أمطار ووحل، جثث ودماء في كل مكان.. خسرنا قائدنا وخيرة الجنود والأبطال في المعركة التي كان من المفترض أن نفوز بها فوزاً ساحقاً، لكن الأمور سارت عكس المتوقع. خسرنا المعركة بصورة مخزية، والآن لن يواجه جيش العدو أي مشكلة في احتلال ما تبقى من بلادنا.
"هذا مؤلم.. الألم ينهش كل جزء من جسدي.. أنا لم أعد أتحمل.. سايريس استيقظ أرجوك، ابقَ على قيد الحياة!"
سايريس (بصوت متقطع): "أنا آسف.. لا أستطيع.. جروحي بالغة ولن أصمد دقيقة أخرى.. أعتذر لأنني لم أوفِ بوعدي لكِ."
"لا تعتذر، لا أريدك أن تموت! هيا انهض أيها الأحمق وأوفِ بوعدك لي.. قلت لي إنني سأتزوجك عندما تنتهي الحرب.. هيا قم يا سايريس!"
خُسرت الساحة، وعمَّ الهدوء وسط الهزيمة الأكبر. كل جنود "الماليا" ماتوا بهدوء، بافئدة مكسورة وخزيٍ سيطارد من نجا منهم مدى الحياة. بالطبع، أعرف أنني سألحق بسايريس والبقية؛ فما نفع قوتي وألقابي الآن؟ خسرتُ كل شيء. كل ما عليّ فعله الآن هو إنهاء حياتي بهذا السيف.. "ملكة السيف"، يا له من لقب سخيف! لم أوافق على الذهاب للحرب أو دعم الماليا إلا لأبقى بجانب سايريس.. والآن اختفى، كانت حياة سخيفة على كل حال.
اشتد المطر، وأصبحت رائحة الدماء أقوى. قررتُ إنهاء حياتي بيدي، وعندما قرّبتُ السيف من رقبتي، وقبل ثوانٍ من اللحظة الأخيرة، ضرب سحر أزرق فجائي السيف فأطاح به بعيداً عن يدي!
فجأة، ظهر من خلف الغابة رجل متوسط الطول، يرتدي رداءً أسود قاتماً يغطي جسده بالكامل ما عدا وجهه، لكنني بسبب الظلام لم أستطع رؤية ملامحه.
"من أنت؟ اتركني ولا تتدخل! سأنهي حياتي هنا.. ارحل أرجوك!"
بدأ بالحديث بصوت حاد ينفذ إلى النفس مباشرة: "مهلاً يا إيفريا، نحن نحتاجكِ، لا يزال الوقت مبكراً على موتكِ."
إيفريا: "وماذا يهمك أنت؟ اتركني ولا تتدخل مجدداً!"
تابع الرجل حديثه ببرود: "انضمي إلينا وزيفي موتكِ.. نحن سنرشدكِ إلى 'مورنو' وإلى مكانكِ الأصلي."
إيفريا (بصدمة): "أنت.. كيف تعرف مورنو أساساً؟"
"وافقي فقط، وسأشرح لكِ كل شيء."
إيفريا: "حسناً.. من أنتم؟ أريد أجوبة!"
في زنزانة أرديس
بعد ثلاث سنوات على المعركة..
في وسط الجبال، تقع مملكة "أرديس"؛ أقدم مملكة في العالم ولا تزال مأهولة بالسكان. أدعى "أبريس"، الأمير الخامس للمملكة، لكن ما الذي يهم في ذلك؟ سأموت غداً. اتفق إخوتي عليّ وألبسوني تهمة قتل لم أقترفها، وكان تأثيرهم على والدي أقوى فلم يصدقني. لا أحد.. لا أبي ولا إخوتي تقبلوني في حياتهم، فقط لأنني من أم أخرى ماتت منذ كنت طفلاً. الآن أنا في أقذر زنزانة بالقلعة، بانتظار تنفيذ الحكم غداً.
زارتني الأميرة الثالثة "تاليا":
تاليا: "مرحباً أبريس، تبدو بحال سيئة للغاية، والرائحة هنا كريهة."
أبريس: "ما الذي تريدينه؟ ارحلي.. لقد حققتم حلمكم، غداً سأُعدم كما أردتم."
تاليا: "تحدثتُ مع والدي وأقنعته بتهريبك، لكنك ستُسجن وتصبح عبداً لدى تاجر عبيد سيغادر المملكة صباح الغد.. عليك الذهاب، ربما تشريك عائلة لطيفة في النهاية."
