يُقال:

« حتى وإن فنيت، فإن إرثك لا يفنى معك... »

« قيمة الحياة لا تُقاس بما تملكه من ثروة أو ممتلكات، بل بما تتركه خلفك من أثر. »

« فحين يفنى الجسد، يبقى إرثٌ أعظم منه... إرثٌ قد يُحدث من الفوضى والتغيير ما يفوق مصيرًا يأبى الانصياع للتيار. »

« وإن كان كلُّ ما يجري ملوّثًا... فلعلّ أنقى ما لحياةِ أن تفعله، هو أن ترثى بعد أن تترك خلفها إرثًا يغير التيار نفسه. »

« ولعلَّ ذلك التغيير... هو أسمى غاية تتوق إليها جميع الحيوات. »

— مخطوطات آزر إيزادويل.

❈ ❈ ❈

لم يكُن للفضاء الهائم وجهٌ ثابت، فقد ظل يتغير بلا انقطاع، مرات لا تُحصى... مرة تلو الأخرى... يتشكل في هيئة، ثم لا يلبث أن يفقدها من جديد.

صمتٌ تام...

لقد بدا المحيط أشبه بحلم... حلمٍ يبحث عن الهندسة المثلى التي تجسد ماهيته، لكنه لا يجدها في النهاية، فيواصل بحثه...

وفي خضم ذلك التغير والبحث المتواصل، برز ظلُّ شخصين... كأنهما جسدان أثيريان بملامح مطموسة وهيئة غير واضحة. لم يظهر منهما سوى النحت الخارجي للجسد، وكان ذلك وحده كافيًا ليدرك الناظر أنهما تنتميان إلى الجنس المعروف بـ«الأنثى».

أو على الأقل... بالنسبة إلى الكبرى منهما.

وقفت إحداهما بقامة طويلة، تمسك بيد الأخرى التي بدت طفلة يتراوح عمرها بين الخامسة والثامنة... كانت تسحبها نحو وجهةً غير محددة.

في تلك اللحظة، استدارت رؤوسهما معًا ناحية الخلف... وكأنهما تنظران لشيء... أو تودعانه.

ثم... أخذتا تتلاشيان تدريجيًا داخل ذلك الضباب المشوه المتقلب، حتى ابتلعهما تمامًا.

على حين غرة، إنجرف «الوعي» الذي ضل يُراقب بُسرعة تَكاد تشبه الهوي من السماء مع كونٍ كامل يستند إلى ظهره.

وفي المشهد الخاطف الذي انكشف أمامه، تجسدت فروع شجرة هائلة، عظيمة الحجم، تتضخم وتلتوي كأفعى كاسحة، مندفعة نحوه!

لكن، وقبيل المساس به... اختفى كل شيء فجأة، وعاد المشهد إلى ظلامٍ حالك...

...

يستيقظ «الوعي» من جديد، هذه المرة لا في مكان مبهم الملامح... بل في آخر واضح كل الوضوح، مستقر لا شيء يزعزعه.

كأول شيء يفعله بعد فتحه لـ"عينيه"... حركهما قليلا، محاولًا استيعاب المكان الذي انتهى إليه هذه المرة.

في امتداد بصره، برزت غرفة حجرية فوضوية، وكأنها شُيِّدت داخل كهف. بدت أقرب إلى قاعة تجارب مشؤومة، بالنظر إلى كثرة الآلات والأدوات العلمية المبعثرة في كل زاوية.

رفوفٌ حجرية، تراصت فوقها لفائف صفراء، ورقوقٌ جلدية ممهورة بأختام متنوعة، ورسوماتٌ هندسية باهتة.

خرائطٌ للنجوم، ورسومٌ تشريحية لأجساد تنتمي إلى شتى أنواع الكائنات، وقوارير زجاجية متفاوتة الأحجام، وأنابيق نحاسية ملتوية... وأوعيةٌ فخارية نُقشت على سطحها كتاباتٌ سوداء بخط رقيق.

وفي إحدى زوايا الغرفة، استقر إسطرلابٌ برونزي ضخم إلى جوار كرةٍ سماوية حُفر على سطحها مسار الكواكب، بينما تدلت من السقف عظام كائنات مجهولة المصدر، ثُبِّتت فوقها شموع، حتى بدت كثريا بدائية تتمايل ببطء مع كل نسمة. وكانت هي مصدر النور الرئيس في ذلك الكهف، إلى جانب بضع شموع أخرى موزعة في أنحاء الغرفة.

