الجميع يركض خلف السراب ذاته، يبحثون عن الكيان الخالي من الشوائب، تلك اللوحة التي لا تخطئها عين ولا يخدشها نقد. **المثالية**. في مجتمعنا، تحولت المثالية من فضيلة إلى زنزانة جدرانها مصقولة بعناية، يرى السجين فيها انعكاس قناعِهِ في كل زاوية، حتى ينسى ملامح وجهه الحقيقي. إنها أشبه بواجهة زجاجية براقة لمتجر فخم؛ الجميع يمتدح بريقها الخارجي من بعيد، لكن لا أحد يدرك كمية الضغط الجوي المستمر الذي يتحمله ذاك الزجاج لكي لا يتشقق وينهار أمام العلن. المثالية ليست كمالاً، بل هي مجرد مهارة عالية في إخفاء التعب، وقدرة مرعبة على كتم الأنفاس والابتسام في آن واحد، لتبدو أمام العالم كآلة لا تعطل، وروبوت لا يعرف معنى الانهيار.
انقطع حبل أفكاري الفلسفية على صوت ضربة قوية بطبشور السبورة، مصحوبة بنبرة غاضبة تردد صداها بين جدران الصف الصارم في ثانوية "كايسي".
"ميناتو سوما! هل تراني أتحدث بلغة غير مفهومة هنا؟! أين هو واجبك المنزلي لمادة الرياضيات المتقدمة؟!"
كان الأستاذ يرتجف غضباً، وعروق جبهته تكاد تنفجر وهو ينظر إلى المقعد الخلفي. هناك، حيث كان يجلس الفتى ذو الملامح المسترخية، والذي بدا وكأنه يعيش في كوكب آخر تماماً، سحب سوما نفساً عميقاً، ثم أجاب بنبرة باردة وابتسامة عفوية مستفزة:
"أوه، أيها السينسي.. في الواقع، لقد قمت بحل الواجب كاملاً في عقلي ليلة أمس، لكن للأسف، قلمي رفض كتابته على الورق عناداً بي.. يبدو أن الأقلام هذه الأيام تملك كبرياء."
اشتعل وجه الأستاذ حمرة، وصاح بصوت أرعب بقية الطلاب:
"هل تستهزئ بي؟! أنت في ثانوية كايسي! أقوى مدارس طوكيو! هنا تصنع العقول التي تقود البلاد، لست في مدرسة عادية لتتسلى! إن كنت لا ترغب في الدراسة وتريد الاستمتاع فقط، فما الذي يفعله شخص بمستواك المتوسط هنا؟ اذهب والتجئ لثانوية عادية تناسب كسلك!"
حك سوما مؤخرة رأسه دون أي علامة على التوتر، ورد بضحكة خفيفة:
"حسناً يا سينسي، دخلت هنا لأن المبنى الخارجي للمدرسة أعجبني في الصور، وبدا مكاناً جميلاً لقضاء الوقت.. كما أن الطقس هنا يبدو معتدلاً مقارنة ببقية المناطق."
"هذا يفيض عن الحد!!!" طارت أعصاب الأستاذ تماماً، وضرب الطاولة بيده وهو يلتفت يميناً وشمالاً باحثاً عن مخرج لغضبه، حتى استقرت عيناه عليّ.
"أين ممثل القسم؟! كودو إيجي!"
وقفتُ بهدوء ميكانيكي معتاد، قمت بتعديل نظارتي وهندام سترة مدرستي الفخمة، وأجبت بنبرة متزنة وخالية من المشاعر:
"نعم، سينسي."
"كودو، خذ هذا المستهتر فوراً إلى مكتب المدير! لا أريد رؤية وجهه في حصتي مجدداً!"
توجها معاً نحو الممر الطويل المؤدي إلى الإدارة. كانت خطواتي منتظمة وصامتة، بينما كان هو يمشي بأريحية تامة، واضعاً يديه في جيبيه ويتطلع إلى النوافذ وكأنه في نزهة بحديقة عامة.
كسر سوما الصمت فجأة، ملتفتاً إليّ بفضول:
"(مهلاً).. كودو إيجي، صحيح؟ أنت دائماً هكذا؟ تبدو وكأنك خرجت للتو من كتالوج إعلاني للمدرسة المثالية. ألا تتعب من هذه الوقفة المستقيمة؟"
لم ألتفت إليه، وواصلت السير وعيني مثبتة للامام:
"أنا فقط أقوم بواجبي كممثل للقسم، وميناتو-كون.. أنصحك بالصمت والتركيز على ما ستقوله للمدير عوضاً عن التدخل في شؤون الآخرين."
ابتسم سوما ولم يبدُ عليه الانزعاج مطلقاً، بل قال بعفوية:
"واااو، حتى نبرة صوتك تبدو مضبوطة على إيقاع معين! يا صاح، الحياة أقصر من أن تقضيها وأنت تمثل دور الطالب المثالي طوال الوقت، جرب أن تتنفس قليلاً."
توقفت خطواتي لثانية واحدة قبل أن أستأنف السير. *كلماته لمست شيئاً مدفوناً في داخلي*، لكن قناعي لم يكن ليسمح بأي ثغرة.
عند وصولنا لمكتب المدير، لم تكن المقابلة هادئة أبداً. كان مدير ثانوية كايسي رجلاً صارماً لا يعرف المزاح، تطلع إلى سوما بنظرات حادة وبدأ توبيخه العنيف الذي هز أرجاء الغرفة:
"ميناتو سوما! اسم هذه المدرسة ارتبط دائماً بالامتياز والصدارة! نحن لا نقبل هنا التهاون أو العبث! دخولك بمعدل متوسط كان معجزة بالفعل، لكن أن تستهزئ بالأساتذة وتتعامل مع الحصص كأنها نادٍ ترفيهي، فهذا أمر لن نسمح به إطلاقاً! إن تكرر هذا الاستهتار، فلن تتردد إدارة المدرسة في اتخاذ قرار بفصلك نهائياً! هل هذا مفهوم؟!"
طوال فترة التوبيخ القاسية، كنت واقفاً بجانبه بجسد جامد وعينين شاخصتين، أراقب كيف يتلقى سوما الكلمات برأس مرفوع وابتسامة خافتة لم تختفِ تماماً، وكأن كلمات المدير الحارقة لا تزيد عن كونها مجرد نسيم عابر. في تلك اللحظة، ولأول مرة، شعرت بغرابة تجاه هذا الفتى.. كيف يمكن لشخص أن يكون حراً ومستمتعاً لهذه الدرجة وسط هذا السجن الخانق؟