أبريس: "أرفض طبعاً! أفضل الموت بشرفي على أن أُهان هذه الإهانة."
تاليا: "حسناً كما تشاء.. وأريد إخبارك بشيء ربما تعرفه؛ ذلك الحارس الذي قُتل وستُعدم بسببه.. نحن من قتلناه، أو بالأحرى اتفقنا أنا وإخوتي مع قاتل محترف لقتله ثم ألصقنا التهمة بك."
أبريس: "لماذا لم تقتلوني مباشرة بدل إنهاء حياة رجل لا دخل له؟"
تاليا: "لأن والدي يحبك، كان علينا خلق سبب لكي يكرهك ولا يحزن على موتك.. والآن، إلى اللقاء."
بدأتُ أفكر.. "أبي يحبني؟" لم يظهر اهتمامه بي أبداً، كيف ذلك؟ هل تاليا تعبث معي؟ لابد أن والدتها الملكة "روزا" لها يد في الأمر، فقد كانت تكرهني وتبعدني عن الحفلات والمناسبات دائماً، أو ربما هي من كانت تبعد والدي عني. عموماً، لا فائدة من التفكير الآن، سأموت غداً على أي حال.
الاقتحام والهروب
بينما كنت غارقاً في حزني في زاوية الزنزانة، سمعت أصوات تضارب سيوف بالقرب مني، ثم رأيت وميضاً للسحر. الجنود يُقتلون واحداً تلو الآخر! ثم ظهرت أمام باب زنزانتي امرأة طويلة، شعرها بني وعيناها سوداوان، تبدو قوية جداً وجميلة. كانت تمسك سيفاً ملطخاً بالدماء، يبدو ثقيلاً، والدماء منتشرة على درعها. وجهت ضربة قوية لحديد الزنزانة فقطعته كما لو كان طماطم! ثم ضربة أخرى حطمت الزنزانة بالكامل.
قالت لي بصرامة: "اخرج بسرعة والحق بي!"
أبريس: "من أنتِ؟ ولماذا حررتني؟"
كنت أنظر إليها وأنا خائف؛ لقد قتلت كل الحراس كأنهم لا شيء وحطمت الحديد بكل سهولة!
قالت لي بعدها: "أدعى إيفريا، هل أنت خائف مني؟"
أبريس: "أجل بالطبع، أي شخص يرى هذا المنظر سيخاف!"
إيفريا: "حسناً، سأشرح لك لاحقاً.. والآن علينا الهرب."
أمسكت بيدي بقوة وسحبتني للخارج. أثناء هروبنا، اعترضتنا وحدة من الفرسان. هاجم الجندي الأول بسيفه، فأمسكت إيفريا بالسيف بيدها العارية بكل سهولة ورمته بعيداً، ثم وجهت سيفها له بسرعة هائلة فأطاحت برأسه! ثم ضربت الثاني والثالث والرابع بضربات خاطفة أسقطتهم أرضاً. أطلق الخامس ناراً من يديه نحونا، لكن إيفريا ضربت النار بسيفها فتلاشت، ثم ألقت السيف على وجهه ففارق الحياة. كل هذا حدث في دقيقة واحدة! كنت أحاول استيعاب ما يجري؛ كيف يمكن إيقاف شخص بقوتها؟ إنها مذهلة!
إلى المدينة المفقودة
بمجرد خروجنا من القلعة، صفرت إيفريا بصوت مرتفع، فظهر تنين أسود بطول خمسة أمتار من السماء وهبط أمامنا!
إيفريا: "اركب، سوف نغادر."
أبريس: "إلى أين؟"
إيفريا: "إلى مقر المحررين."
أبريس: "المحررين؟ من هؤلاء؟"
إيفريا: "اصعد الآن، سأشرح لك لاحقاً."
صعدت على ظهر التنين، كان جسده قاسياً وحاراً قليلاً. ارتفع بنا بسرعة في السماء، فأمسكت بإيفريا بقوة خشية السقوط. كان شعوراً رائعاً ومخيفاً في آن واحد؛ التنانين مخلوقات نادرة، والأكثر ندرة هو ترويضها.
طار بنا التنين نحو شمال "أرديس". استغربت؛ فلا يوجد هناك سوى الغابات الكثيفة المليئة بالوحوش والقبائل البدائية. هبط التنين عند كهف في أحد الجبال، نزلت إيفريا وربتت عليه فرحل. أمسكت بيدي ودخلنا الكهف، وكانت المفاجأة: مدينة كاملة منحوتة داخل الجبل! بمجرد دخولنا، اجتمع الناس لتحية إيفريا والترحيب بها، وكانت تبدو سعيدة وهي تشكرهم. لم أفهم شيئاً؛ كل الخرائط تقول إنه لا يوجد شيء شمال أرديس، فكيف توجد مدينة كهذه؟
وصلنا إلى مبنى كبير به مجلس مضاء بأضواء لامعة ليست مشاعل نارية، بل بدت كأنها مصنوعة من السحر.
