بعد أن انتهت الأسماء، لم يُمنح الناجحون وقتًا حقيقيًا للاحتفال أو حتى لالتقاط أنفاسهم كما ينبغي.
تقدم أحد التلاميذ الخارجيين وأشار لهم أن يتبعوه.
كان شابًا في أوائل العشرينات، نحيف الوجه، سريع الخطوات، وعلى طرف كمه الأيمن خيط أخضر باهت يميزه عن بقية التلاميذ الذين أشرفوا على الاختبار. لم يعرّف عن نفسه، ولم ينظر خلفه إلا مرتين ليتأكد أنهم ما زالوا يسيرون. وكأن وجودهم خلفه ليس مسؤولية، بل حمولة مؤقتة ينبغي إيصالها إلى مكانها.
سار شين يوان مع البقية عبر ممر حجري جانبي يلتف حول التل بدل أن يصعد إلى الواجهات المهيبة التي كان يراها الناس من المدينة. ومنذ الدقائق الأولى، فهم الفرق بين الطائفة كما تُرى من بعيد والطائفة كما يدخلها من لا يملك مكانة.
الواجهة العليا التي تعلوها الأجنحة والمصابيح الحجرية والقاعات ذات الأسقف المنحنية بقيت بعيدة، لا تظهر إلا لمحات بينها الأشجار والمنحدرات. أما الطريق الذي سلكوه، فكان أضيق، أقل عناية، وأقرب إلى العصب الخلفي لجسد ضخم: جدران حجرية عملية بلا زينة، ممرات مبللة من أثر الماء، مخازن جانبية مغلقة، ورائحة مختلطة من الخشب، والزيت، والتراب، والأعشاب المسحوقة.
لم يكن المكان قذرًا، لكنه لم يكن جميلًا.
وكان هذا بحد ذاته رسالة.
هؤلاء لم يدخلوا الطائفة بوصفهم ضيوفًا على مجدها، بل أدوات ستُوزع على أعضائها.
كان عدد الذين اجتازوا الاختبار أقل مما ظنه شين يوان في لحظة قراءة الأسماء. بعد أن أعاد عدّهم بعينيه، وجدهم اثني عشر فقط.
اثنا عشر من بين ذلك الحشد.
ومن بينهم عرف على الفور ثلاثة وجوه ستبقى مهمة، على الأقل في هذه المرحلة:
الفتاة النحيلة ذات الإيقاع البارد.
الفتى ذو الثوب الأزرق الداكن.
وشاب آخر متوسط القامة، هادئ الملامح، لم يلفت الانتباه أثناء الاختبار إلا لأنه لم يلفته أصلًا، وهو نوع من الناس لا يُستهان به.
أما البقية، فتوزعوا بين المتعب، والمتوتر، والمتجهم، ومن يحاول إخفاء دهشته.
بعد مسير يقارب ربع ساعة، انفتح الطريق على ساحة سفلية واسعة نسبيًا.
كانت أول مساحة حقيقية يرونها من داخل الطائفة.
الساحة محاطة بثلاثة صفوف من الأبنية المنخفضة، بأسقف خشبية داكنة، ونوافذ ضيقة. إلى اليسار صف من غرف التخزين، تخرج منه رائحة الحبوب والزيوت والمواد المجففة. إلى اليمين حوض ماء مستطيل، يتصاعد منه بخار خفيف يدل على أنه يغذى من عين داخلية أدفأ من الهواء. في الطرف المقابل قامت قاعة طويلة شبه مفتوحة، بداخلها طاولات خشبية، وأرفف، وأدوات تنظيف وحبال وسلال. خلفها امتدت ممرات أخرى تصعد وتهبط بين الأبنية.
كان كل شيء منظمًا بشدة، لكن بطريقة عملية لا تسمح بالوهم.
هذا ليس عالم الشيوخ ولا القاعات المقدسة.
هذا عالم الخدمة، النقل، الترتيب، والتشغيل الصامت لما فوقه.
توقف التلميذ الذي يقودهم أخيرًا، واستدار إليهم.
قال:
“هذه ساحة المرافق السفلى الشرقية. أنتم الآن، مؤقتًا، ضمن سجلّها.”
