في الليلة التي مات فيها والده، لم يبكِ شين يوان فورًا.

جلس قرب الحصير الخشن، يحدّق في الجسد المسجى أمامه كما لو أن الموت قد أخطأ الباب ودخل على بيت لا يعرفه. كانت الغرفة ضيقة، جدرانها الطينية متشققة، والسقف الخشبي يرشح ماء المطر من مواضع محفوظة يعرفها شين يوان واحدًا واحدًا. في الزاوية موقد بارد، وعلى الرف وعاء فارغ، وفي الفضاء الضيق رائحة أعشاب رخيصة لم تنجح في طرد رائحة النهاية.

كانت يد والده ما تزال ممدودة قليلًا، كأنه حاول أن يمسك شيئًا قبل لحظته الأخيرة ثم تراجع. ربما الهواء. ربما الحياة. ربما كتف ابنه.

مد شين يوان يده ببطء، ثم وضع أصابعه على ظاهر تلك اليد. كانت باردة على نحو لا يشبه البرد العادي. ليس برد الشتاء، ولا برد الحجر، ولا برد الماء قبل الفجر. كان ذلك نوعًا آخر من البرودة؛ برودة الشيء الذي خرج منه كل ما يجعله قابلًا للرد على العالم.

بقي على هذه الحال وقتًا طويلًا.

لم يكن يعرف ماذا ينبغي أن يفعل.

الناس يقولون إن على الابن أن يبكي.

لكن البكاء بدا له في تلك اللحظة فعلًا صغيرًا، لا يليق بشيء كبير ومطلق مثل الموت.

خارج البيت، كان المطر يضرب التراب ضربًا خفيفًا متواصلًا. وفي الحي الفقير الواقع عند طرف مدينة “لينتشي”، انطفأت المصابيح الواحدة تلو الأخرى. كان الليل عند الفقراء سريعًا؛ ما إن تنطفئ النار حتى يبتلعهم الظلام.

تذكر شين يوان فجأة أن والده لم يتعشَّ.

ثم أدرك بعد لحظة صامتة أن هذا الأمر لم يعد مهمًا.

عندها فقط، شعر بشيء يهبط في صدره.

لم يكن حزنًا واضحًا بعد.

كان إدراكًا.

الإدراك دائمًا أبطأ من الحدث، لكنه أشد قسوة.

منذ طفولته، كان أبوه يقول له:

“الفقر ليس أسوأ ما في الدنيا. الأسوأ أن تكون فقيرًا وقصير العمر معًا.”

ولم يفهم شين يوان يومها معنى الجملة.

كان يظن أن الفقراء مثله ومثل أبيه لا يملكون ترف التفكير في العمر الطويل أصلًا. يومك يكفيك إذا وجد فيه خبزًا. وأسبوعك معجزة إن مرّ بلا مرض. فما قيمة مئة سنة لرجل لا يضمن نهاية الشتاء؟

لكن والده كان يقولها دائمًا بنبرة غريبة، كما لو أنه لا يشكو من الحياة، بل يتهمها.

“الأغنياء يمرضون فيبحثون عن الأطباء.

الأقوياء يشيخون فيبحثون عن الميراث.

أما نحن، فنتعب قليلًا ثم نموت.

حتى الموت عندنا رخيص.”

حين كان صغيرًا، لم يكن شين يوان يحب هذا الكلام.

كان يشعر أن أباه يفتح نافذة على عتمة أكبر من اللازم.

لكنه الآن، وهو جالس بجانب الجثة الصامتة، شعر لأول مرة أن أباه لم يكن يتكلم بمرارة عابرة، بل بحقيقة عاشها في عظامه.

تحرك ضوء خافت عند الباب.

دخلت الجارة العجوز، وانحنت قليلًا، ثم تنهدت وهي ترى المشهد.

قالت بصوت منخفض:

“رحمه السماوات.”

لم يجبها شين يوان.

اقتربت أكثر، ثم وضعت على الطاولة الصغيرة لفافة قماش فيها قليل من الخبز اليابس. لم تنظر إليه طويلًا؛ الفقراء يعرفون أن العزاء الحقيقي لا يملكونه، فيكتفون بما هو أقرب إلى البقاء.

