لقد أخبرني طفلي أن عدد السنوات لا يعني شيئاً أمام الوقت.

قال لي إن الوقت كاذب ومخادع، فهو يسرق منا أجمل ما نملك وأغلى ما لدينا، ولا يبقي فينا سوى أشباح أو نسخ باهتة لمن كنا.

عشت طويلاً. بحثتُ عنه طوال حياتي. طفلي لم يكن من دمي، لكنه كان طفلي. لم أعرف أين هو، لأنني لم أره قط. وفي أثناء بحثي، وجدتُ طفلاً ملقىً في أحد الأزقة، جسده مغطى بالدماء والكدمات. بدا صغيراً، لم يتجاوز العاشرة من عمره على الأرجح.

اقتربت منه. لا أعرف لماذا، لكن عقلي أخبرني أن هذا هو طفلي، ذلك الطفل الذي كنت أبحث عنه. لم أتردد. حملته بين ذراعي، فكان أخف من حقيبة مدرسية. كيف يمكن لهذا أن يحدث؟ أسرعت به إلى منزلي، واستدعيت أفضل طبيب أعرفه.

جسده الصغير لم يكن يحتمل المزيد. ظهره تحول إلى لوحة من الألم، حيث تغطيه علامات السجائر. بعضها كان قديماً متندِّباً، وبعضها الآخر حديث لا يزال أحمر. يداه الصغيرتان وقدماه كانتا مقيدتين بآثار الحبال التي غاصت في لحمه، الخدوش كانت تغطي كل سنتيمتر منه.

في البداية، ظننت أن هذا هو أسوأ ما يمكن أن يتعرض له طفل... لكن الأمر كان أبشع.

لقد كان يعاني من نزيف داخلي وتشوهات في جسده نتيجة انتهاك وحشي. لقد اغتُصب... اختُرق جسده الصغير بطريقة لا يمكن لأي طفل ولا لأي إنسان أن يَحْتملها. الطبيب همس لي بأن هناك تمزقات داخلية، وأن طفلاً بهذا العمر الصغير لا يمكنه تحمل ما فُعل به، وعلى الأرجح سيموت.

لا أعرف... لا أعرف ما الذي يفترض بي أن أشعر به وأنا أرى فتىً لم يبلغ العاشرة من عمره بعد، وهو يئن بهذا الشكل؟

...

أردت البكاء. كيف يستطيع أي شخص إيذاء روح صغيرة مثل هذه؟

كيف يمكن لأحد؟ كيف يمكن لكائن بشري أن ينظر إلى جسد بهذا الضعف والهشاشة ويرى فيه شيئاً يُستباح؟

كيف يمكن إيذاء طفلي بهذه الوحشية؟

تركني الطبيب بعدما ضمد جروحه، لكنني شعرت أنه لم يفعل شيئاً. كأنه أعاد تغليف حلوى بعدما تجمع عليها النمل وأكلها.

انتظرته. انتظرت أن يفتح عينيه. أحضرت له كل يوم وروداً وهدايا. لم أعرف إن كان لا يزال يحب الورود والنباتات أم لا، لم أعرف إن كان يحب الألعاب أم الكتب، لكنني اشتريت كل شيء على أية حال. هو يستحق. ربما لا أعرف اسمه بعد، لكنني سأعرفه عندما يفتح عينيه.

في إحدى المرات، بينما كنت أغير المحاليل له، رأيته. رأيت رموشه الرقيقة تتحرك. فتح عينيه. كانت ذات لون رمادي مزرق، عيون باهتة، وكأنها جوهرة بدون انعكاس ولا ضوء. كأنها مرآة لا يمكن رؤية أي شيء فيها لأنها مشوشة. كنت أتساءل: ماذا رأت تلك العيون الصغيرة؟ كم مرة بكى منها حتى جفت؟ كم مرة استجداها أحدهم ألا تشهد على ما يحدث؟

نظر إليّ بهدوء. هدوء غريب. لماذا هو هادئ؟ لقد توقعت الخوف أو البكاء. ربما لا يزال مصدوماً؟ أم أن ما رآه وعاشه جعله يفقد القدرة على الخوف؟

سألته، حاولت أن أتحدث:

"كيف حالك يا صغيري؟"

...