ثم أشار إلى نفسه بإهمال خفيف:
“اسمي هان تشي. تلميذ خارجي من الدفعة الثالثة. طوال الأيام القادمة، أنتم تسمعون مني أو ممن هو فوقي. من لا يفهم موقعه، سنتكفل بتذكيره.”
صوته لم يكن باردًا كالقيم وانغ، ولا متعاليًا على نحو أبناء العائلات.
بل كان يحمل شيئًا آخر: اعتياد السلطة الصغيرة.
سلطة من عانى بدوره تحت من هم فوقه، ثم وجد أخيرًا من هم دونه.
أشار إلى القاعة الطويلة.
“ادخلوا.”
دخلوا واحدًا واحدًا.
في الداخل كانت هناك طاولة طويلة خلفها رجل ممتلئ، في الخمسين تقريبًا، أصلع من مقدمة رأسه، يرتدي ثوبًا رماديًا واسعًا، ويحمل لوحًا من خشب داكن وريشة كتابة. لم يرفع رأسه فورًا حين دخلوا، بل ظل يكتب شيئًا ثم قال:
“الأسماء.”
بدأ هان تشي يناديهم بالترتيب الذي كتبه القيم وانغ.
كل من نودي اسمه، تقدم خطوة، فأخذ الرجل الأصلع نظرته السريعة وكأنها ختم أولي على الوجود. لم يسأل عن خلفياتهم، ولا عن أعمارهم بدقة، ولا عن أسباب قدومهم. فقط الاسم، وأحيانًا المدينة أو القرية إن كان الاسم شائعًا.
حين جاء دور شين يوان، قال الرجل وهو يكتب:
“شين يوان. مدينة لينتشي. بلا عشيرة مسجلة؟”
أجاب:
“نعم.”
توقف القلم لحظة قصيرة، ثم أكمل.
بلا عشيرة.
كانت العبارة بسيطة، لكن شين يوان أحس بثقلها.
في هذا العالم، من لا يملك ظهرًا يحمل اسمه، يبدو دائمًا كمن يقف في العراء.
بعد أن انتهت الأسماء، وضع الرجل الأصلع الريشة جانبًا وقال:
“اسمي المسؤول لوه. أنا مسؤول السجل والمبيت والتوزيع الأولي في هذا القسم. لا يهمني إن كنتم عباقرة مخفيين أو أبناء أبطال سقطوا من السماء أو أوغادًا لفظتهم الأزقة. هنا، ما يهمني ثلاثة أشياء فقط: هل تنفذون؟ هل تفهمون؟ وهل تسببون المتاعب؟”
ثم مرّت عيناه على الوجوه واحدًا واحدًا.
“من يسبب المتاعب هنا، لا يُطرد دائمًا. أحيانًا هذا أسوأ. أحيانًا يُترك في مكان يعلم فيه ببطء أن بعض الأبواب لا تُفتح مرة ثانية.”
ثم ضرب اللوح الخشبي بإصبعه.
“الآن ستأكلون. بعد ذلك توزع عليكم الغرف المؤقتة. عند الفجر يبدأ العمل.”
هنا رفع أحد الشبان، وكان من الباقين الأقل بروزًا، يده بتردد.
“سيدي… العمل؟”
نظر إليه المسؤول لوه كما لو أن السؤال نفسه يثبت أنه لم يفكر بما يكفي.
“هل ظننت أنكم اجتزتم الاختبار لتدخلوا في النوم؟”
خفض الشاب يده فورًا.
أما شين يوان، فقد التقط من الجواب شيئًا مهمًا:
حتى الآن ما زالوا يُعاملونهم كأشخاص تحت الاختبار، لا كمن حصلوا على مكان.
قادهم هان تشي بعد ذلك إلى القاعة المجاورة، حيث وُضعت لهم وجبة بسيطة: وعاء أرز خشن، خضار مطبوخة بقليل من الزيت، ومرق رقيق لكنه ساخن. لم يكن الطعام فاخرًا، لكنه بالنسبة لمن صعدوا ذلك اليوم حتى كادت أجسادهم تنفصل عنهم، بدا كافيا ليصبح لحظة صامتة شبه مقدسة.
