ساد الصمت لثوانٍ ثقيلة.

كان آزارث واقفًا أمام بوابة القلعة، لكن الشعور الذي بداخله لم يكن يشبه الوقوف أمام مبنى قديم…

بل أمام شيء يبتلعه ببطء.

كان الهواء باردًا بشكل غير طبيعي، والظلال حول القلعة تتحرك وكأنها تتنفس.

أما نيكورديس…

فلم يتحرك.

لكن ظله كان يتحرك وحده.

كأن العالم نفسه لا يستطيع تقبّل وجوده بالكامل.

ابتلع آزارث ريقه بصعوبة.

“ماذا… تقصد بأن حياتي لم تعد ملكي؟”

رفع نيكورديس رأسه قليلًا.

ثم تكلم بصوت هادئ، لكنه كان يشبه السقوط داخل حفرة لا نهاية لها:

“الخطيئة لا تختار أصحابها عبثًا…”

“بل تنتظر اللحظة التي ينكسر فيها الإنسان.”

خطا خطوة واحدة.

ولثانية قصيرة…

تحولت الأرض تحت قدميه إلى ظلام خالص.

ثم عادت كما كانت.

“أنت لم تستيقظ اليوم…”

“بل كنت نائمًا داخل الخطيئة منذ البداية.”

فجأة…

بدأ آزارث يسعل الدم.

تدفقت الدماء من فمه، ثم من عينيه.

سقط على ركبتيه وهو يصرخ من الألم، بينما شعر وكأن شيئًا يتحرك داخل عظامه.

ثم عاد الصوت مجددًا.

أقرب هذه المرة.

أعمق.

“تعال إليّ…”

رفع آزارث رأسه بعنف.

“من أنت؟!”

لكن…

لم يجبه أحد.

ابتسم نيكورديس ببطء.

ابتسامة باردة وغير طبيعية.

“لماذا لا تدخل القلعة؟”

عندما توقف النزيف، اقترب آزارث من البوابة ببطء.

ومع أول لمسة…

بدأت الرموز القديمة على الباب بالتحرك.

تشققت الأحرف الحجرية، وتحولت إلى رمز جديد.

غراب أسود بأجنحة مفتوحة.

داخل جناحيه دائرة مكسورة.

وفي المنتصف…

عين واحدة تنظر مباشرة إلى آزارث.

تراجع بخوف.

لكن شيئًا داخله دفعه للأمام.

وضع يده على الباب…

ثم دفعه ببطء.

صدر صوت عميق يشبه أنينًا قديمًا.

وانفتحت القلعة.

كان الداخل مظلمًا، كأنه عالم منفصل عن الواقع.

وبمجرد أن دخل آزارث…

اشتعلت الشموع المعلقة على الجدران وحدها.

لكن الضوء لم يكن طبيعيًا.

لهب أسود.

يضوي… دون أن يمنح أي دفء.

دخل بحذر، بينما خطواته تتردد داخل الممرات الطويلة.

الجدران كانت مليئة بنقوش غريبة.

وجوه بشرية مشوهة.

أعين مفتوحة.

وأشياء بدت وكأنها تصرخ بصمت.

استمر بالمشي حتى وصل إلى القاعة الرئيسية.

وهناك…

رأى العرش.

عرش ضخم مصنوع بالكامل من ظلام كثيف، وكأنه ليس مادة حقيقية.

وكانت الظلال حوله تتحرك كالأيدي.

ثم عاد الصوت.

“تعال إليّ…”

“تعال…”

“تعال…”

شعر آزارث بأن قلبه يتجمد.

الصوت كان يخرج من داخل العرش نفسه.

تقدم خطوة.

لكن فجأة—

صرخ نيكورديس بصوت حاد:

“لا تذهب!”

توقف آزارث فورًا.

نظر إليه بصدمة.

“لماذا…؟”

اقترب نيكورديس ببطء، وعيناه الحمراوان تتوهجان داخل الظلام.

ثم قال:

“إذا جلست على ذلك العرش…”

“فلن يبقى منك شيء.”

ابتعد آزارث عن العرش بسرعة.

ثم لاحظ شيئًا على الجدار.

لوحة قديمة ضخمة.

داخلها رجل يرتدي رداءً أسود طويلًا.

شعره أسود.

