1 - العائدُ الذي لا يعرفُ المستقبلَ

الفصل الأول.

كان حلم كيم جيهوان أن يحيا حياةً هادئةً عاديّة، وأن يموت ميتةً عاديّة.

لم يكن يطمح إلى شيء عظيم. أن يعيش حياةً لا بأس بها، وحين يحين أجله، يُغمض عينيه وهو يُفكّر: 'لقد كانت رحلةً مُرضية.' ثم يُحرَق جثمانه ويُنثَر رماده في مكانٍ ما، قبل أن تخطر بباله، لآخر مرّة، فكرةٌ حمقاء، مثل: إذًا، هذه هي الحياة الآخرة، هاه؟ كان ذلك يكفيه.

كلّما أخبر الناس بذلك، جاءه الردّ نفسه دائمًا. إن عيش حياةٍ عاديّة هو أصعب ما يكون. وكان جيهوان يعلم ذلك حقَّ العلم.

ولهذا السبب تحديدًا، عاش ملتزمًا ببضعة مبادئ أساسيّة.

أوّلًا: اعمل قدرًا معقولًا، واكسب قدرًا معقولًا.

ثانيًا: لا تلفت الأنظار.

ثالثًا: إن لم تكن المشكلة مشكلتي، فلا أجعلها مشكلتي.

ولينسَ كلَّ ما عدا ذلك. فما دام متمسّكًا بهذه المبادئ الثلاثة، فلن يكون حلمه بعيد المنال إلى تلك الدرجة.

على الأقل، كان يؤمن بذلك، إلى أن استيقظ في جسد يون تشونجون، سيّد نقابة تشونجون.

[أيها الصيّاد يون تشونجون، كلمةٌ واحدة فقط، أرجوك!!]

[ابتعد.]

خمس ساعاتٍ حتى الآن. خمس ساعاتٍ وهو مستلقٍ على سريرٍ في المستشفى، مرتديًا زيَّ المرضى، لا يُحدّق في شيء سوى هاتفه. أسبوعٌ كاملٌ أمضاه يبحث عن 'يون تشونجون' على إن تيوب، ويشاهد كلَّ مقطعٍ يظهر أمامه. حتى بدأ يشعر بالغثيان من مجرّد النظر إلى وجه ذلك الرجل.

(إن تيوب: نسخة خيالية من يوتيوب داخل عالم الرواية.)

شعرٌ أسود. عينان تتخلّلهما خيوطٌ فضيّة وزرقاء. ونظرةٌ توحي بأنّه سيقتلك لمجرّد أنّك تجرّأت على مخاطبته. ذلك الفتى الوسيم الذي لا يُطاق هو يون تشونجون.

واحدٌ من خمسة صيّادين فقط من الرتبة S في كوريا. ومن حيث القوّة البدنيّة الخالصة، كان مفترسًا يقف على قمّة الهرم.

وهكذا، تلاشى المبدأ الثاني، 'لا تلفت الأنظار.' في لحظةٍ واحدة.

[ مجموعة مقاطع لصوت الصيّاد تشونجون ]

"يقولون إنّه تجميع، فلماذا لا يتجاوز عشر دقائق؟"

ضغط على المقطع. كان الصوت ينقطع ويعود، وكأنّ المقطع تعرّض لمونتاجٍ فاشل.

آه. أجل. نعم. كان ذلك، في الأساس، كلَّ ما يملكه يون تشونجون من مفردات، لذلك لم يكن هناك الكثير ليستخلصه منها. أمّا أطول الجمل التي نطق بها الرجل، فكانت بالكاد تختلف عن تهديداتٍ بالقتل.

وللتوضيح فحسب، لم يكن يُبدي إعجابًا بـ يون تشونجون على الإطلاق. لقد كان يجمع المعلومات. من أجل البقاء.

مرّت خمسةٌ وثلاثون عامًا منذ ظهور البوابات، الممرّات المؤدّية إلى عوالم أخرى. وخمسةٌ وثلاثون عامًا منذ ظهور أوّل الصيّادين، أولئك الذين استيقظت فيهم قدراتٌ خاصّة بالتزامن مع ظهورها.

وقد انقضى من الزمن ما يكفي ليصبح ما كان يومًا أمرًا خارقًا للمألوف جزءًا من الحياة اليوميّة. حتى انهيارات الزنزانات، حين تثور البوابات، غدت نادرة الحدوث.

ومع ذلك، فإنّ ما اختبره كان انهيار زنزانةٍ بالفعل.

احتساءُ مشروبٍ بعد انتهاء الدوام. تلك السعادة الصغيرة والبسيطة التي يستحقّها كلُّ موظّف. اللحظة الوحيدة في اليوم التي يستطيع فيها أن يبتسم حتى لعامِل دوامٍ جزئيٍّ وقح.

