الفصل 02: بحر الدماء
كان أول ما شعر به إريك هو الصمت.
صمتٌ غريب وثقيل، يحيط به من كل جانب، وكأن العالم بأسره قد توقف عن التنفس.
فتح عينيه ببطء.
في البداية، لم يستطع رؤية بوضوح. لكن مع مرور بعض الوقت تحسن نظره
في البداية، لم يستطع رؤية شيء بوضوح. كان الضباب يملأ المكان من حوله، ويحجب الأفق خلف ستارٍ رمادي كثيف.
رفع إريك رأسه، ثم نظر يمينًا ويسارًا بحذر.
لم يتعرف على المكان.
لا منزل، ولا أشجار، ولا طريق، ولا أي شيء مألوف يمكن أن يخبره أين هو.
كان يقف فوق أرضٍ غريبة ومظلمة، تمتد أمامه لمسافة بعيدة حتى تختفي داخل الضباب.
عقد حاجبيه، وشعر بقشعريرة تسري عبر جسده.
«أين أنا...؟»
خرج صوته خافتًا، وسرعان ما ابتلعه الصمت المحيط به.
استدار ببطء.
وفي اللحظة التالية، تجمد في مكانه.
اتسعت عيناه قليلًا.
أمامه... كان هناك بحر.
بحرٌ أحمر قرمزي يمتد إلى ما لا نهاية. تتلاطم امواجه ببطء تحت سماء قرمزية قاتمة
في وسط ذلك البحر، ظهرت جزيرة سوداء معزولة عن العالم، كأنها قطعة من الظلام سقطت وسط بحرٍ لا نهاية له.
وفي قلب الجزيرة...
ارتفع برجٌ أسود هائل، يشقّ السماء كرمحٍ عملاق، حتى بدا وكأنه لا يعرف نهاية.
بمجرد أن رأى إريك البحر القرمزي والبرج الأسود، اجتاحته قشعريرة غامضة لا يستطيع تفسيرها.
توقّف أنفاسه للحظة.
لم يكن خوفًا...
بل كان شعورًا أعمق من ذلك بكثير.
شعر وكأن شيئًا ما كان يناديه.
شيئًا ينتظره منذ زمن بعيد.
ومن دون أن يدري، شعر برغبة قوية في الاقتراب.
وكأن البحر القرمزي، والجزيرة السوداء، والبرج الغامض في قلبها...
كانوا جميعًا ينادونه باسمه.
خطا إريك بعض خطوة إلى الأمام دون وعي...
لكن فجأة توقف اريك شعر وكأن غريزة البقاء لديه تصرخ من أجل الهروب
لكن جزء آخر منه شعر وكأنه يجب أن يذهب ويقترب من البحر
مع بعض التردد، اقترب إريك من البحر القرمزي.
كانت خطواته بطيئة وثقيلة، وكأن جسده يتقدم بينما عقله يصرخ عليه بالتراجع.
ومع كل خطوة يخطوها، كان ذلك الشعور الغريب يزداد وضوحًا.
لم يعد مجرد إحساس غامض يجذبه نحو البحر...
بل أصبح شيئًا يكاد يشعر به داخل جسده.
وكأن البحر كان يعرف بوجوده.
وكأن شيئًا ما في أعماقه كان ينتظر اقترابه.
توقف إريك للحظة، ثم أخذ نفسًا عميقًا.
وفي تلك اللحظة، عقد حاجبيه.
كانت هناك رائحة غريبة في الهواء.
رائحة ثقيلة... معدنية... نفاذة.
رفع إريك يده وغطى أنفه قليلًا، بينما أخذ ينظر إلى سطح البحر بريبة.
«ما هذه الرائحة...؟»
تقدم خطوة أخرى.
ثم أخرى.
ومع اقترابه، بدأ الضباب من حوله يتلاشى تدريجيًا، وكأن شيئًا ما كان يكشف له الحقيقة التي أخفاها البحر طويلًا.
حدق إريك في الأمواج.
للحظة، ظن أنها مجرد مياه حمراء انعكست عليها السماء القاتمة.
لكن شيئًا ما لم يكن صحيحًا.
اقترب أكثر.
حتى أصبح على بعد خطوات قليلة من الشاطئ.
عندها رأى إريك شيئًا غريبًا في البحر.
توقف في مكانه، وحدّق في الأمواج للحظات.
كان اللون الأحمر أكثر كثافة مما ظنه في البداية، ولم يكن يبدو كانعكاس للسماء
اقترب خطوة أخرى.
ثم انحنى قليلًا، محاولًا رؤية ما يكمن أمامه بوضوح.
وفجأة، أدرك الحقيقة.
بأن البحر نفسه...كان
دماء.
من أعماقه إلى سطحه، لم تكن هناك قطرة ماء واحدة.