فقط نظر إليّ. لا إجابة. لا شيء. لا أعرف... لكن هل يمكن لنظرة أن تكسرني؟ نظرة طفل لا يتجاوز العاشرة، لكنها كانت تحمل من الألم والوجع ما لا تحمله عيون شيوخ كبار.

ظل على حاله، فقط ينظر بدون إجابة، لمدة يومين. وفي مرة بينما كنت أحاول إطعامه، سمعت صوته. صوت ضعيف لكنه ثابت. سأل:

"سيدي... متى تنوي استغلالي ورميي؟"

...

"ماذا؟"

صُدمت. ربما من جمال صوته، أو من قبح سؤاله. كيف لطفل أن يسأل مثل هذا السؤال؟ كيف لطفل في عمره أن يعرف معنى "الاستغلال" بهذه الطريقة؟ نظرت إلى عينيه، كانت باردة. شعرت وكأنني سأتجمّد إذا وقعت فيها. ابتسم برقة وهو يضع يديه حوله معانقاً نفسه:

"سيدي... أنت تعاملني بلطف من أجل جسدي، صحيح؟"

سأل ببراءة وهو يُميل رأسه. براءة مرعبة. براءة طفل تعلم أن اللطف ليس مجانياً، وأن كل يد تلامسه هي يد تريد شيئاً منه.

أردت النهوض والصراخ في وجهه أن كلامه غبي وغير صحيح، لكن كيف أفعل هذا؟ سيخاف. تنفست، وأمسكت يديه اللتين ارتجفتا فور لمسي لها ـ ليس من خوف مني، بل من عادة، كأن جسده تعلم أن الارتعاش هو الرد الطبيعي على أي لمسة:

"لا يا صغيري... أنا فقط أريد أن أجعلك ابني."

...

صمت قليلاً وبدأ يفكر. ظننت أنه ربما فهم كلامي. لكن إجابته جعلتني أسقط:

"إذاً... هل تنوي بيعي مثلما فعل أبي؟"

...

أنا لم أبيعه في حياتي، لا الآن ولا في السابق. آسف... لكن أي نوع من الآباء كان يملكه قبلي؟ أي نوع من الآباء يرمي ملاكاً مثله؟ أي نوع من البشر كانوا حوله ليجعلوا طفلاً في العاشرة يعتقد أن كل البشر يريدون جسده أو بيعه؟

لم أتحمل. لم أدرك نفسي إلا وأنا أحتضنه وأصرخ. لم أكن أعرف إن كنت أبكي عليه أم على كل طفل مثله تعلم أن الألم هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الكبار:

"أنت ابني. هذا يعني أنني سأحميك. سأعتني بك. سأجعلك سعيداً. سأجعلك تضحك. لن أبيعك. لن أخسرك. لن ألمسك بسوء. لن أؤذيك. أعدك."

وبينما كنت أتحدث، لم يبدِ أي رد فعل. لم أدرك أن دموعي تتساقط إلا عندما مسحها بيديه الصغيرتين الرقيقتين. كيف يمكن أن يكون بهذه الرقة بعد كل هذا العنف؟

ربما ظننت للحظات أنه سيريني تعبيراً أو أي شيء. لكن فقط صمت. كأنني أنظر إلى صورة.

بقي أسبوع، والشيء الوحيد الذي عرفته عنه أن اسمه نوى.

اسم جميل. ألا يعني اسمه البذرة التي تنبت في الأرض والتي تتواجد داخل الخضروات والفواكه؟ بذرة صغيرة، قاسية من الخارج، لكنها تحمل داخلها غابة لم تنمُ بعد.

مع مرور الأيام، بدأ يتحدث بكلمتين. شعرت بسعادة حقاً.

أنا ربما أكون سخيفاً، لكن أسعدني سماع صوته.