كانت النسمات الباردة تداعب وجنتيه، والسماء الخالية من النجوم تلفّها العتمة، وكان كلُّ شيءٍ باعثًا على الارتياح. يومٌ عاديّ، وجيّدٌ تمامًا.

"انهيار زنزانة، في هذا الزمن؟ كنتُ سأتقبّل الأمر لو كان حادث سيرٍ لعين."

لم يكن يفصل بين اليوم العاديّ واليوم المجنون سوى خطوةٍ واحدة. اللحظة التي أدرك فيها أنّ ما يطؤه ليس رصيفًا قديمًا، بل جليدًا.

وبعد ذلك، حين أفاق، كان الألم قد استولى على جسده، وكان يون تشونجون ينزف أمامه مباشرةً. كانا معًا مخترقين برمحٍ أسود، كما لو أنّهما سيخا كباب.

ثم فقد وعيه مجدّدًا. وحين استيقظ، كان يون تشونجون.

"فقط اقتلني......."

غرز جيهوان أصابعه في شعره وهو يتلوّى من العذاب. كان اكتشاف موته صدمةً، وكأنّها حدثت بالأمس فقط. وحتى الآن، ما إن ينطق بها بصوتٍ مرتفع، حتى يعتصره الألم.

"كيف يُفترض بي أن أعيش في هذا الجسد...؟!"

حتى وقتٍ قريب، كان متشبّثًا بخيطٍ رفيعٍ من الأمل. لعلّ يون تشونجون قد انتهى به المطاف في جسد كيم جيهوان، تمامًا كما انتهى به هو إلى هنا. لعلّ ثمّة فرصةً للعودة. لعلّ كلّ هذا ليس سوى كابوس، حادثة عابرة ستنتهي من تلقاء نفسها.

دام ذلك الأمل إلى أن سمع اسمه هو يُذكر بوصفه الضحيّة الوحيدة. لقد مات شخصٌ واحد في ذلك اليوم. وكان هو ذلك الشخص.

ومهما أمعن التفكير فيه، لم يجد له أيَّ منطق. حسنًا، ولنفرض جدلًا أنّ الاستيقاظ في جسد شخصٍ آخر يُعدّ 'فرصةً ثانيةً للحياة'. حتى عندئذٍ، لماذا، بحقّ الجحيم، كان لا بدّ أن يكون يون تشونجون؟

بدا السقف الأبيض المرتفع الذي كان يحدّق إليه الآن كجدران سجن.

"يوجد الكثير من الصيّادين الأكثر طبيعيّة منه!! لماذا هو بالذات؟!"

كان يون تشونجون مدمنًا على الزنزانات. بل حالةً مستعصية.

نقابة تشونجون. نقابةٌ لم يُكلّف أحدٌ نفسه فيها عناء اختيار اسمٍ مبتكر، فاكتفوا بإطلاق اسم الرجل عليها، وهي، في الوقت نفسه، النقابة التي حقّقت أكبر عددٍ من عمليات تطهير الزنزانات في كوريا بأسرها. والأدهى من ذلك أنّ يون تشونجون قاد بنفسه معظم تلك العمليات.

بل إنّ ذلك المختلّ كان يقتحم الزنزانات أحيانًا بمفرده، من دون أيّ دعم. وما من شخصٍ عاقلٍ قد يُقدم على فعلٍ كهذا.

وهكذا، انهار مبدآ: 'اعمل قدرًا معقولًا، واكسب قدرًا معقولًا.' و'إن لم تكن المشكلة مشكلتي، فلا أجعلها مشكلتي.' دفعةً واحدة.

تنهّد جيهوان بعمق. وعندها دوّى طرقٌ خفيفٌ من خارج الغرفة. ومن دون أن ينتظر إذنًا، فُتح الباب قليلًا، كما لو كان ذلك أمرًا معتادًا، وظهر رأسٌ يعلوه شعرٌ أسود.

كان هذا الرجل الشخص الوحيد الذي زاره منذ أن استعاد جيهوان وعيه داخل جسد يون تشونجون.

"سيّد النقابة، سيفحصك الصيّاد كانغمين بعد ثلاثين دقيقة في الفحص الدوري المؤقّت."

"......."

"سأغادر إذًا."

أدّى الرجل ما جاء من أجله، ثم اختفى بالسرعة نفسها. أمّا الطريقة التي أغلق بها الباب برفقٍ شديد، وكأنّ حياته متوقّفةٌ على ألّا يُصدر أيّ صوت، فلم يكن أمهر صانعي مقاطع الأصوات الهادئة ليبلغوا هذا القدر من الصمت.