جلسوا متفرقين أولًا، ثم بدأ بعضهم يختار مواقع أقرب إلى من ارتاح لهم بصريًا أو طبقيًا أو نفسيًا. الفتى ذو الثوب الأزرق الداكن جلس وحده في طرف الطاولة، كأنه يعلن أنه موجود بينهم اضطرارًا لا انتماءً. الفتاة النحيلة جلست أيضًا وحدها، لكن عزلتها لم تكن متعالية؛ بل مغلقة. أما الشاب الهادئ متوسط القامة، فجلس بطريقة عادية تمامًا، لا يظهر حاجة إلى صحبة ولا نفورًا منها.
اختار شين يوان مكانًا في وسط الطاولة، لا قريبًا من الأطراف، ولا ملتصقًا بأحد.
كان أول طعم للمرق الحار في فمه كافيًا ليعيد شيئًا من الحياة إلى أطرافه. شعر بجسده كله وكأنه يذوب قليلًا من قسوته. وحين بدأ يتناول الأرز ببطء، اكتشف كم كان جائعًا.
لكن حتى في تلك اللحظة، لم يكن العقل ساكنًا.
في القاعة، كانت الأصوات قليلة. همسات، أنفاس، صوت الملاعق الخشبية على الأوعية. الكل مرهق، لكن ليس إلى الحد الذي يمنع المراقبة. في مكان مثل هذا، أول وجبة ليست مجرد أكل؛ إنها أول لحظة يبدأ الناس فيها بتقدير بعضهم بعضًا.
من يأكل بجشع؟
من يراقب الآخرين؟
من يحاول أن يبدو متمدنًا؟
من يلتهم كل شيء كأنه لا يثق أن هناك وجبة أخرى؟
من يبقي ظهره مستقيمًا رغم التعب؟
كلها تفاصيل صغيرة، لكنها تقول أكثر مما ينبغي.
رفع شين يوان بصره مرة، فوجد الفتى ذو الثوب الأزرق الداكن ينظر إلى الطعام بنفور مكتوم. كان يأكل، نعم، لكنه كلما رفع الملعقة بدا كمن يبتلع إهانة لا مرقًا.
وفي الجانب الآخر، كانت الفتاة النحيلة تأكل بإيقاع ثابت لا يتغير، كما صعدت تمامًا.
أما الشاب الهادئ متوسط القامة، فقد كان من القلة الذين لا يبدو عليهم أنهم يريدون إثبات شيء الآن.
بعد دقائق، جلس هان تشي على حافة الطاولة الأمامية، يحمل وعاءه بيد واحدة، وقال دون مقدمات:
“بما أنكم ستتقاسمون الساحة مؤقتًا، فمن الأفضل أن تعرفوا شيئًا واحدًا: من يظن أن اجتياز الاختبار جعله قريبًا من أن يصبح مزارعًا… فهو أحمق أكثر مما ينبغي.”
لم يرد أحد.
ابتلع لقمة، ثم تابع:
“أنتم الآن خدم مرافق سفلى. بعضكم قد يبقى هنا سنوات. بعضكم قد يُرفع إلى خدمة أفضل. وقليل جدًا جدًا قد تُفتح له لاحقًا فرصة ليلامس طريق الزراعة الحقيقي. لكن لا أحد يبدأ من هنا ويقفز فجأة إلى القمم. افهموا هذا أولًا كي لا يقتلكم الوهم قبل أن يقتلكم التعب.”
أحد الشبان، وعلى الأرجح بدافع الفضول المغلف بالخوف، قال:
“وهل حصل من قبل… أن أصبح أحد من هذا القسم مزارعًا فعليًا؟”
أخذ هان تشي رشفة من المرق.
ثم قال:
“حصل. مرات قليلة.”
رفع السؤال الطبيعي نفسه في كل العيون، فابتسم ابتسامة خفيفة لا تحمل دفئًا.
“وهذه الإجابة ستكفيكم. من يعرف كيف ينظر، يفهم أن القلة ليست أملًا كبيرًا… بل وسيلة جيدة لإبقاء الناس يعملون وهم يتخيلون.”
ساد الصمت من جديد.
أحس شين يوان أن بعض الجالسين انكمشوا من الداخل قليلًا بعد هذه الجملة.