لقد أحب الكتب مثل السابق. مثل ابني. ابني أيضاً أحب الكتب وأحب العلم. لقد عشقه. لقد كان ملاكاً. هو أيضاً مبكاك مثل ابني. لا، بل هو طفلي.

شعرت بيد صغيرة تلمس كتفي برقة غير طبيعية. نظرت له كالعادة، تلك الابتسامة الرقيقة التي من الواضح أنها شفقة. سأل بفضول:

"هل أذكرك به؟"

"ها؟ من؟ من تقصد؟"

سألت مستغربا.

لكنه أجاب وهو يبتسم وينظر إلى الأرض، كانت ابتسامة بسيطة جداً. ارتجف جسده رجفة بسيطة وهو يمسك كتفه:

"ابنك الذي رحل."

...

شعرت بجسدي يرتجف. سألت وأنا أحاول ألا أخيفه:

"كيف عرفت عنه؟"

"هممم... أنت تعاملني وكأنني هو. هيهي. في الحقيقة، أنت لم تحاول معرفتي، أنت تتصرف وكأنني هو فحسب."

...

"إذاً... ما اسمه؟"

لم أستطع إجابته. شعرت أنني أتحطم مجدداً. ابتعدت، ركضت بعيداً عنه.

...

خرجت من منزلي أركض في الشوارع، وانتهى بي الأمر أمام الزقاق الذي وجدته فيه. للحظة أدركت أنني تركت طفلاً ليس في حالة مستقرة وحده. عدت راكضاً إلى المنزل وأنا ألهث، وكما توقعت...

لم أجده.

لم أدرك أي شيء إلا وأنا أبحث عنه في كل مكان. أبحث داخل المنزل وخارجه. بدأت أركض كالمجنون.

أصرخ، أنادي عليه... لكن لا شيء. سوى همسات الناس من حولي.

...

أنا كنت وما زلت أبحث. طوال هذه الثماني ساعات. لقد حل الشروق.

ثم وجدت نفسي أذهب إلى شاطئ البحر. لطالما أخبرني طفلي أنه يريد الذهاب إليه.

مضحك، أليس كذلك؟

لقد وجدت نواه يقف في البحر بعيداً. المد كان قوياً، كان سيغرق. ركضت إليه وأنا أرتجف. ضربتني المياه، سقطت، لكني نهضت بسرعة.

لكن حين نهضت لم أجده، لذا بدأت أبحث تحت الماء. شعرت أنني سأموت.

...

أنا لا أستطيع إيجاده.

...

أردت الصراخ. أردت الهروب. أردت إيجاده. لكن... أردت أن أجده.

ضربني الماء مجدداً، وهذه المرة كنت أغرق حقاً.

...

لم أحاول إنقاذ نفسي.

...

للحظة، شعرت بيدين صغيرتين تدفعانني إلى الأعلى. هو. نواه. ذلك الطفل الذي بالكاد يقف على قدميه، كان يحاول إنقاذي. كان وجهه شاحباً، عيناه الرماديتان المزرقتان تلمعان بوهج أخير، ورغم أن جسده كان يرتجف كغصن في عاصفة، إلا أن يديه لم ترتجفا.

دفعني إلى السطح. شهقت الهواء كأنني أولد من جديد.

ولكنه...

سحبه المد إلى الأسفل.

صرخت. صرخت باسمه. غصت مرة أخرى تحت الماء، لم أهتم بأن رئتيّ تحترقان، لم أهتم بأن جسدي يصرخ بالتعب. بحثت عنه في الأعماق كما لو أنني أبحث عن ابني الضائع منذ الأزل.

وجدته.

جذبته بقوة، أخرجته من فك الأمواج. زحفت على الرمال وأنا أحضنه، جسده الصغير بين ذراعي، بارد كأنه مصنوع من الجليد.

كان قلبه لا يزال ينبض. بخفة. بخجل. كأنه يعتذر عن الوجود.

جلست على الرمال أرتجف، وهو بين ذراعي يرتجف أيضاً. لكنه كان يبتسم.

