الفصل الأول: إريك نايت
كان أول شيء شعر به هو الألم.
ألمٌ خفيف في مؤخرة رأسه، سرعان ما تحوّل إلى صداع حاد جعل أنفاسه تتقطع.
فتح عينيه ببطء.
في البداية، لم يستطع رؤية شيء بوضوح.
كان هناك سقفٌ مرتفع مزين بنقوش ذهبية، وثريا ضخمة تتدلى منه، بينما انتشرت رائحة الطعام الدافئ في أرجاء الغرفة.
حدّق حوله بصمت.
"أين أنا؟"
حاول تحريك جسده، لكنه شعر بشيء غريب.
كان جسده... مختلفًا.
رفع يده أمام عينيه.
أصابع طويلة.
بشرة شاحبة.
يد لم تكن يده.
تجمّد للحظة.
ثم سمع صوتًا أنثويًا مرتجفًا.
" إريك...؟"
رفع رأسه ببطء.
أمامه كانت توجد طاولة طعام طويلة مصنوعة من خشب داكن فاخر.
جلس حولها ثلاثة أشخاص.
امرأة ذات ملامح أرستقراطية، وشابة جميلة ذات شعر أسود طويل، ورجل ذو شعر أسود وعيون حمراء. كانت ملامحه تحمل هيبة مخيفة جعلته يشعر وكأن الرجل يستطيع رؤية كل شيء بداخله.
كان الثلاثة ينظرون إليه بقلق.
قالت المرأة:
"عزيزي... هل أنت بخير؟"
لم يستطع الإجابة.
كان عقله يحاول استيعاب الموقف.
من هؤلاء؟
وقبل أن يتمكن من التفكير أكثر...
فجأة...
شعر بألم رهيب انفجر داخل رأسه.
"آه...!"
أمسك رأسه بكلتا يديه.
بدأ جسده يميل إلى الأمام، وكاد يسقط من الكرسي لولا أنه أمسك بحافة الطاولة بقوة.
"إريك!"
نهضت المرأة من مقعدها بقلق.
لكن قبل أن تصل إليه...
انفجرت الذكريات.
آلاف الصور.
أسماء.
أحداث.
أماكن.
وجوه لم يرها من قبل.
ومعلومات لم يكن يعرف من أين أتت.
ثم ظهرت كلمة واحدة بوضوح داخل عقله.
إريك نايت.
بعدها ظهرت كلمات أخرى.
إمبراطورية النور المقدسة.
عائلة نايت.
حفل الإيقاظ.
الفارس.
الوحوش.
تدفقت الذكريات إلى عقله كفيضان هائل.
صرخ دون وعي:
"— آآآه!"
ثم...
بعد مرور بعض الوقت، بدأ الألم يختفي تدريجيًا.
تنفّس إريك بصعوبة.
فتح عينيه.
كان العرق يغطي جبينه.
أخذ نفسًا عميقًا.
ثم آخر.
وببطء...
استعاد هدوءه.
رفع رأسه ونظر إلى أفراد العائلة الواقفين أمامه.
هذه المرة...
لم تكن نظراتهم غريبة تمامًا.
بدأت بعض الذكريات تخبره من يكونون.
المرأة... أمه.
الفتاة... أخته.
أما الرجل...
فهو رب عائلة نايت.
جد إريك.
خفض إريك عينيه للحظة.
ثم رفعهما نحو والدته وقال بهدوء:
" أنا بخير يا أمي... لقد أصابني بعض الصداع فقط."
تجمّدت والدته للحظة.
ثم اقتربت منه أكثر.
"هل أنت متأكد؟"
أومأ إريك بهدوء.
" نعم. كما ترين، لقد زال الألم الآن."
ظلت والدته تنظر إليه بعينين مليئتين بالقلق.
أما إريك... فقد ظل هادئًا، لكنه في داخله كان يعيش عاصفة.
" حسنًا يا بني، لكن إذا شعرت بالألم فأخبرني."
قالتها والدة إريك وهي تعود إلى مقعدها بجانب أخت إريك.
"حسنًا يا أمي."
قال إريك ذلك قبل أن يعود إلى مقعده.
ظل عقله مليئًا بالفوضى، ولم يكن يعرف ما الذي يحدث.
وبعد مرور بعض الوقت، انتهت العائلة من تناول العشاء.
انسحب إريك من القاعة وهو يقول:
"أمي، ما زلت أشعر ببعض التعب، لذا سأذهب لأرتاح قليلًا."
"حسنًا يا بني، يمكنك الذهاب. ولا تنسَ أن تتجهز ليوم غد، فهو يوم مهم لك ولإريكا."
قالت والدته ذلك وهي تنظر إليه.
" حسنًا."
قال إريك ذلك وهو يخرج من القاعة، لكنه لم يستطع أن يرى أن نظرات جده لم تفارقه منذ أن أصابه الصداع.
حوّل جد إريك نظره نحو أحد أركان القاعة، ثم أومأ ببطء نحو باب القاعة.
