ثـلـاثـمـائـة ثـانـيـة _ لـحـظـة

يقولون ان اللحظة الواحده كافية لاجعل اي انسان يشعر

ششششششش... ششششششش.

صوت حفيف. رائحة منعشة كالنعناع. وكل شيء بارد من حولي.

لا أستطيع فتح عينيّ. ربما لأن الضوء قوي جداً؟

ثم سمعتُ خطوات خفيفة.

فجأة، اختفى الضوء. فتحتُ عينيّ ببطء... كنت في منزلي.

سقف غرفتي الأبيض بدا أنظف مما هو عليه في الحقيقة. ثم سمعتُ صوتاً خافتاً... صوتها.

صوت أمي.

كدت أنساه. صوتها المليء بالضحك الباسم الدافئ... لكنه لم يستطع أن يدفئ ذلك البرد القارس الذي يغلف جسدي. إنه مؤلم.

مؤلم.

شعرتُ بدمعة على وجهي. كانت حارقة. ربما لأنني أبكي كثيراً. ولهذا لونها أحمر.

نهضت. كنتُ نائماً على الأرض.

حاولت المشي، لكنني شعرت كأنني طفل يتعلم المشي. شعرتُ بخشونة الأرض تحت قدمي، وكيف أن الخشب صلب وناعم في آنٍ واحد.

"نواه..."

سمعتُ صوت أبي يناديني. صوته كان غريباً... ربما لأنني لم أسمعه يناديني بهذه الرقة من قبل.

خرجتُ مسرعاً، لكن رجليّ لم تحملاني. سقطت على عتبة الباب. رفعتُ رأسي لأرى المكان يتغير أمامي.

وإذا بغرفة المعيشة مليئة بالنباتات. رائحة النعناع كانت جميلة جداً، جذابة.

زحفتُ نحوها.

كانت أمامي تلك الأريكة القديمة التي ورثتها جدتي من والدتها، وأعطتها لأمي. كانت مغطاة بالنعناع والنباتات. زهور بيضاء لا أعرف ما نوعها حقاً، لكن رائحتها كانت مزيجاً جميلاً ولطيفاً من العسل والقرفة.

شعرتُ بالنعاس، لكنني قاومت وحاولت النهوض مجدداً. نظرتُ حولي هنا وهناك، لكنني لم أرَ سوى اللون الأخضر. وكأنني حُبست داخل جنة، لكنها ليست لي.

اقتربت ببطء من الباب، وأنا أستند على كل شيء حولي كي لا أسقط.

فور أن فتحت باب المنزل، ضربني هواء قوي. ومن قوته سقطت وكأنني مجرد ريشة. شعرتُ بدفء مقزز في جسدي. نظرتُ حولي فرأيتُ شيئاً لزجاً عالقاً... لا أعرف ما هذا، لكن ملمسه مقزز، كأنه جلد يعانقني ويلتف حولي.

صرخت.

صرخت كثيراً.

لا شيء. لا أحد.

كان يلمسني. كان ينتهكني. شعرتُ بالقرف. هذا جسدي. أنا. أنا. ليس شيئاً يمكن استكشافه.

صرخت، لكن حتى أنا لم أسمع صوتي.

مرة أخرى، تغير المشهد.

غرفة مظلمة، ضوءها الوحيد شمعة، رائحتها مثل الخشب والعسل. يداي مربوطتان في سرير. جسدي كله جروح... من السجائر، إلى العض، إلى جروح لا أعرف ما نوعها، كانت زرقاء وحمراء.

شعرتُ بأن جسدي من الأسفل مشلول. كان يؤلمني. شعرتُ أنني أنزف هناك. لم أجرؤ على تفحص نفسي.

سمعتُ تنفسي ودقات قلبي. صوتهما عالٍ من بين أفكاري كلها.

انطفت الشمعة.

ومرة أخرى أخذتني الرياح لأجد نفسي أعانق طفلاً يبكي:

"أخي نواه... أنا آسف، أنا آسف..."

لماذا كان يعتذر؟ أردتُ السؤال، لكنني لم أستطع إخراج صوت.

عانقني ذلك الطفل، ثم شعرتُ بألم في بطني.

هيهيهي.

لقد طعنني. أنا أنزف؟

أوتش.

لم أغضب. دموعه كانت كافية لمنعي.

إنه يذكرني بأخي الأصغر... الأحمق والطيف، ملاكي الغبي.

مهلاً... هل لدي أخ؟

لا... كان لدي اثنان.

لا... أنا يتيم.

كيف سمعت صوت والدي؟

ههه... هههههههههه...

انفجرتُ ضحكاً. كان كل شيء مضحكاً كثيراً. قلبي تعب من الضحك حقاً.

---

ومجدّدًا فتحت عيناي.

لكن هذه المرّة كنت في حضن شخص ما. كنتُ في حضنه. أمسك يدي وقبّلها وهو يهمهم:

"صغيري، هل أنت بخير؟"

نظرتُ إليه. لم أستطع رؤية وجهه في الحقيقة. كل الوجوه التي مرّت كانت مشوّشة. أردتُ رؤية وجهه. أردتُ معرفة من هذا. أردتُ البكاء. أردتُ سماع صوته أكثر.

لكن مجدّدًا انهار كل شيء.

وجدتُ نفسي وحيدًا في مكان بارد. شعرتُ برمالٍ وماءٍ يغطّيني. البطّانية.

الشمس كانت تبكي، لذا لم تظهر بقوّة اليوم. هل هي حزينة بسببي؟

لقد كانت تدفئ كل شيء. إلا أنا.

---

نظرت إلى البحر. كان واسعاً. كان يناديني.

مشيت باتجاهه ببطء. سحبني بحنان. شعرت أنني أغرق، لكنه لم يكن مؤلماً. تركت الماء يأخذني.

"نواه..."

سمعته. صوته. صوت ذلك الحضن. كان يبكي. كان يناديني.

أريده. أريده.

لكن... ربما هو لا يريدني.

---

يقولون إن الإنسان قبل أن يموت يكون واعياً لمدة خمس دقائق. بمعنى ثلاثمائة ثانية.

لحظة واحدة.

وجدت نفسي بين أحضان ذلك الحضن.

ولأول مرة، رأيت وجهه.

كان رجلاً أربعينياً تقريباً. بعيون عسلية وشعر أسود. دموعه كانت تتساقط على وجهي. جسده مبلل.

هل أنقذني؟

هل أنا حي أصلاً؟

أردت النوم بشدة. عانقته بقوة. ثم قبلت خده. وسقطت في حضنه مجدداً.

آخر شيء سمعته كان صوته وهو يبكي.

وهو يودعني.

أنا أيضاً أردت قول الوداع.

ابتسمت له. وقلت:

"وداعاً... يا أبي."

---

كانت هذه آخر كلماتي.

أنا نواه.

2026/05/20 · 8 مشاهدة · 661 كلمة
نادي الروايات - 2026