الضباب في سايلنت شور:

كان الضباب يزحف فوق رصيف محطة "سايلنت شور" المهجورة مثل كائن حي يبحث عن مأوى، لم تكن المحطة سوى هيكل خشبي متآكل يئن تحت وطأة الملح والرطوبة القادمة من البحر الهائج خلف الجرف، توقف القطار البخاري الأخير بصوت يشبه حشرجة الموت، نافثاً سحابة من الدخان الأسود اختلطت ببياض الضباب، وكأنها نذير شؤم يرحب بالغرباء الثلاثة.

نزل "آرثر فانس" أولاً، كانت خطواته على الرصيف الخشبي رزيناً ومحسوبة، يرتدي معطفاً طويلاً من الصوف الرمادي، ويضع قبعة "فيدورا" مائلة قليلاً تخفي عينين حادتين كشفرة الحلاق، لم ينظر إلى المحطة، بل حدق في الأفق حيث تبدأ غابة "ويسبرينغ باينز".

لحق به "إدوار"، الضابط السابق الذي لم تفارق يده اليمنى جيب معطفه، حيث يقبع مسدسه الجاهز دائماً، كان جسده مشدوداً، وعيناه تمسحان المكان بحثاً عن أي تهديد محتمل، أما "جوليان"، الشاب النحيل ذو النظارات الطبية، فقد نزل وهو يحتضن حقيبة جلدية ضخمة تحتوي على ملفات القضية وأدوات التحليل، وكان يرتجف قليلاً، ليس من البرد فحسب، بل من الثقل النفسي لهذا المكان.

"هذه الأرض لا ترحب بالغرباء يا سيدي،" همس إدوار وهو يراقب عاملاً وحيداً في المحطة يبتعد مسرعاً بمجرد رؤيتهم.

رد آرثر بصوت منخفض وهادئ، صوت يحمل نبرة السلطة والذكاء المطلق: "الأرض لا ترحب ولا ترفض يا إدوار، البشر هم من يفعلون ذلك، وهذا الخوف الذي تراه في عيني ذلك العامل ليس عداءً، بل هو "وقاية"، إنهم يخشون أن تجذب حركتنا انتباه شيء يفضلون بقاءه في الظل."

بينما كانوا يتحدثون، ظهرت عربة خشبية قديمة يجرها حصان هزيل، نزل منها رجل ذو وجه شاحب ولحية مهذبة بعناية، يرتدي ملابس رسمية لكنها قديمة الطراز، كان هذا هو العمدة "إليوت".

"السيد فانس؟" سأل العمدة وصوته يرتجف قليلاً، "أنا إليوت، لقد كنا ننتظركم منذ ثلاثة أيام، القرية تعيش في حالة ذعر.. الجرائم.. إنها ليست مجرد قتل، إنها عودة لما أقسمنا أنه انتهى."

وضع آرثر يده في جيبه وأخرج غليونه الخشبي دون أن يشعله:

"السيد إليوت، دعنا نتفق على أمر واحد قبل أن نتحرك خطوة واحدة، أنا لم آتِ من العاصمة لأطارد أشباحاً أو قصصاً خرافية، أنا هنا لأبحث عن فاعل يملك أصابعاً ليضغط بها على الزناد، أو يداً ليمسك بها السكين، الرماد الذي يتحدث عنه القرويون لا يقتل، بل الحقد البشري هو الذي يفعل."

رد العمدة وهو يمسح عرقاً بارداً عن جبينه: "ستغير رأيك عندما ترى الغابة، جون جان لم يمت تماماً في تلك الليلة.. لقد ترك خلفه لعنة لا يمحوها المنطق."

الطريق عبر "ويسبرينغ باينز":

صعد الثلاثة إلى العربة، وانطلقت بهم نحو القرية عبر الطريق الوحيد الذي يشق غابة "ويسبرينغ باينز"، كانت الأشجار هناك تبدو وكأنها هياكل عظمية لعمالقة سقطوا من السماء، أغصانها المتشابكة فوق الطريق حجبت ضوء القمر الضعيف، مما جعل المكان يسقط في ظلمة حالكة.

"جوليان،" نادى آرثر وهو يراقب الأشجار المارة، "أعطني ملخصاً سريعاً عن الضحية الأخيرة."