قالت بعد صمت:

“هل لديك مال للدفن؟”

سؤالها لم يكن قاسيًا.

كان واقعيًا فقط.

رفع شين يوان عينيه إليها. كان فيهما ذلك الصفاء المرهق الذي يأتي بعد الصدمة الأولى.

قال:

“لا.”

هزت العجوز رأسها.

“سأحاول أن أتكلم مع صاحب المقبرة الصغيرة عند الطرف الشرقي. ربما ينتظر يومين.”

يومين.

حتى دفن الموتى عند الفقراء يحتاج إلى تفاوض.

شكرها بصوت خافت، وانصرفت. بقي وحده من جديد.

أدار رأسه نحو النافذة. كانت السماء سوداء خالية من القمر، لكن على البعد، فوق القسم الداخلي من المدينة، ظهرت أضواء مرتفعة تلمع وسط المطر مثل نجوم هبطت إلى الأرض.

منذ صغره، كان يعرف ما هناك.

الحي الداخلي.

مساكن العائلات الثرية.

ومعها، أعلى من الجميع، التلال الحجرية التي تقوم عليها أجنحة طائفة الغيمة الصافية.

المزارعون.

أناس يعيشون في نفس العالم، لكنهم ليسوا من نفس الزمن.

كان يسمع عنهم منذ طفولته كما يسمع الناس عن الكواكب أو الأرواح:

يشقون الصخور.

يطيرون فوق الجبال.

يعالجون السموم.

يعيشون مئات السنين.

تخافهم الحكومات وتخطب ودّهم العائلات.

وحين ينزل واحد منهم إلى المدينة، يفرغ الطريق من تلقاء نفسه.

لم يكن شين يوان يحسدهم بالطريقة التي يحسد بها الفقير الغني.

بل كان يشعر تجاههم بشيء أعقد.

كيف يبدو العالم لمن يعلم أنه لن يموت قريبًا؟

كيف ينظر إلى الناس، إلى الأسواق، إلى الجوع، إلى الحب، إلى الخصومات الصغيرة؟

هل يراها كلها تافهة؟

أم يراها أجمل، لأنها زائلة؟

خفض بصره إلى والده من جديد.

هنا، في هذا البيت الضيق، كان الموت نهائيًا وسريعًا وغير مهيب.

أما هناك، فوق التلال، فحتى الشيخوخة نفسها تبدو كأنها مشكلة قابلة للتأجيل.

عند الفجر، خرج من البيت.

كان قد غطى جسد أبيه بقطعة القماش الوحيدة النظيفة التي يملكها. الهواء بعد المطر كان باردًا، والطين يلتصق بأسفل نعليه الباليين. المدينة لم تستيقظ بعد تمامًا؛ الباعة فقط يجهزون أكشاكهم، وعمال الحمل يجرون عرباتهم، والكلاب الهزيلة تفتش في الأركان.

كان في جيبه ثلاث عملات نحاسية.

ثلاث عملات لا تشتري كفنًا لائقًا، ولا قبرًا، ولا حتى يومًا إضافيًا من الحياة لو كان أبوه ما يزال يتنفس.

مشى بلا هدف في البداية، ثم وجد نفسه قرب السور الحجري الذي يفصل الأحياء الدنيا عن الطريق المؤدي إلى منطقة الطائفة. لم يكن مسموحًا لعامة الناس بتجاوز نقاط معينة، لكن النظر لم يكن ممنوعًا.

وقف هناك طويلًا.

بين ضباب الفجر، رأى سلّمًا حجريًا عظيمًا يتصاعد بين الأشجار السوداء نحو الأعلى، كأنه خارج من الأرض إلى مكان لا يصلح للبشر العاديين. وعلى جانبيه مصابيح حجرية محفور عليها رموز لا يفهمها، لكنها توحي بشيء يتجاوز الزينة. بدا كل شيء منظمًا زيادة عن اللزوم، ساكنًا زيادة عن اللزوم. حتى الهواء هناك بدا أنظف من هواء المدينة.