إيفريا: "انتظر هنا قليلاً، سيأتي شخص يشرح لك كل شيء."
لقاء العائلة الضائعة
بعد قليل، دخلت امرأة تلبس ملابس خادمة، وضعت منشفة وملابس بجانبي وقالت: "اذهب واستحم وغير ملابسك في الغرفة المجاورة، ثم عد إلى هنا." كانت الملابس بيضاء ومطرزة بطراز لم أره من قبل. كان الحمام مريحاً ومنعشاً، شعرت بالسعادة من هذا الشيء الصغير، فأنا لم أستحم منذ شهر داخل الزنزانة.
عدت للمجلس، ودخل رجل عجوز قصير القامة، له شعر ولحية بيضاء طويلة، وجلس بجانبي.
العجوز: "أهلاً أبريس، آسف لتأخري عليك.. أنا غاريوس ناري، القائد الحالي للمنظمة."
أبريس: "من أنت؟ وأين أنا؟ ولماذا أنقذتموني؟"
غاريوس: "لقد نفذنا طلباً لشقيقتك، قالت إنك ستفيد المنظمة."
أبريس: "شقيقتي؟ هل تقصد تاليا؟"
غاريوس: "لا، بل ميلينا."
أبريس: "ليس لدي شقيقة تدعى ميلينا!"
غاريوس: "بلى لديك، إنها ابنة والدتك 'زليدا روس' من أب آخر قبل زواجها بوالدك الملك. والدتها ميلينا كانت سراً، وقد أخذها والدها إلى مدينتنا قبل زواج زليدا بالملك."
شرح لي غاريوس عن "المدينة المفقودة"، حيث يعيش الفقراء والمستضعفون تحت حماية "منظمة المحررين" التي تسقط الطغاة وتنقذ الناس. ثم أخذوني لمنزل بسيط ومرتب، حيث نمت بعمق لأول مرة منذ زمن.
في الصباح، استيقظت لأجد فتاة في العشرين من عمرها، شقراء الشعر بعينين خضراوين كعينيّ.
الفتاة: "صباح الخير أبريس، أنا ميلينا.. أختك الكبرى."
انهمرت دموعي من السعادة وأنا أعانقها: "سعيد بلقائك يا أختي."
اجتماع القادة والسر العظيم
في الوقت نفسه، كان غاريوس يترأس اجتماع قادة الأقسام السبعة:
آرتون (القسم الأول): فشل في العثور على أثر تحت قرية الوحوش.
إيفريا (القسم الثالث): نجحت في إسقاط حاكم طاغية في الجنوب وتأمين دعم ذهبي للمدينة.
نيك (القسم السابع): عاد مع ابنته ميلينا بتقرير خطير. نيك: "سيدي، الأسطورة حقيقية.. وسوف تتحقق في السنوات القادمة لا محالة." غاريوس (بقلق): "هل أنت واثق؟ العالم ليس مستعداً لذلك!"
بعد الاجتماع، طلب غاريوس من نيك الاعتناء بأبريس. عاد نيك إلى منزله، وكان رجلاً مثقفاً يرتدي نظارات، جسده قوي ونظرته حادة ودافئة. رحب بي بحفاوة، مما جعلني أنفجر بالبكاء مجدداً؛ لم أشعر بهذا الحب من قبل.
أثناء خروجي مع ميلينا في جولة بالمدينة، رأيت "مونا" رئيسة القسم الخامس وهي تجادل نيك بحدة. أخبرتني ميلينا عن تاريخ المدينة وسحر مؤسسها، وعن "اللوحة الزرقاء" في المتحف التي تتغير صورها كلما نظرت إليها.
الحلم والرسالة
في تلك الليلة، حلمت حلماً غريباً.. رأيت نفسي في حقل أخضر أمام منزل ريفي. دخلت ووجدت امرأة شقراء حامل (أمي زليدا) تحيك لعبة لابنتها الصغيرة. حاولت معانقتها لكنني كنت كالسراب.
دخل نيك وحمل الطفلة (ميلينا الصغيرة).
قالت الطفلة: "أمي، أسمع صوتاً!"