وبطريقة غير ملحوظة، حدث تذبذب في الظلال الموجودة في ركن القاعة.
وفجأة، انفصل جزء من الظل عن مكانه، وتوجه نحو الباب، ثم مر من تحته.
لكن هذه العملية برمتها لم تهرب من عيني والدة إريك.
حوّلت نظرها نحو والدها، فوجدته ينظر إليها بالمثل قبل أن يشير إليها بصمت.
ثم حوّل إيثان نظره نحو إريكا وقال:
"عزيزتي، هل يمكنك تركي أتحدث مع والدتك قليلًا؟"
"همم... حسنًا. أراكم غدًا."
نظرت إريكا نحو والدتها قبل أن تنهض وتخرج من القاعة أيضًا.
ومع إغلاق أبواب القاعة، عمّ الصمت لبعض الوقت، حتى كسرته والدة إريك.
" أبي... هل تعرف ماذا حصل لإريك؟"
قالت ذلك وهي تنظر إلى والدها، منتظرةً إجابة.
— ...
ظل إيثان صامتًا، وبدأ ينقر بإصبعه على الطاولة ببطء، دون أن يتوقف.
وبعد مرور بعض الوقت، توقف إيثان عن النقر ونظر نحو والدة إريك.
" إليزابيث..."
قال إيثان اسمها، ثم صمت قليلًا.
"قبل خمسة عشر عامًا... عندما تم إنقاذك من قِبل ذلك الشخص..."
صمت للحظة، ثم تابع:
" أخبرني ببعض الأشياء."
" منها أنه سيحدث شيء لإريك قبل حفل الإيقاظ الخاص به."
" وأنه سيبدأ بالتصرّف بشكل غريب."
" لماذا؟"
قالت إليزابيث بقلق وهي تنظر إلى والدها.
" لكن، قبل أن يرحل..."
توقف إيثان للحظة قبل أن يكمل:
" قال إنه يجب ألّا أخبرك بأي معلومات."
" وأن هذه المعلومات ستؤذيك أكثر مما ستفيدك أنتِ وإريك."
ثم أضاف بهدوء:
" لكن لا تقلقي، سيتم كشف كل شيء في الوقت المناسب."
" ...هاه."
أخذت إليزابيث نفسًا عميقًا قبل أن تنهض من الطاولة.
" حسنًا. المهم أنني عرفت أن إريك بخير."
" لا تقلقي. إريك محمي جيدًا."
" فهمت. أتمنى لك ليلة هادئة يا أبي."
" وأنتِ كذلك يا عزيزتي. نامي جيدًا، وغدًا يوم مهم."
بعد أن خرجت إليزابيث من القاعة، ظل إيثان يفكر لبعض الوقت، قبل أن يتوجه هو أيضًا نحو غرفته.
***
غرفة إريك
مع دخول إريك إلى غرفته، توجه مباشرةً نحو مرآة الغرفة.
وبمجرد أن رأى انعكاسه، تفاجأ تمامًا.
شعر أسود.
عينان حمراوان كدماء.
فك حاد ووجه وسيم.
لمس إريك انعكاسه على المرآة وهو يقول:
" بالتأكيد... هذا وجهي. لكن ما هذه الذكريات؟"
صمت للحظة، ثم تمتم:
" هل أنا إريك نايت واستعدت ذكريات حياتي السابقة؟"
ثم ظهرت في ذهنه فكرة أخرى.
" أم أن إريك مات، وأنا استوليت على جسده؟ لكن إذا كان الاحتمال الأخير صحيحًا... فماذا حدث لروحه؟"
"كيف اختفت؟"
"وكيف استطعت أن أستولي على جسده؟"
"هاه... تبًا. أكاد أُصاب بصداع من كثرة هذه الأسئلة."
فرك إريك شعره بعصبية، قبل أن يرمي بنفسه على السرير.
"حسنًا، لا يهم. سواء كنت إريك أم لا، المهم أنني هنا."
ثم ابتسم قليلًا.
" حسنًا... على الأقل استطعت تحقيق أمنية كل قرّاء الروايات في العالم بالانتقال إلى عالم آخر."
توقف للحظة.
"حتى ولو لم أنتقل إلى رواية أعرفها."
"همم... انتظر قليلًا."
رفع إريك رأسه من السرير بسرعة، وكأنه تذكّر شيئًا مهمًا.
" كيف نسيت ذلك الشيء الذي يجب أن يكون عند كل منتقل؟"
فكر قليلًا، ثم قال:
" حسب خبرتي بقراءة الروايات الإلكترونية لسنوات..."
رفع إريك نظره إلى الأمام، وتمتم بصوت منخفض:
"أتمنى أن تنجح."
ثم قال بصوت عالٍ:
" نافذة الحالة!"
ظل ينتظر ظهور شاشة الغش أمامه.
لكن كل ما انتظره كان... الصمت.
احمرّ وجه إريك وأذناه، متمنيًا لو أن الأرض انشقت وابتلعته.