ليست كل الحقائق تحتاج إلى القسوة كي تؤلم.
أحيانًا يكفي أن تُقال بوضوح.
بعد الطعام، وزعت الغرف.
كانت الأبنية الخلفية عبارة عن صفوف من حجرات صغيرة، في كل واحدة أربعة أسرة خشبية منخفضة، وخزانة جدارية بسيطة، ومصباح زيتي صغير، وحوض غسيل مشترك في آخر الممر. لا شيء أكثر.
وُضع شين يوان في غرفة تضم ثلاثة آخرين:
الفتى ذو الثوب الأزرق الداكن.
الشاب الهادئ متوسط القامة.
وشاب عريض الكتفين يدعى باي رونغ، لم يكن مميزًا في الاختبار إلا بقوة واضحة في جسده وصمت حذر.
حين دخلوا الغرفة، أدرك شين يوان أن هذه أول ساحة ضيقة حقيقية ستبدأ فيها العلاقات.
الغرفة الصغيرة لا تسمح للشخص أن يختبئ طويلًا خلف مظهره.
الفتى ذو الثوب الأزرق الداكن وضع أمتعته على السرير الأبعد عن الباب، ونفض طرف كمه كما لو أن الغرفة نفسها أدنى من أن تلمسه. ثم قال، من دون أن ينظر إلى أحد:
“أنا تشاو فنغ. من عائلة تشاو الفرعية في جنوب لينتشي.”
كانت هذه ليست مجرد مقدمة.
كانت تحديد مقام.
رد الشاب الهادئ بعد لحظة:
“ليانغ وي.”
لا عشيرة، لا شرح، لا شيء زائد.
ثم قال باي رونغ بصوته الخشن:
“باي رونغ. من قرية جبلية شمال المدينة.”
وحين جاء دور شين يوان، قال ببساطة:
“شين يوان.”
نظر إليه تشاو فنغ هذه المرة نظرة قصيرة.
“بلا عشيرة؟”
كان السؤال نفسه الذي كتبه المسؤول لوه، لكنه هنا خرج بنبرة أخرى؛ نبرة من يقيس تلقائيًا موضع الشخص في السلم.
أجاب شين يوان:
“نعم.”
همهم تشاو فنغ همهمة خفيفة لا يُعرف أهي سخرية أم مجرد تسجيل داخلي للمعلومة، ثم استدار إلى سريره.
في المقابل، لم يبدُ على ليانغ وي أي فضول زائد. كان يقف قرب الحائط يفك حبل متاعه الصغير بهدوء، بينما جلس باي رونغ على طرف سريره كمن يختبر إن كان الخشب سيتحمل وزنه.
مرّت لحظات صامتة.
صمت الغرف المشتركة له طبيعة مختلفة عن صمت الاختبار.
هو ليس مفروضًا من الخارج، بل متخم بما يتوقعه كل طرف من الآخرين.
قطع تشاو فنغ الصمت أولًا، وكأنه لا يحتمل أن يكون في الغرفة كلام قليل.
“لن أتظاهر بأن هذا الوضع يعجبني. لكن بما أن الأمر مؤقت، فلنحرص على الأقل ألا نجعل المكان مزرعة خنازير.”
لم يرد أحد فورًا.
أما شين يوان، فقد فهم شيئًا بسيطًا: تشاو فنغ ليس بالضرورة شريرًا، لكنه ابن بيئة اعتادت أن يكون لها هامش فوق غيرها. ومن يدخل من هذا الباب إلى المرافق السفلى، لا بد أن يشعر بالإهانة مضاعفة.
قال باي رونغ أخيرًا، بنبرة خشنة لكن بلا عداء:
“إن كنت ستنام وتنهض مثل الناس، فلن تصير مزرعة خنازير.”
رمقه تشاو فنغ بنظرة ضيقة، لكنه لم يتابع.
ربما لأنه متعب، وربما لأنه لم يرَ جدوى من بدء نزاع في أول ساعة.
ثم جاء الصوت من الخارج.
ثلاث طرقات على باب الغرفة.
فتح ليانغ وي الباب، فوجدوا هان تشي واقفًا في الممر، وبيده ألواح خشبية صغيرة.