ولأول مرة في حياته، لم ينظر شين يوان إلى الطائفة كحلم بعيد أو كزينة للمدينة.

نظر إليها كإهانة.

ليس لأنهم أقوياء.

بل لأنهم يملكون شيئًا لا يملكه هو ولا أبوه ولا كل من عاش ومات في ذلك الحي الموحل:

الوقت.

وفجأة فهم أن البشر لا يُظلمون بالقوة فقط.

بل يُظلمون أيضًا بتوزيع الزمن.

هناك أناس يُمنحون من العمر ما يكفي ليرتكبوا الأخطاء ويتراجعوا عنها.

ما يكفي ليحبوا ويخسروا ثم يحبوا من جديد.

ما يكفي ليفهموا أنفسهم بعد أن يفسدوها.

وآخرون لا يُمنحون حتى المهلة اللازمة ليتغيروا.

أبوه لم يمت لأنه شرير، ولا لأنه غبي، ولا لأنه اختار خطأً كارثيًا.

مات لأنه عاش في طبقة من العالم يُستهلك فيها الإنسان بسرعة.

وقف شين يوان أمام السور الحجري وشعر لأول مرة أن الموت ليس قانونًا سماويًا مجردًا.

في كثير من الأحيان، كان مجرد نظام طبقي أكبر من أن يراه الفقراء بوضوح.

“تنحّ.”

جاءه الصوت من الخلف باردًا وحادًا.

استدار.

كان شابًا في السادسة عشرة أو السابعة عشرة تقريبًا، يرتدي ثوبًا أزرق مطرزًا بخيوط فضية عند الأكمام. خلفه خادم يحمل صندوقًا خشبيًا طويلًا. ملامحه نظيفة، بشرته صافية، ووقفته مستقيمة على نحو لا يعرفه شين يوان إلا عند أبناء العائلات الكبيرة.

ابتعد شين يوان خطوة إلى الجانب.

مرّ الشاب قربه، ثم توقف فجأة كأنه شمّ شيئًا غير مريح. نظر إلى ثياب شين يوان المبتلة بالطين، ثم إلى وجهه، وقال بلا عداء شخصي، بل بازدراء تلقائي:

“الطريق إلى الطائفة ليس مكانًا للمتسولين.”

أراد شين يوان أن يقول: أنا لست متسولًا.

لكنه لم يقل شيئًا.

لأنه في تلك اللحظة، أدرك أن الدفاع عن الكرامة عند الجائعين يكون أحيانًا نوعًا من الترف.

والأسوأ من الإهانة هو أن تكون واقفًا في موضع يجعل ردك بلا قيمة.

همّ الشاب أن يتابع السير، ثم انفتح باب جانبي في السور الحجري، وخرج منه رجل مسنّ بثوب رمادي بسيط. لم يكن يضع أي زينة تدل على مقامه، لكن حضوره وحده جعل الشاب الثري ينحني فورًا.

رفع الشيخ عينيه، ومسحهما على المكان بسرعة هادئة.

عبرتا فوق الشاب الثري والخادم، ثم توقفتا عند شين يوان.

لم تكن نظرة طويلة.

ولم تكن قاسية.

لكنها كانت من النوع الذي يجعلك تشعر أنك صرت شفافًا لوهلة.

قال الشيخ للشاب الثري:

“اسمك؟”

أجاب بسرعة:

“لو تشن، من عائلة لو، جئت لاختبار القبول.”

هز الشيخ رأسه، ثم أشار له بالدخول.

تقدم الشاب بخطوات سريعة، ولحقه خادمه. قبل أن يدخل، التفت إلى شين يوان بنظرة أخيرة فيها شيء من الانتصار الغريزي، ثم اختفى خلف الباب.

بقي شين يوان واقفًا.

كان يتوقع أن يغلق الشيخ الباب وينصرف.

لكنه لم يفعل.

بقي الرجل المسن واقفًا لحظة، ثم قال دون مقدمات:

“رائحة الموت عليك.”

تصلبت ملامح شين يوان قليلًا.

ثم قال بصوت هادئ:

“مات أبي الليلة.”

سكت الشيخ.