الأم: "أجل، إنه صوتك يا أبريس.. وليس ميلينا. بني، لا أعرف ما حدث معك لتبدو حزيناً هكذا، لكني دائماً معك، سواء كنتُ موجودة أو غير موجودة."
استيقظت والدموع تملأ عيني، مدركاً أنني أخيراً وجدت مكاني الحقيقي.
الحياة في المدينة المفقودة: روابط الدم والقدر
استيقظتُ في اليوم التالي، لأجد فتاةً تجلس على السرير المجاور لي؛ تبدو في العشرين من عمرها، شعرها أشقر قصير وعيناها خضراوان تشبهان عينيّ تماماً. قالت بابتسامة دافئة عندما رأتني أفتح عينيّ:
"صباح الخير يا أبريس، لم أرد إيقاظك."
أبريس (بارتباك): "ومن أنتِ بالضبط؟"
الفتاة: "أوه، ألم يخبرك القائد عني؟"
أبريس: "أنتِ.. ميلينا؟"
ميلينا: "أجل، أنا هي. أنت وسيم فعلاً، لم أتخيل أن أقابل أخي الصغير يوماً ما."
اقتربت مني قائلة: "لقد مررتَ بالكثير.. أنا آسفة لأنني لم أعرف ما حدث لك إلا قبل أربعة أيام."
اغرورقت عيناي بدموع السعادة وأنا أجيبها: "لا بأس.. أنا سعيد جداً بلقائكِ يا أختي الكبرى."
ميلينا: "وأنا أيضاً.. والآن، غيّر ثيابك، سأعد الفطور لثلاثتنا، هل ستساعدني؟"
أبريس: "ثلاثتنا؟ من الثالث؟"
ميلينا: "والدي.. سأعرفك به عندما يعود، والآن هل ستساعدني؟"
أبريس: "حسناً، يسرني ذلك."
اجتماع قادة الأقسام
في الوقت نفسه، وفي مبنى آخر، كان اجتماع قادة المحررين ينعقد.
غاريوس: "حسناً، بما أن جميع قادة الأقسام السبعة موجودون، سأبدأ الاجتماع الشهري لعرض تقاريركم."
آرتون (قائد القسم الأول): "قمنا بالتعاون مع باحثي آثار في مدينة 'أورتيا' لغزو قرية للوحوش بحثاً عن أثر قديم، لكننا ضيعنا شهراً بلا مكسب؛ لم يكن للأثر وجود."
رئيس القسم الثاني: "سيد غاريوس، حققنا فيما طلبت وأرسلنا النتائج لمكتبك، لكن الأمر يحتاج مزيداً من الوقت."
إيفريا (رئيسة القسم الثالث): "نجحنا الشهر الماضي بالتعاون مع المعارضة في مملكة الصحراء الجنوبية بإسقاط الحاكم وتعيين حليف لنا، وحصلنا على كمية كبيرة من الذهب كهدية للمدينة المفقودة." غاريوس: "أحسنتِ يا إيفريا، أحياناً أشعر أنكِ وقسمك الوحيدون الذين يحققون نتائج مرضية."
رئيس القسم السادس: "سيدي، سيطرنا على بحيرة 'راش' من أيدي قطاع الطرق." غاريوس: "سمعتُ بذلك، لكنني سمعت أيضاً أن التوزيع لم يكن عادلاً بين القرى مما أدى لخلافات." إيفريا (متدخلة بلطف): "لا داعي للقسوة عليه سيدي، إنه في سنته الأولى فقط." غاريوس: "أعرف ذلك، لكن بمقارنته بكِ وبإنجازاتك في سنتك الثالثة فقط، سيبدو متعثراً."
ثم تحدث نيك (رئيس القسم السابع): "سيدي، عدتُ أنا وابنتي من المهمة بالأمس، وأؤكد لك حسب تقاريرنا أن الأسطورة حقيقية، وستتحقق في السنوات القادمة لا محالة."
غاريوس (بجدية): "هل أنت واثق؟ نحن لسنا مستعدين، ولا العالم مستعد لذلك!"
آرتون: "سيدي، لماذا نثق بتقرير القسم السابع؟ نيك وابنته هما العضوان الوحيدان فيه!"
غاريوس: "أشكرك يا آرتون، لكن نيك قائد موثوق، وسآخذ كلامه بجدية تامة."
لقاء نيك: الأب الغريب
بعد الاجتماع، انفرد غاريوس بـ "نيك" وطلب منه الاعتناء بأبريس.
نيك: "أعرف، إنه شقيق ابنتي وابن 'زليدا روس'. سأعتني به جيداً.. فأنا لم أحب امرأة مثل زليدا في حياتي."