“تعليمات العمل الأولي.”
دخل خطوة واحدة فقط، ثم بدأ يوزع الألواح على الغرف.
حين وصل إلى غرفة شين يوان، أعطى كل واحد لوحًا عليه كتابة مختصرة.
قرأ شين يوان لوحه تحت ضوء المصباح.
شين يوان — الساحة الشرقية — نقل ماء وتنظيف أوعية الأعشاب — بإشراف: القاعة الثالثة.
أما باي رونغ فكان عمله في حمل الحطب وأعمال الساحة.
ليانغ وي في ترتيب المخزن الجاف وإحصاء السلال.
وتشاو فنغ… في خدمة القاعة الداخلية للمراسيل السفلى.
رفع تشاو فنغ حاجبيه قليلًا حين قرأ مهمته.
لم تكن مهمة مزارع أو تلميذ، لكنها أفضل نسبيًا من حمل الماء وتنظيف الأوعية. بدا واضحًا أنه اعتبرها على الأقل أقل إهانة.
وقبل أن يخرج هان تشي، قال وهو ينظر إليهم:
“استيقاظكم قبل الفجر بساعة. من يتأخر في اليوم الأول، يُعاقب في اليوم الأول كي لا ينسى.”
ثم ابتعد.
جلس الأربعة مع ألواحهم، وكل واحد يواجه للمرة الأولى شكل موقعه الحقيقي.
بالنسبة لشين يوان، لم يكن اللوح مفاجئًا.
بل لعل فيه شيئًا من الانسجام القاسي مع البداية.
نقل ماء. تنظيف أوعية أعشاب.
أعمال دنيا.
أعمال لا يراها الناس حين يتكلمون عن المزارعين، لكنها من الأشياء التي تجعل حياة المزارعين تمضي بسلاسة.
وتحت هذا الإدراك، ولدت فيه فكرة هادئة:
الطريق إلى القمة لا يبدأ غالبًا من الأماكن التي يحدق فيها الناس بإعجاب.
بل من الزوايا التي لا ينظر إليها أحد.
في الليل، حين خفتت الأصوات في الممرات، وتمدد كل واحد على سريره، وجد شين يوان أن التعب كان أعمق من أن يسمح له بالنوم فورًا. الجسد يريد السقوط، نعم، لكن العقل — بعد كل ما حدث في يوم واحد — ما زال يتحرك.
سمع باي رونغ ينام أولًا، أنفاسه ثقيلة ومنتظمة.
ثم بقي ليانغ وي ساكنًا، لا يُعرف أنام أم لا.
أما تشاو فنغ، فقد ظل يتقلب أكثر من مرة قبل أن يستقر أخيرًا.
حدق شين يوان في السقف الخشبي المعتم.
في أقل من يومين، دفن أباه، ووقف عند سور الطائفة، ودخل اختبارًا مهينًا، ثم عبر إلى أول طبقات عالم جديد.
ولم يشعر بالنصر.
شعر بشيء آخر.
كأن العالم اتسع، نعم، لكن لا ليمنحه الحرية، بل ليكشف كم هو واسع السلم الذي ينبغي أن يصعده.
وقبل أن يثقل جفناه أخيرًا، تذكر وجه دا هو لحظة خروجه من الساحة الحجرية.
وتذكر أيضًا جملة هان تشي:
القلة ليست أملًا كبيرًا… بل وسيلة جيدة لإبقاء الناس يعملون وهم يتخيلون.
أغمض عينيه على تلك الفكرة.
ثم نام.
⸻
استيقظ قبل أن يُوقظه أحد.
كان الممر ما يزال مظلمًا، لكن الهواء نفسه أخبره أن الليل انكسر من طرفه. جلس ببطء، ووجد أن جسده صار كتلة من الألم المكتوم. كتفاه، ساقاه، ظهره، حتى أصابع يديه بدت أثقل. لكن هذا الألم لم يفاجئه. بعد يوم الأمس، كان عدم وجوده هو المفاجأة.
نهض وارتدى ثوبه، ثم غسل وجهه بالماء البارد في الحوض المشترك. كان الماء قاسيًا كصفعة، لكنه أعاد إليه صفاء أوليًّا.