ثم سأل:

“وأتيت إلى هنا بدلًا من البكاء؟”

رفع شين يوان نظره إليه. كانت عيناه متعبتين، لكن فيهما شيء استيقظ للتو.

قال:

“أتيت لأرى المكان الذي يعيش فيه من يملكون وقتًا أكثر.”

لأول مرة، تغيرت عينا الشيخ قليلًا.

ليست دهشة.

بل انتباه.

“ولماذا؟”

أجاب شين يوان بعد لحظة:

“لأنني بدأت أظن أن أكثر ما يُسرق من الناس ليس الذهب… بل العمر.”

ساد الصمت.

صمت طويل على نحو غريب.

حتى الريح بدت كأنها خفتت بين الأشجار.

تقدم الشيخ خطوة واحدة فقط، لكنها كانت كافية ليشعر شين يوان بثقل خفي يهبط على المكان. لم يكن ثقلًا ماديًا، بل شيئًا يشبه حضور جبل داخل صدر إنسان.

قال الشيخ:

“كثيرون يريدون الزراعة لأنهم يحبون القوة.

كثيرون يريدونها لأنهم يكرهون الضعف.

وكثيرون يريدونها لأنهم يخافون الموت.

أما أنت… فتنظر إليها كأنها مسألة عدالة.”

تردّد شين يوان، ثم قال:

“لا أعرف إن كانت عدالة. لكنني أعرف أن الموت يبدو مختلفًا جدًا من مكان إلى آخر.”

بقي الشيخ ينظر إليه.

ثم قال جملة لم يفهمها شين يوان إلا بعد سنوات طويلة:

“احذر يا فتى.

من يدخل طريق الخلود طلبًا للإنصاف، قد يكتشف في النهاية أن الزمن لا يعدل أحدًا… بل يكشف فقط ما في داخله ويتركه يتمدد.”

ثم استدار الشيخ ليعود من حيث خرج.

لكن قبل أن يغلق الباب، توقف وقال دون أن يلتفت:

“بعد ثلاثة أيام، عند سفح التل الشرقي، سيقام اختبار خارجي لخدم المرافق والعمال المساعدين. ليس تلاميذ. لا ترفع سقف أحلامك.

إن كنت تريد الاقتراب من الطريق، فابدأ من أدناه.”

وأغلق الباب.

وقف شين يوان وحده أمام السور، بينما ظل صدى الجملة الأخيرة يتردد في داخله.

ليس تلاميذ.

عمال مساعدين.

خدم مرافق.

أي أدنى من أدنى الدرجات.

ومع ذلك…

كان ذلك أول باب يُفتح له في عالمٍ كان حتى الأمس مجرد ضوء بعيد فوق التلال.

عاد إلى البيت مع ارتفاع النهار.

دخل الغرفة المظلمة، وجلس بجانب جسد أبيه من جديد. لم يعد المكان نفسه كما كان في الليل. أو لعله هو الذي لم يعد كما كان.

نظر إلى اليد الباردة تحت الغطاء، وقال بصوت خفيض، لا يعلم هل يخاطب أباه أم نفسه:

“أنا لا أعرف إن كان هذا الطريق سيجعلني أفضل… أو أسوأ.

ولا أعرف إن كان من يهرب من الموت ينجو فعلًا من الخسارة.

لكنني أعرف شيئًا واحدًا…

أنا لا أريد أن أُستهلك بهذه السهولة.”

ثم سكت.

خارج البيت، كانت المدينة تواصل يومها كأن شيئًا لم يحدث.

باعة يصرخون.

حمّالون يركضون.

امرأة توبخ طفلها.

ورجل يساوم على ثمن السمك.

الحياة، كعادتها، لم تتوقف لأجل ميت واحد.

لكن في ذلك البيت الطيني الصغير، وُلد شيء آخر بهدوء.

ليس طموحًا.

وليس حقدًا.

وليس حلمًا ساذجًا بالمجد.

بل سؤال.

والأسئلة العظيمة، حين تولد في قلب إنسان فقير، تكون أخطر من السيوف.

2026/03/14 · 14 مشاهدة · 1707 كلمة
نادي الروايات - 2026