" هوه... من الجيد أن لا أحد رآني."
تنفّس إريك الصعداء، ثم تمدد على السرير.
"آه... نسيت. يبدو أنني سأذهب أنا وأختي غدًا إلى المعبد من أجل إيقاظ قدراتنا."
ثم تذكر شيئًا آخر.
— المانا...
أغمض عينيه للحظة، وبدأ يسترجع المعلومات الموجودة في ذكرياته.
" يبدو أن الأطفال في هذا العالم يذهبون إلى المعبد من أجل مساعدتهم على إيقاظ قدراتهم الكامنة، لكن موهبة كل شخص تختلف عن الآخر."
ثم تابع:
« تنقسم العناصر إلى ثلاث رتب.»
المرتبة الأولى: العناصر الجوهرية.
النار، الماء، الهواء، والأرض.
المرتبة الثانية: العناصر الفريدة.
مثل البرق، والجليد، والصوت، والفضاء.
أما العناصر الأسطورية...
صمت إريك للحظة.
فهي مجهولة. وحتى الآن، لم يظهر شخص يملك عنصرًا أسطوريًا."
ثم أضاف:
" لكن يقال إن العناصر الأسطورية قادرة على هز أساس العالم."
ابتسم إريك قليلًا وهو يتطلع إلى الغد.
"هاه... أتمنى أن أوقظ عنصرًا قويًا غدًا."
ومع مرور بعض الوقت، غفا إريك ودخل عالم الأحلام، دون أن يعلم أن تصرفاته وكلماته قد سمعها كلها ضيف غير مدعو.
في ركن الغرفة، تذبذبت الظلال.
ثم بدأت تتحرك ببطء نحو السرير.
ومن بين الظلال، بدأ جسد بالظهور ببطء.
رداء أسود يغطي جسدها بالكامل.
أما وجهها، فلم يظهر منه سوى عينيها، اللتين كانتا سوداويْن كسواد الليل.
نظرت فتاة الظلال إلى وجه إريك النائم لبضع لحظات، قبل أن تمد يدها نحوه وترفع الغطاء، ثم تغطيه بهدوء.
وبمجرد أن انتهت من تغطيته، تلاشى جسدها داخل الظلال.
أما إريك النائم، فلم يعلم بما حدث على الإطلاق.
***
في مكان آخر
تحركت الظلال في أنحاء القلعة.
عبرت أمام دوريات الحراسة دون أن يلاحظها أحد.
ومن تحركاتها، بدا أنها مرت عبر جدران هذه القلعة مئات المرات.
وبعد مرور بعض الوقت، وصلت فتاة الظلال أمام إحدى غرف القلعة.
ظهرت من الظلال، ثم طرقت باب الغرفة عدة مرات.
" طرق... طرق..."
" تفضل."
بعد أن طرقت الباب، صدر صوت من الداخل يأمرها بالدخول.
"طق..."
مع صوت دوران المقبض، دخلت الفتاة إلى الغرفة.
أمامها كان إيثان جالسًا خلف مكتبه، يعمل على بعض الأوراق دون أن يرفع رأسه.
اقتربت الفتاة من المكتب وانتظرت بصمت حتى ينتهي من عمله.
وبعد بعض الوقت، أنهى إيثان عمله، ثم رفع نظره نحو الفتاة الواقفة أمامه.
" أوليفيا... إذًا، ماذا حدث؟"
" سيدي، راقبت السيد إريك كما أمرتني."
توقفت قليلًا قبل أن تتابع:
"لكنه كان يتصرف بغرابة. اقترب من المرآة وتفحص وجهه، ثم بدأ يتحدث عن أشياء غريبة، مثل... نافذة الحالة."
" ..."
صمت إيثان للحظة.
ثم قال:
"فهمت."
خفض نظره قليلًا، ثم تمتم:
" يبدو أنها بدأت."
رفع رأسه نحو أوليفيا.
"حسنًا، أوليفيا."
"نعم، سيدي."
"بعد حفل الإيقاظ، أريدك أن تصبحي خادمة لإريك وتتبعيه إلى الأكاديمية."
"سأتحدث مع المديرة بشأن انضمامك إلى الأكاديمية.."
"كما تأمر،
سيدي."
" حسنًا، يمكنك الذهاب."
انحنت أوليفيا قليلًا قبل أن تستدير وتغادر الغرفة.
وبمجرد أن غادرت أوليفيا الغرفة، نهض إيثان وتوجه نحو نافذة المكتب.
نظر إيثان إلى القمر المرتفع في السماء، وقال بصوت منخفض
" هاه... إريك، يبدو أن أمامك وقتًا عصيبًا في المستقبل."
صمت للحظة، ثم تابع:
" لكن يجب عليك حماية أختك ووالدتك."
شدّ إيثان قبضته قليلًا
"لا يجب أن تفشل."
وبعد مرور بعض الوقت وهو ينظر إلى القمر، غادر إيثان المكتب أيضًا وتوجه نحو غرفته.