في الساحة، بدأت الغرف تتفتح واحدة تلو الأخرى. خدم جدد، وبعض الوجوه الأقدم أيضًا، يخرجون في صمت نصف نائم، يحملون جرارًا أو حبالًا أو سلالًا. أدرك شين يوان لأول مرة أن هذا القسم لا يخصهم وحدهم. هم مجرد دفعة جديدة دخلت إلى ماكينة تعمل أصلًا منذ زمن طويل.
عند أول خيط ضوء، جاء توزيع الحركة.
وقف هان تشي مع ثلاثة مشرفين آخرين، وكل واحد أخذ مجموعة بحسب العمل. نودي اسم شين يوان، فتقدم مع خمسة آخرين نحو ممر جانبي يصعد قليلًا ثم يهبط إلى خلف مجموعة من القاعات الحجرية الصغيرة.
وكانت هذه أول مرة يشم فيها رائحة الأعشاب الروحية عن قرب.
لم تكن مثل الأعشاب العادية التي عرفها عند دكان المدينة.
هذه الرائحة أصفى، أعمق، وأشد تعقيدًا. فيها مرارة وحلاوة وبرودة وحدّة في الوقت نفسه، كأن كل نبتة تحمل طبقة إضافية من العالم لا توجد في النباتات العادية.
قادهم المشرف إلى مبنى منخفض نصف مفتوح الجوانب، فيه أحواض غسيل حجرية كبيرة، وأوعية نحاسية، وأرفف تجفيف، وطاولات تقطيع. في الخلف باب يؤدي إلى الداخل، ومنه تخرج من حين لآخر رائحة أقوى، ما يعني أن ثمة من يحضر مواد أو يطحنها في القاعات الخلفية.
وقف عند الباب رجل طويل متيبس الملامح، في الأربعين على الأغلب، ويداه ملطختان ببقايا نباتية خضراء.
قال المشرف:
“القاعة الثالثة. هذه الدفعة الجديدة.”
نظر الرجل إليهم نظرة جعلت بعضهم يشد ظهره بلا وعي.
“أنا فو يان. مساعد العشاب في القاعة الثالثة. أنتم لا تلمسون أي شيء لا يُطلب منكم لمسه. لا تشمون شيئًا بقصد. لا تتذوقون شيئًا. لا تسألون كثيرًا. وتحمدون السماوات إن عدتم إلى أسرّتكم بأصابعكم كلها.”
ثم أشار إلى الحوض الحجري الأول.
“أنت. وأنت. وأنت.”
وأشار بين الثلاثة إلى شين يوان أيضًا.
“نقل الماء من العين الخلفية وملء الأحواض. بسرعة، وبلا سكب. الماء هنا ليس ماء شرب. إن اختلط بالتراب أو الوسخ أعيد كله.”
ثم أشار إلى اثنين آخرين لتنظيف الأوعية. وأبقى السادس عند طاولة الفرز.
أخذ شين يوان أول جرّة خشبية، وسار مع الآخرين إلى العين الخلفية.
كانت العين في ممر ضيق بين صخرتين، يتدفق منها ماء صافٍ بارد إلى مجرى حجري مقطوع بإتقان. والمكان نفسه أبرد من الساحة، وفيه شيء من السكون الثقيل. كل شيء في الطائفة، حتى مصادر الماء، يبدو كأنه وُضع ضمن نظام أكبر من مجرد المنفعة.
ملأ الجرّة، وحملها على كتفه.
كانت أثقل مما يبدو، خصوصًا على جسد مرهق من الأمس.
لكن ما أثار انتباهه أكثر هو شيء آخر:
حين لامس الماء يده أثناء التعبئة، شعر بوخز خفيف، ثم بانتعاش أدق من الماء العادي.
ماء فيه أثر تشي.
لم يكن بحاجة إلى أن يفهم الزراعة فعليًا ليشعر أن هذا الماء مختلف.
وفجأة، صار نقل الماء نفسه أقل عادية في عينه. حتى الأشياء الدنيا هنا ليست كالأشياء الدنيا في العالم الخارجي. وهذا يعني أن من يعرف كيف ينظر، قد يتعلم حتى وهو يحمل الجرار.