كان جيهوان يتفهّم الأمر. فهو لم يكن يلوذ بالصمت إلّا لأنّه لا يعلم ماذا يقول، أمّا من منظور ذلك الرجل، فلا بدّ أنّ الموقف مرعب.

في المرّة الأولى التي نظر فيها جيهوان إلى المرآة، تساءل إن كان هذا الكائن بشرًا حقًّا. سواءٌ أكان السبب ملامحه أم غير ذلك، فإنّ بشرته الشاحبة على نحوٍ لافت، مع عينين حادّتين، لم تبدُ لهيئةٍ تنتمي إلى عالم الأحياء.

ولم تستطع أيّ وسيلةٍ إعلاميّة أن تنقل لا وسامة يون تشونجون، ولا الهيبة الطاغية التي كانت تشعّ منه.

رفع جيهوان زيَّ المرضى، وتفقّد مكان الإصابة. كان الجرح قد شُفي بالكامل تقريبًا، حتى ليبدو الحديث عن ثقبٍ اخترق صدره مجرّد كذبة.

وبالمقارنة، فإنّ جسده الأصلي كان يتلوّى من الألم ثلاث دقائق كاملة إذا ارتطم إصبع قدمه الصغير بشيء. لذا، فإنّ قدرة يون تشونجون على التجدّد لم تكن أقلّ من وحشيّة. ما أشدّ ظلم الحياة.

"آآآه...."

غرز أصابعه في شعره مرّةً أخرى، ثم انكمش فوق السرير. بهذا المعدّل، سيخبرونه قريبًا أنّه أصبح مؤهّلًا للخروج من المستشفى. لكنّ جيهوان لم يكن مستعدًّا لمواجهة العالم الخارجي بصفته يون تشونجون.

كان قد شاهد المقاطع بما يكفي ليُلمّ إلى حدٍّ معقول بطريقة كلام يون تشونجون وتصرفاته. ولحسن الحظ، كان الجميع يتقبّلون ببساطةٍ صمته الدائم.

لكنّه لم يكن مستيقظًا. أي إنّه لم يكن قادرًا على استخدام مهارةٍ واحدة. وسواءٌ أكان هذا المكان سجنًا أم لا، فقد كانت هذه المستشفى أكثر الأماكن أمانًا بالنسبة إليه.

رفع جيهوان رأسه أخيرًا، ثم حرّك أصابعه بحذر. وفورًا، ظهرت نافذة نظامٍ زرقاء في الهواء. في المرّة الأولى التي استدعى فيها هذا الشيء، كاد يسقط إلى الخلف من شدّة المفاجأة.

【 اللقب الخاص : العارف بالمستقبل — العائد 】

"وما المفترض أن يكون هذا بحقّ الجحيم؟"

العائد؟ العارف بالمستقبل؟ إنّه لا يعرف المستقبل أصلًا، بل لا يعرف حتى ماضي يون تشونجون.

"ما هذا إذًا؟ يشبه يخنة الكيمتشي بلا كيمتشي؟"

ولم تتوقّف المشاكل عند هذا الحدّ. بدأت نافذة النظام تتنقّل وفق إرادته، القدرة البدنيّة، والمانا، والصلابة الذهنيّة، وغير ذلك، ثم انتقلت إلى صفحة المهارات.

【 المهارات

لعنة بحيرة الشتاء (L)

بركة غابة الشتاء (L)

النصل الجليدي (SS)

بلّورة الثلج عديمة اللون (S)

خطوات بلا أثر (S)

.

.

.

.

.

. 】

كانت نافذة النظام تخصّ صاحبها وحده، ولا يمكن لأحدٍ غيره الاطّلاع عليها.

في الماضي، كانت رتب الصيّادين تُحدَّد عبر اختباراتٍ تجريبيّة، أمّا الآن فتُقاس بأجهزةٍ متخصّصة. وكانت الرتبة S هي الحدّ الأعلى، وأقصى قيمةٍ تستطيع تلك الأجهزة تسجيلها.

ولم يمضِ سوى عشرة أعوام منذ تطوّرت تقنيات القياس بما يكفي للتمييز بين الرتبتين A وS. ولم تُستحدث هذه الرتبة أصلًا إلّا لأنّ عددًا كبيرًا من المحتالين ظلّ يدّعي أنّه بلغ مستوىً متساميًا يتجاوز الرتبة A.

'مهاراتٌ من الرتبة L؟؟؟ هل يوجد شيءٌ كهذا أصلًا؟؟'

خمسةٌ وثلاثون عامًا مدّةٌ ليست بالقصيرة. فالأطفال الذين وُلدوا بالتزامن مع ظهور البوابات، ويُطلق عليهم عادةً اسم 'أطفال البوابات'، لم يكتفوا ببلوغ سنّ الرشد، بل أصبحوا أفرادًا عاملين في المجتمع.