كل ما امتد أمام عينيه كان دمًا لا نهاية له، يتلاطم على شكل أمواج ثقيلة وبطيئة، ثم يرتفع وينخفض كما لو أن بحرًا حيًا يتنفس.
تجمد إريك في مكانه.
لم يستطع أن يصدق ما تراه عيناه.
حتى رائحة الحديد التي ملأت الهواء لم تعد غريبة عليه الآن.
كانت رائحة الدم.
رائحة بحرٍ كامل...
مصنوع من الدم.
تراجع إريك خطوة إلى الخلف، وشحب وجهه.
«مستحيل...»
نظر إلى البحر من جديد.
هذه المرة، لم يرَ اللون القرمزي الذي ظنه في البداية.
رأى الحقيقة...
كان البحر بأكمله...
دماء.
ملايين، وربما مليارات الأطنان من الدم، تمتد أمامه حتى يختفي الأفق.
كانت الأمواج تتلاطم ببطء، فتتدحرج كتل الدم فوق بعضها البعض، بينما تصاعدت من سطح البحر تلك الرائحة المعدنية الثقيلة التي ملأت أنفاسه.
وضع إريك يده على فمه، محاولًا منع نفسه من التقيؤ.
لكن ما أرعبه أكثر من منظر الدم...
هو أن البحر لم يكن هادئًا كما ظن.
في أعماقه...
كان هناك شيء يتحرك.
فجأة بدأ بحر الدماء يضطرب بعنف
ظل إريك واقفًا أمام بحر الدماء، عاجزًا عن فهم ما يراه.
لكن فجأة...
توقفت الأمواج.
ساد صمتٌ مخيف.
ثم تحرك سطح البحر.
في البداية، ظن إريك أنها مجرد موجة أخرى.
لكن شيئًا ما بدأ يرتفع من بين الدماء.
يد.
ثم ذراع.
ثم رأس شاحب خرج ببطء من البحر.
"...بشر"تراجع إريك خطوة، وقد اتسعت عيناه. من ضهور شخص من بحر
ثم فجأة ظهر شخص آخر.
وثالث.
ورابع...
واحدًا تلو الآخر، بدأت الأجساد ترتفع من بحر الدماء.
كانت أجسادًا بشرية.
ملابسهم ممزقة، وأجسادهم مغطاة بالدم، ووجوههم شاحبة كأن الحياة غادرتها منذ زمن.
لكنهم لم يكونوا أمواتًا.
فجأة...
فتحت أعينهم.
عشرات العيون الشاحبة اتجهت في اللحظة نفسها نحو إريك.
تجمد الدم في عروقه.
لم يفهم ماذا كان يحدث، لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا...
لقد عرفوا بوجوده.
«وجدناه...»
«وجدناه...»
«وجدناه»
ترددت الكلمات من أفواههم، ثم بدأت الأصوات تتداخل حتى تحولت إلى همسٍ واحد مرعب
«وجدناه»
وبعدها اندفع أولهم نحو اريك
ثم تبعه الآخرون.
«ماذا—؟!»
استدار إريك محاولًا الهرب، لكن قدميه لم تتحركا بالسرعة الكافية.
انقض أحدهم عليه وأمسك بذراعه.
ثم أمسك آخر بكتفه.
وثالث التف حول ساقه.
صرخ إريك وحاول مقاومتهم، لكن أعدادهم كانت تتزايد باستمرار، يخرجون من بحر الدماء واحدًا تلو الآخر.
«اتركوني!»
لكنهم لم يستجيبوا.
بل بدأوا بسحبه نحو البحر.
خطوة...
ثم أخرى...
كان إريك يقاوم بكل قوته، ويغرس قدميه في الأرض، لكن الأيدي الباردة كانت تزداد حول جسده.
حتى أصبح على حافة البحر.
نظر إلى الدماء أمامه، ثم إلى تلك الوجوه الشاحبة التي تحيط به.
ولأول مرة...
أدرك أن البحر لم يكن يناديه لكي يأتي إليه.
بل كان يريد أن يأخذه إليه.
قاوم إريك بكل قوته، وغرس قدميه في الأرض محاولًا التمسك بها.
لكن الأيدي التي أمسكت به لم تتوقف.
انزلق جسده إلى الأمام.
«اتركوني!»
صرخ إريك، وحاول التراجع، لكن قدميه فقدتا ثباتهما.
حاول بكل قوته أن يهرب، إلا أن الأيدي لم تمنحه فرصة للنهوض.
بدأت تسحبه ببطء نحو البحر.
اقتربت قدماه من الدماء...
ثم لامستاها.
كانت باردة.
باردة بشكل غير طبيعي.
ارتجف جسده بالكامل، وحاول التمسك بالأرض بكل ما لديه، لكن أصابعه لم تجد سوى التراب الرطب.
انغرس جسده أكثر فأكثر في بحر الدماء.
حتى وصل الدم إلى ساقيه...
