وبشرٌ يلتهم قلب شيطان، وفوقهم مباشرة فراغٌ لا نهاية له يملؤه ظلامٌ عميق، ومن داخله يمتد مخلوقٌ بلا شكلٍ واضح، يمد أطرافه نحوهم كما لو أنه يحاول ابتلاعهم جميعًا.
تسلل الخوف إلى صدري وأنا أحدق في تلك النقوش، فوجدت نفسي أبعد نظري عنها غريزيًا، ثم وقفت في مؤخرة التجمع بصمت، محاولًا أن أبدو غير ملحوظ قدر الإمكان.
في المقدمة كان يقف رجلٌ ذو لحيةٍ سوداء كثيفة وشعرٍ داكن، مجرد مظهره كان كافيًا لفرض هيبته على المكان، ومن دون أي إنذار، انطلقت منه هالةٌ قاتلة جعلت الجميع يرتجف، بينما اتخذوا وضعية الاستعداد غريزيًا، وكأنهم على وشك القتال أو الهروب في أي لحظة.
ثم، وبشكلٍ مفاجئ، توقفت تلك الهالة، فعاد كل شيء إلى طبيعته كما لو أن شيئًا لم يحدث.
تجمد جسدي في مكاني، ولم أستطع حتى التفكير بشكلٍ واضح، وكأن تلك الهالة سحبت كل شيءٍ مني للحظات، ولم أستعد قدرتي على التنفس إلا بعد أن اختفت تمامًا.
لأستطعت تنفس مرة لأخري ، ولأخذت عدة لأنفاس ، هل كان يتباهى بقوته أمام أطفالٍ صغار؟ أين ذهبت قيم هذا العجوز؟ تبا… لا يهم.
تقدم الرجل خطوة إلى الأمام، ثم قال بصوتٍ عميق ملأ المكان بأكمله:
"أنا هاينز، قائد الحظيرة الثالثة والرابعة والعاشرة للمنسيّين، أنتم بعد لحظات ستصبحون أقرب إلى العظيم، فبمجرد أن تشربوا من دمه ستستيقظ قواكم، وسيجري دمه في عروقكم، وستصبحون الجيل الجديد للمنسيّين، افتخروا بأنفسكم وقاتلوا من أجل النجاة، فالعظيم يراقبكم من الفراغ الذي لا حدود له في سماء الأحلام، سيبدأ الاستيقاظ الآن… أعطوهم الشراب الفارغ."
ما هذا الهراء؟ هل يفكر أصلًا فيما يقول؟ أين عقله؟ هل المؤلف لم يمنحه عقلًا من الأساس؟ ربما…
"أه"
تفاجأت عندما ظهر الرجل المقنّع بجانبي فجأة، وهو يحمل كأسًا فارغًا، ثم مدّه نحوي وأعطاني إياه، ولم أكن الوحيد، فجميع الأطفال حولي حصلوا على كأسٍ مماثل.
قال هاينز :
"اشربوا… وتقربوا، لعلّ العظيم يمنحكم بركته."
وبدون أي تردد، بدأ الأطفال يشربون مما في كؤوسهم، وكأنهم اعتادوا على هذا الأمر، أما أنا فترددت للحظة قصيرة، أحدق في الكأس الفارغ، أحاول أن أفهم ما الذي يفترض أن أشربه.
لكن ذلك التردد لم يدم طويلًا. رفعت الكأس إلى فمي… وشربت دفعةً واحدة. فإذا كان هناك شيءٌ بداخلها— فسأكتشفه بنفسي.