وعيناه مظلمتان بشكل مخيف.

وعلى رأسه أربعة قرون ملتوية بشكل معقد.

لكن الشيء الأسوأ…

أنه كان يبتسم.

وتحت الصورة…

كلمة واحدة مكتوبة بالدم:

اليأس

في اللحظة التي نظر فيها آزارث إلى عيني الرجل…

تجمد العالم.

ثم انفجر الألم داخل رأسه.

سقط أرضًا وهو يصرخ بعنف.

بدأ جسده ينتفخ ويتشوه.

تشقق جلده.

تحطمت عظامه.

وشعر وكأن شيئًا يحاول الخروج من داخله.

ضحك نيكورديس.

ضحكة منخفضة… ومرعبة.

“جيد…”

“يبدو أن القلعة بدأت تتعرف عليك.”

وفجأة…

اهتزت القاعة بالكامل.

وانفجر الظلام خلف العرش.

تشققت الأرض، وظهرت بوابة سوداء ضخمة.

لم تكن مجرد باب…

بل كانت كأن القلعة نفسها فتحت فمها.

خرج صوت عميق متعدد الطبقات.

آلاف الهمسات اختلطت معًا حتى أصبحت شيئًا غير مفهوم.

ثم…

خرج الكائن.

جسد من رماد أسود متحرك.

بلا وجه.

بلا ملامح.

لكن حضوره وحده كان مرعبًا.

ظهر النظام أمام آزارث:

[تحذير: مستوى تهديد مرتفع]

تحرك الوحش بسرعة مرعبة.

لكنه هذه المرة…

لم يتجمد.

صرخ آزارث واندفع نحوه بشكل غريزي.

غطى الظلام ذراعه اليمنى.

ثم لكم الوحش بكل قوته.

انفجرت موجة سوداء داخل القاعة.

لكن الوحش لم يتراجع.

بل أمسك ذراع آزارث وسحقها بعنف.

صرخ آزارث من الألم.

ثم تلقى ضربة مباشرة على بطنه.

طار جسده عبر القاعة وتحطم داخل غرفة جانبية.

تحطم الحجر حوله.

وسعل الدم بعنف.

اقترب الوحش من الغرفة…

لكنه توقف فجأة.

كأن هناك حاجزًا يمنعه من الدخول.

طار نيكورديس واستقر فوق كتف الوحش.

ثم قال وهو يضحك:

“لا تحاول…”

“حتى أنا لا أستطيع دخول هذه الغرفة.”

داخل الغرفة…

بدأ آزارث يسمع صوت عظامه وهي تعود إلى مكانها.

لحمه الممزق التحم ببطء.

وخلال ثوانٍ…

تعافى بالكامل.

نظر حوله بصدمة.

“هذه الغرفة…”

كانت الجدران مليئة بأحرف قديمة.

لم يستطع قراءتها…

لكنه استطاع فهمها.

“هناك سبعة قيود لليأس.”

ثم ظهرت جملة أخرى:

“الخوف… هو القيد الأول.”

ارتجف آزارث.

وأكمل القراءة بصعوبة.

“الخوف ليس شعورًا…”

“بل سجن وُلد داخل الروح.”

ظهرت كلمات أخرى للحظة:

“القيد الثاني: الألم.”

“القيد الثالث: الوحدة.”

“القيد الرابع: الحقيقة.”

لكن البقية اختفت.

كأن الغرفة رفضت أن يراها.

ثم ظهرت جملة أخيرة على الجدار:

“اليأس يختلف عن بقية الخطايا.”

“الغضب… والطمع… والكبرياء…”

“مجرد فساد يمكن تطهيره.”

“أما اليأس…”

“فهو انهيار الوجود نفسه.”

شعر آزارث بقشعريرة تسري في جسده.

ثم رأى سطرًا أخيرًا جعله يتجمد بالكامل:

“هذه القلعة موجودة منذ آلاف السنين…”

رفع رأسه ببطء.

ثم همس بخوف:

“إذاً…”

نظر نحو نيكورديس الواقف خارج الغرفة.

“منذ متى… وأنت موجود؟”

وفي الظلام…

ابتسم نيكورديس مجددًا.

2026/05/31 · 3 مشاهدة · 774 كلمة
Saad Ahmed
نادي الروايات - 2026