ثم ركبتيه...
ثم خصره.
كان يحاول الصراخ، لكن الرعب خنق صوته.
وفجأة، اجتمعت عشرات الأيدي حول جسده، وسحبته دفعة واحدة.
غاص إريك في بحر الدماء.
بمجرد أن غمرته الدماء، أغلق إريك فمه وأنفه فورًا، وحبس أنفاسه بكل قوته.
اندفعت البرودة إلى جسده كصدمة مفاجئة، وتجمدت أطرافه للحظة.
فتح عينيه بصعوبة.
لم يرَ شيئًا سوى الظلام الأحمر من حوله.
حاول أن يضرب بيديه، أن يجد أي شيء يتمسك به، لكن الأيدي التي أحاطت به كانت لا تزال تسحبه إلى الأسفل.
حبس أنفاسه أكثر.
بدأ صدره يؤلمه.
كان جسده يصرخ من أجل الهواء، لكن إريك قاوم، وضغط على فمه بقوة حتى لا يتسرب إليه شيء.
ومع استمرار هبوطه، شعر أن الدماء تحيط به من كل جانب، ثقيلة وباردة، وكأنها تحاول اختراق جسده.
ثم بدأ الظلام يبتلعه شيئًا فشيئًا...
وبينما كان إريك يُسحب إلى الأعماق، فتح عينيه بصعوبة، ثم أنزل نظره إلى الأسفل.
في البداية، لم يرَ سوى ظلامٍ أحمر كثيف.
لكن شيئًا ما بدأ يظهر من بين العتمة.
ظلّ أولًا...
ثم آخر.
ثم عشرات الظلال.
اتسعت عينا إريك شيئًا فشيئًا.
كلما ازداد عمقه، بدأت الصورة تتضح أمامه.
ملايين الأجساد كانت هناك.
بشر...
وشيء آخر.
كائنات لم يرَ مثلها من قبل، بأشكال مشوهة وأجساد غريبة، كانت تقف ساكنة في أعماق البحر.
لا أحد منها يتحرك.
لا أحد يصدر صوتًا.
كانوا جميعًا...
ينظرون إليه.
ملايين الوجوه والعيون تحدق فيه من الظلام الأحمر.
بعضهم كانت أعينهم بشرية، شاحبة وفارغة.
وبعضهم امتلك عيونًا كثيرة، تفتح وتغلق ببطء.
وبين تلك الأجساد، ظهرت كائنات ضخمة بالكاد يستطيع تمييز حدودها، مختبئة في الظلام.
توقف قلب إريك للحظة.
لم يستطع تحريك جسده.
حتى أنه نسي أنه كان يحبس أنفاسه.
كان هناك شيء مرعب في نظراتهم...
لم تكن نظرات غضب.
ولا كراهية
بل كانت نظرات انتظار.
وكأنهم جميعًا كانوا ينتظرون وصوله منذ زمن طويل.
وفجأة، تحركت ملايين الرؤوس في اللحظة نفسها.
ارتفعت وجوههم نحوه.
وتحولت كل تلك العيون...
لتثبت عليه وحده.
بدأ صدر إريك يؤلمه بشدة.
كان قد حبس أنفاسه لأطول فترة يستطيعها، لكن جسده لم يعد يحتمل.
فتح فمه غريزيًا بحثًا عن الهواء...
وفي اللحظة نفسها، اندفعت الدماء إلى فمه وأنفه.
اختنق.
اتسعت عيناه، وبدأ جسده ينتفض بعنف.
حاول أن يسعل، لكن ذلك لم يزد إلا من اختناقِه.
ضغط بيديه على عنقه، وكأن بإمكانه انتزاع ذلك الإحساس الخانق من داخله.
كان صدره يحترق.
ورئتاه تصرخان طلبًا للهواء.
حاول أن يرفع رأسه، أن يسبح نحو السطح، لكن الأيدي التي تحيط به ظلت تسحبه إلى الأسفل.
بدأت حركته تضعف شيئًا فشيئًا.
تلاشت الأصوات من حوله، وبدا كل شيء بعيدًا وضبابيًا.
حتى الوجوه التي كانت تحدق به من الأعماق بدأت تتل
اشى أمام عينيه.
كان وعيه ينطفئ ببطء...
لكن قبل أن يغلق عينيه تمامًا، لمح شيئًا يتحرك يقترب منه
كان يقترب منه.
شيئًا لم يستطع تمييز ملامحه، لكن رأي أنه كلم اقترب هربت جميع الكائنات التي كانت بالقرب من اريك
اقترب أكثر...
حتى أصبح أمامه مباشرة.
حاول إريك فتح عينيه، محاولًا رؤية ما يقف أمامه، لكن جسده لم يعد يستجيب له.
بدأت الرؤية تضيق.
تلاشت الأصوات.
وتوقفت مقاومته
ثم غرق كل شيء في الظلام