وبحلول هذا الوقت، كان الجميع يعلم أنّ العوالم الأخرى الواقعة خلف البوابات تُسمّى الزنزانات. كما أنّ أسباب وقوع انهيارات الزنزانات أصبحت جزءًا ممّا يُدرَّس في الكتب المدرسيّة.

وهذا يعني أنّ الجميع يعلم أيضًا أنّ مهارات الرتبة L لم يُسجَّل وجودها ولو مرّةً واحدة.

【 لعنة بحيرة الشتاء (L)

- ■■مهارة■■■من■■■■■■■. 】

【 بركة غابة الشتاء (L)

- يمكن منح■■أو■■قوة■■عظيمة■■■لـ■■■. 】

"هاها، وما الذي يُفترض بي أن أفعله بهذا أصلًا؟"

عند هذه المرحلة، كان الظلم الذي يشعر به كفيلًا بأن يُبكيه. أمّا بقيّة المهارات، فكانت تعرض أوصافًا سليمةً كلّما نقر عليها. لكن مهارتا الرتبة L؟ لم يكن فيهما سوى نصوصٍ تالفة. أمّا لقب 'العائد'، فلم يكن بالإمكان النقر عليه أصلًا.

كانت جميع المدخلات الأخرى مكتوبةً باللون الأبيض. وهاتان وحدهما كانتا باللون الرمادي.

"بلغة الإنترنت هذا رابطٌ معطّل؟ شيءٌ من هذا القبيل؟؟"

إذًا احذفوهما على الأقل. نافذةٌ تُسمّى نافذة نظام، وإدارة تحديثاتها بهذا السوء؟

إن كانت معرفة المستقبل ستُفيد في شيء، فلن تتجاوز الفوز باليانصيب، وهذا الجسد يملك من المال ما يفوق حاجته. لا فائدة تُرجى منها.

ولأنّه لم يكن هو من عاد بالزمن، فقد فضّل ألّا يُكثر التفكير في الأمر، لكن إن كان سيكتشف أنّه لا يستطيع حتى أن يموت كما ينبغي، وأنّه سيظلّ يعود مرارًا وتكرارًا، فحينها سيتغيّر كلّ شيء.

وللتأكيد مرّةً أخرى: كان حلم كيم جيهوان أن يحيا حياةً هادئةً عاديّة، وأن يموت ميتةً عاديّة.

ولم تكن نافذة النظام هذه، بأيّ حالٍ من الأحوال، تخصّ صيّادًا طبيعيًّا من الرتبة S. بل إنّ كون الصيّادين من تلك الرتبة يُوصفون بـ'الطبيعيّين' أمرٌ قابلٌ للنقاش أصلًا، ومع ذلك، فإنّ هذه النافذة كانت أبعد ما تكون عن الطبيعيّة.

"حان وقت الاستقالة... لا، التقاعد."

حدّد جيهوان هدفه في هدوء.

صيّادٌ من الرتبة S؟ سيّد نقابة؟ نقابة تشونجون؟ تطهير الزنزانات؟ كانت جميعها أمورًا تبعد سنواتٍ ضوئيّة عن الحلم الذي ينشده.

فلن تنهار البلاد لمجرّد اختفاء يون تشونجون واحد. ولن يصل العالم إلى نهايته.

لم يكن لدى جيهوان أيّ نيّةٍ لأن يرتمي في الزنزانات ثلاثمئةً وخمسةً وستّين يومًا في السنة، ثم يموت من دون أن يلحظ أحدٌ غيابه. أمّا الموت من فرط العمل، فلم يكن واردًا كذلك.

بل سيعثر على شخصٍ يتولّى منصب سيّد النقابة من بعده، ويُنجز إجراءات التسليم، ثم يعتزل مهنة الصيّاد، ويستخدم المال لينتقل إلى مكانٍ هادئ في الخارج. يشتري منزلًا صغيرًا مريحًا، وربّما يفتتح متجرًا متواضعًا أيضًا، فتغدو تلك الحياة المثاليّة التي طالما حلم بها.

"من أجل حلمي...!"

فما دام سينجح في التقاعد، فإنّ جسد يون تشونجون يملك من المال أكثر ممّا يكفيه. والأفضل من ذلك أنّه لن يواجه خطر الانجراف وحده في انهيار زنزانة، ثم يموت ميتةً بائسة.

وكان هذان الأمران وحدهما كافيين ليمنحا جيهوان شيئًا من السكينة.

نهاية الفصل الأول.

2026/07/01 · 21 مشاهدة · 1757 كلمة
أورانوس
نادي الروايات - 2026