ابتسامة صغيرة. رقيقة. كتلك التي تظهر على وجه طفل يرى قوس قزح بعد عاصفة طويلة.

ابتسامة عرفت أنها لن تعود.

جسده كان يبرد بسرعة. أعرف... أعرف أنه لن يعيش طويلاً. الطبيب قال لي من البداية أن جسده الصغير لن يتحمل. لكنني رفضت التصديق. رفضت أن أصدق أن الموت يمكن أن يكون بهذه الوقاحة، أن يأخذ طفلي مرتين.

كنت أبكي. شعرت أنني خسرت طفلي مجدداً. ونعم... لقد خسرته.

بقيت أقبل رأسه، جبينه، خديه الباردين. كلماتي كانت تتكسر قبل أن تخرج من فمي، وكأن الحروف تذوب في لهيب الحزن:

"نواه... حبيبي... طفلي... أنا آسف... أنا آسف... أنا آسف لأنني لم أحميك... لأنني تركتك... لأنني أغمضت عيني للحظة وفقدتك... أنا آسف."

شعرت به يرتخي بين يدي. جسده أصبح أخف فجأة، كما لو أن روحه بدأت تصعد بهدوء، دون ضجة، دون صراخ، تماماً كما عاش تلك الأيام الأخيرة... بهدوء، بصمت، كأنه لا يريد أن يزعج أحداً.

اشتد بكائي وأنا أقبل رأسه، أحاول تدفئة جسده البارد بكفيّ المرتجفتين، كأن دفئي الضعيف يمكنه أن يصد الموت.

"انظر كيف أن جسدك بارد... يا إلهي... كيف أصبح جسدك بارداً هكذا؟"

لم يجب.

لم يعد يجيب.

لكنني واصلت. بدأت أخبره كم أحبه. كم هو جميل. كم كنت فخوراً به. كم كنت أتمنى لو أن الوقت أدار ظهره لنا للحظة، فقط لحظة، كي أستطيع أن أقول له كل ما تبقى في قلبي.

...

ثم حدث شيء لم أتوقعه.

رفع جسده المرتجف فجأة، كما لو أنه جمع كل ما تبقى له من قوة في قبضة واحدة. ارتمى في حضني بشكل أعمق، وضع ذراعيه الصغيرتين حول رقبتي. شعرت بأنفاسه الباردة على خدي.

قبلني.

قبلة خفيفة على خدي. كأنها قبلة ملاك يودع الأرض للمرة الأخيرة.

ثم همس بصوت لم أسمع له مثيلاً من قبل. صوت كان حزيناً، دافئاً، ومسالماً في آن واحد:

"وداعاً... أبي."

...

تجمدت. توقفت أنفاسي. الوقت نفسه توقف.

وعندما عدت إلى نفسي، كان جسده قد ارتاح. كان خفيفاً... خفيفاً جداً. كأنه لم يعد هناك شيء في داخله سوى الذكريات التي تركتها روحه الصغيرة لتطاردني بقية العمر.

...

أظن أنني بكيت حتى جفت دموعي. أظن أنني صرخت حتى بح صوتي. أظن أنني سأظل جالسا على هذه الرمال إلى الأبد.

مضحك، أليس كذلك؟

تخرج لتنقذ طفلاً من الغرق، فيموت الطفل بين يديك محاولاً إنقاذك.

هذا هو القدر.

هذا هو الوقت.

كاذب، مخادع، يسرق منا أجمل ما نملك، ويترك لنا فقط... الأصداء.

النهاية.....

حسنًا، أردت أن أقول إن هذا ليس أسلوبي في العادة، لكنني قررت أن أستعمل هذا الأسلوب لكي أصنع هذه القصة القصيرة. يمكن اعتبارها كترويج و"حرق" غير مباشر لشيء مهم في سلسلتي، بعنوان "الخطأ" أو بعنوان "الخلل". شكرًا للقراءة، أتمنى أن تعجبكم القصة.

عنوان حسابي علي الإنستغرام :

Lord_.__._ck

2026/05/20 · 6 مشاهدة · 1689 كلمة
نادي الروايات - 2026