أغلق الكتاب بصوت خافت. الغلاف الورقي المهترئ لرواية 1984 كان يحمل تجاعيد تشبه تجاعيد السنين. تنهد وهو ينظر إلى السطور الأخيرة، متمتماً ببرود: "رواية عظيمة، لكن وينستون كان ضعيفاً.. الخضوع ليس خياراً مطروحاً أبداً".
رفع فنجان قهوته التركية الدافئة، رشفة واحدة كانت كافية. لم تكن مجرد رشفة، كانت بطاقة عبور. شعر ببرودة مفاجئة تسري في عروقه، تلاها شلل سريع في أطرافه. سقط الفنجان ليتشظى على الأرض، ولتختلط القهوة الداكنة بآخر أنفاسه في مقتبل عشرينياته. تلاشت الرؤية وهو يقول لنفسه على الاغلب لقد تم خيانتي من قبل صديقي تبا لم يكن علي الثقه باحد من البدايه ، وظن أنها النهاية.
لكنه استيقظ.
لم يكن مستيقظاً في غرفته، ولم يكن في جسده. الهواء الذي يستنشقه كان ثقيلاً، محملاً برائحة الحديد والصدأ والرماد. نظر إلى يديه.. لم تكن يدا شاب في العشرين، بل يدا عجوز تشققت جلودها، تملؤها الندوب وبقايا شحم الآلات. وفي تلك اللحظة بالذات، انهمرت ذكريات لم تكن له داخل عقله كشلال من الأسيد.
رأى حياة هذا العجوز. ثلاثون عاماً من الجحيم المحض تحت سياط "الحزب". عمل شاق لست عشرة ساعة يومياً، طعام أشبه بنشارة الخشب، ورقابة تخترق الجدران. والأبشع من ذلك كله: الابتسامة الإجبارية. الحزب يراقب تعابير الوجه عبر الشاشات؛ العبوس يعني الخيانة، التعب يعني التمرد. كان هذا العجوز يبتسم غصباً عنه وهو يتأكل من الداخل. حياة مقززة، أسأسوأ من أي شيء سُجّل في تاريخ البشرية.
"أيها الرفيق 607! لماذا توقفت عن العمل؟ ولماذا اختفت الابتسامة عن وجهك؟"
دوى الصوت المعدني الحاد من الشاشة المعلقة في زاوية المصنع. تجمهر الحراس فوراً. لم يكن قد استوعب الجسد الجديد بعد، ولم تكن لديه أي طاقة لتزييف ابتسامة يكرهها. في عالم الأخ الأكبر، الخطأ الأول هو الخطأ الأخير.
لم يستغرق الأمر سوى ثوانٍ؛ اندفع حارس، ودوّت رصاصة باردة في مؤخرة رأس الجسد العجوز. سقط على الأرض متخثراً بدماء لم تكن دمائه، منتهياً قبل أن يبدأ.
لكن الظلام لم يدم سوى لرمشة عين.
استنشق الهواء بقوة، كمن يخرج من أعماق المحيط. نظر حوله فزعاً.. كان لا يزال في نفس العالم الرمادي الكئيب، لكنه لم يكن في المصنع. كان مستلقياً على سرير حديدي متهالك في غرفة ضيقة. نظر إلى يديه مجدداً.. الاختفاء المفاجئ للتجاعيد، وقوة النبض في عروقه أخبرته بكل شيء.
لقد عاد عشرين عاماً إلى الوراء. هو الآن في جسد نفس الشخص، لكنه في ريعان شبابه.
جلس على السرير، وعقله الهاوي لقصص الخيال العلمي والفانتازيا بدأ يربط الخيوط بسرعة مرعبة. "هل كانت تلك مجرد هلوسة موت؟ أم أن هناك 'آلية' كسرتُ بها قوانين الفيزياء؟ لا أعلم من أحضرني هنا، لكنه يعلم بالتأكيد بأنني لن أستطيع الفوز أمام هذا النظام إلا بفرص كثيرة.. لقد مِتُّ في رداء شيخوخته، لأستيقظ في ريعان شبابه.. هل يعيدني هذا الكون خطوة إلى الوراء كلما سقطت؟"
لم يكن من أولئك الذين ينتظرون الإجابات لتأتي إليهم. لمعت في عينيه نظرة جنون بارد. نهض، وتوجه نحو النافذة المكسورة، ونظر إلى الأسفل حيث الشارع الرمادي كئيب المظهر.
تمتم لنفسه: "لنرى إن كانت هذه اللعبة تملك خيار إعادة التشغيل المطلق.."
وبلا ذرة تردد، ألقى بجسده الشاب من النافذة نحو الأرصفة الإسمنتية القاسية.
ارتطام عنيف، وتدفق سريع للدماء، ثم الصمت المطلق.
شظية ثانية من الظلام.. ثم شهيق مفاجئ!
فتح عينيه ليجد نفسه مستلقياً على نفس السرير الحديدي المتهالك، في نفس الغرفة الضيقة، وفي نفس الجسد الشاب. في تلك اللحظة، استقرت الرؤية في عقله، واختفت كل ذرات الخوف.
لم يصرخ، ولم يبكِ، بل انطلقت من بين شفتيه ابتسامة حقيقية، حادة، ومرعبة.. ابتسامة نابعة من وعي مطلق بالقوة العظيمة التي بات يمتلكها. تذكر العجوز الذي مات لمجرد أنه لم يبتسم، وتذكر شاشات الرصد والأخ الأكبر، وقال بصوت منخفض هز أركان الغرفة الصامتة:
"إن وُجد أخ أكبر في هذا العالم.. فسأكون أنا الحقيقة التي تلتهمه. سأتمرد على هذا المصير المقرف، وسأري أعدائي معنى الجحيم الحقيقي. إن كان عليّ الموت ألف مرة لأصل لنهاية أعدائي، فهم سيموتون مرة واحدة.. ولن يعودوا أبداً".