فتح جوليان حقيبته وأخرج ورقة بجهد جهيد في ضوء المصباح الزيتي المتأرجح للعربية، "الضحية هو "فيليب موران"، ستون عاماً، كان أحد حراس الغابة القدامى، وُجد قبل يومين في وسط الغابة، داخل دائرة من الرماد البارد، لم توجد آثار طعن أو خنق ظاهرة، لكن وجهه كان متجمداً في تعبير عن الرعب المطلق.. وكأنه رأى شيئاً لم يتحمله قلبه."

تدخل إدوار: "هل فحصت السوائل في جسده؟"

هز جوليان رأسه: "طبيب القرية رفض تشريح الجثة، قال إن لمس ضحايا "جون جان" يجلب النحس، لكنني لاحظت في التقرير الأولي ذكراً لرائحة غريبة.. رائحة تشبه زيت كبد الحوت المحروق."

توقف آرثر عن مراقبة الغابة فجأة:

"زيت كبد الحوت؟ هذا النوع من الزيوت كان يُستخدم في تشحيم المدافع القديمة وسفن القراصنة في القرن الماضي، لماذا يوجد في جريمة حديثة؟"

العمدة، الذي كان يقود العربة، التفت برأسه ببطء، وعيناه غائرتان في الظلام: "لأنه زيت سفينة "العقاب السوداء".. سفينة جون جان، إنها الطريقة التي يعلن بها عن حضوره."

ابتسم آرثر ابتسامة باردة لم تصل إلى عينيه: "أو أنها الطريقة التي يخبرنا بها القاتل أنه قرأ الكثير من كتب التاريخ المحلي، ويريدنا أن نصدق ما يصدقه العامة، استمر يا جوليان، هل هناك علاقة بين فيليب موران وبين أحداث ليلة الحرق قبل عشرين عاماً؟"

ابتلع جوليان ريقه وقال: "نعم سيدي، موران كان هو من أغلق باب الكوخ بالسلاسل الحديدية قبل إشعال النار، كان هو السجان."

ساد الصمت داخل العربة، ولم يكن يقطعه سوى صوت حوافر الحصان على الأرض الطينية وصوت الرياح التي كانت تصفر بين الأشجار، محاكية أصوات صراخ بعيد.

الوصول إلى "سايلنت شور":

عندما خرجت العربة من الغابة، استقبلتهم قرية "سايلنت شور"، كانت المنازل حجرية، صغيرة، ومتراصة على حافة الجرف، وكأنها تحاول الهروب من الغابة نحو البحر، كانت النوافذ مغلقة بإحكام، ولم يظهر أي بشري في الطرقات الضيقة المرصوفة بالحصى.

توقفت العربة أمام نزل قديم يحمل لافتة خشبية مرسوماً عليها مرساة مكسورة، ترجل آرثر وتوجه مباشرة نحو حافة الجرف، حيث تلاطم الأمواج العاتية الصخور السوداء في الأسفل.

"إدوار،" قال آرثر دون أن يلتفت، "قم بتأمين غرفنا، تأكد من أن الأبواب لها مزاليج داخلية قوية، وافحص الأرضيات بحثاً عن أي مداخل سرية، جوليان، أريدك أن تبدأ في رسم خارطة زمنية لكل من شارك في ليلة الحرق، من مات منهم ومن لا يزال حياً، وأين كانوا وقت وقوع الجرائم الثلاث الأخيرة."

التفت آرثر نحو العمدة الذي كان يهم بالمغادرة: "سيد إليوت، غداً في الفجر، أريد مقابلة طبيب القرية، وأخبره أنني لا أهتم بالنحس، إذا لم يفتح لي أبواب المشرحة، فسأفتحها بطريقتي الخاصة."

نظر العمدة إلى آرثر بخوف ممزوج بالإعجاب: "أنت لا تخاف يا سيد فانس، أليس كذلك؟"

أشعل آرثر غليونه أخيراً، وتصاعد الدخان منه ليختلط بضباب البحر: "أنا أخاف من شيء واحد فقط يا سيد إليوت.. أخاف من الحقيقة التي يتم طمسها تحت رداء الخرافة، لأنها حينها تصبح وحشاً حقيقياً لا يمكن كبحه."

دخل آرثر إلى النزل، بينما كان البحر في الأسفل يزأر، وكأن روح "جون جان" كانت تستعد لجولة جديدة في هذه اللعبة القاتلة.

2026/05/26 · 2 مشاهدة · 900 كلمة
محمد
نادي الروايات - 2026