عاد إلى الحوض، سكب الماء بدقة، ثم كرر العملية.
مرة.
ثم مرة أخرى.
ثم مرات.
ومع تكرار الحركة، بدأ يرى نظام المكان بوضوح.
الماء يأتي أولًا.
ثم غسل أوعية الأعشاب.
ثم فرز البقايا.
ثم نقل المواد المغسولة إلى الداخل.
ثم إخراج الفضلات النباتية إلى حفرة خاصة خلف المبنى.
كل شيء له ترتيب، وأي خطأ صغير فيه قد يفسد شيئًا أغلى بكثير من صاحب الخطأ.
بعد وقت، خرج فو يان يحمل صينية حجرية عليها قطع جذور بنفسجية باهتة. مر قرب الأحواض، ثم توقف فجأة.
كان أحد الخدم الجدد قد رفع واحدة من القطع قليلًا لينظر إليها عن قرب.
صمت المكان.
لم يصرخ فو يان.
وهذا كان أسوأ.
تقدم، أخذ القطعة من يد الشاب، ثم قال بصوت منخفض جدًا:
“هل طُلب منك أن تفكر بيدك؟”
ارتجف الشاب.
“لا، سيدي.”
“هل عيناك وحدهما لا تكفيانك؟”
“كنت فقط—”
قطع فو يان عليه:
“الذين يقولون كنت فقط، غالبًا يكونون قد أفسدوا شيئًا بالفعل.”
ثم التفت إلى المشرف الجانبي.
“اكتبه.”
شحبت ملامح الشاب.
لم يعرف شين يوان ماذا يعني “اكتبه” بالضبط، لكنه فهم أنه ليس أمرًا بسيطًا.
وفي تلك اللحظة بالذات، استقر شيء جديد في داخله:
في هذا العالم، الأخطاء الصغيرة لا تُوزن دائمًا بحجمها المباشر،
بل بمدى ما تكشفه عنك.
ذلك الشاب لم يُمسك الجذر لأنه سيخربه حتمًا.
بل لأنه لم يعرف حدود يده.
وهذه، في مكان كهذا، تهمة بحد ذاتها.
واصل شين يوان نقل الماء بصمت، لكن عقله كان يعمل.
كل خطوة داخل الطائفة تقول الشيء نفسه بطرق مختلفة:
اعرف مقامك.
اعرف حدودك.
اعرف متى ترى، ومتى لا تمتد يدك.
ومع ذلك، كان يشعر في العمق أن من يريد حقًا أن يصعد يومًا، لا يمكنه أن يكتفي بطاعة هذه القاعدة كما هي.
عليه أن يتعلمها أولًا، نعم.
لكن عليه أيضًا أن يعرف متى يبقي يده ساكنة… ومتى يمدها في اللحظة التي تغيّر حياته كلها.
وقبل أن يكتمل الصباح، حدث أول شيء صغير جعله يشعر أن دخوله لم يمر بلا ملاحظة.
خرج فو يان مرة أخرى، وقف عند الحوض، وراقب الخدم الجدد للحظات.
ثم قال دون أن ينظر مباشرة إلى أحد:
“أنت. الذي لا يسكب الماء.”
رفع شين يوان رأسه.
نظر إليه فو يان أخيرًا.
“اسمك؟”
“شين يوان.”
هز الرجل رأسه مرة.
“من الآن فصاعدًا، بعد كل ثلاث جرار، ستنقل أيضًا الأوعية المغسولة إلى الباب الداخلي. لا تتأخر، ولا تلمس ما بداخل الباب.”
ثم استدار وعاد إلى الداخل.
كانت مهمة صغيرة.
إضافة بسيطة.
لكنها أقرب خطوة حتى الآن نحو الداخل.
نظر أحد الخدم الآخرين إلى شين يوان نظرة سريعة، فيها شيء بين الحسد والفضول.
أما هو، فأخذ الجرّة التالية بصمت.
إلا أن شيئًا كان قد تغير بالفعل.
في الطائفة، لا تبدأ الطرق العظمى دائمًا بصوت واضح.
أحيانًا تبدأ لأن أحدهم لاحظ ببساطة أنك لا تسكب الماء.