امتزج في المكان عبق الحبر العتيق برائحة المعادن الساخنة، وتجاورت المخطوطات الفلسفية مع أدوات التشريح، والكرات الفلكية مع أوعية التقطير... كان المكان فوضويًا إلى حد يصعب وصفه. فمن الوهلة الأولى، قد يظنه المرء مختبر عالمٍ كرّس عمره لفهم أسرار الكون... لكن كلما أمعن النظر في خباياه، ازداد يقينًا بأن صاحبه يحمل من «الجنون» أكثر من عقلانيته.

~ ‹ اللعنة... أيُ مشهدٍ هذا الذي أراه بحق... ›

وبينما كان يحاول إدراك المحيط من حوله، ظلت تتردد أصوات معزوفة كلاسيكية، يرافقها صوتٌ آخر ينشد فوق أنغامها...

— « كنتُ أحمقًا سعيد، كنتُ حالمًا بالغرب البعيد~♪ »

— « أنظري إلي الآن، يا آنسة الضباب... هاقد أصبحت وحشًا يلاحق الموت والخراب~♪ »

...

~ ‹ معزوفة غربية؟ أليس هذا النوع من المعازف يعد محظورا؟ ›

فكر «الوعي» بستغراب، قبل أن يستدرك فجأة:

~ ‹ لحظة... لا يجب أن يكون هذا سؤالي، السؤال الذي يجب أن يطرح هنا حقا هو... كيف بحق يمكنني رؤية وسماع هذا الآن؟ ألا يفترض أني مت؟! ›

~ ‹ أهذا مكان ما بعد الموت؟ هراء لعين! من الوصف الذي أعرفه، لا يجب أن يكون مختبر مجنون لعين ما مهووس بمؤخرات شتى انواع الكائنات الحية! ›

شخر «الوعي» بسخرية.

~ ‹ صحيح إن كنتُ عدت إلى الحياة، فلما لا أستطيع الحركة— ›

قبل أن يكمل «الوعي» تفكيره، قاطعه صوت حماسي قادم من بعيد بعد ان توقف صاحبه عن الغناء فجأة...

— « اوهوهو!! هل استيقظت؟ هل استيقظت؟؟ هل نجحت حقًا؟ بعد كل هذه المدة؟! »

تقدم الرجل بخطوات متسارعة نحو اتجاه «الوعي»، بينما ألقى بكل ما كان يحمله خلفه بلا اكتراث، ثم قال:

— « هل تعلم كم فشلت من مرة؟ هل تعلم؟! بالطبع لا ايها الحمار الغبي! لقد أضعت عمري في سبيل هذا! »

~ ‹ يا إبن الـ... من تنعته بالحمار؟! تعال، تعال! فلتظهر أمامي فقط! لأوسعن أمك ضربا! آه كم أود لو أرطم وجهك اللع— ›

آنذاك، وقبل أن يكمل سيل شتائمه... ظهر صاحب الصوت أمامه.

كان رجلًا نحيلا على نحوٍ مقلق؛ أكتافه بارزة، وذراعاه أشبه بعصوين جافتين... حتى ليخال الناظر أنه لم يذق وجبة كاملة منذ أشهر... وكأنه في مجاعة!

علت ملامحه نوع من الحدة؛ حاجبان كثيفان منعقدان باستمرار، عينان غائرتان، وأنف مستقيم.

بدا من هيئته كما لو أنه جاوز الستين منذ زمن بعيد... فخصلات الشيب أخذت تزحف بين شعره الأسود الفوضوي، كشرارات رماد اشتعلت في ليلٍ كثيف، بينما بقي شعره منفوشًا بلا اكتراث.

كان يرتدي خيتونًا داكنًا طويلًا فضفاضًا، يعلوه مئزر أبيض تراكمت عليه الأوساخ حتى غدا أقرب إلى معطفٍ فحميٍّ ممزق مغطى بالروث... بينما عُلق على خاصرته حزام جلدي يحمل أكياسا صغيرة، إلى جانب أدواتٍ غريبة لا يبدو أن أحدًا سواه يعرف استخدامها.

لكن ما أثار دهشة «الوعي» أكثر لم يكن مظهره خاصةً... فقد اعتاد رؤية متشردين شحاتين على نفس شاكلته، لكن الأغرب أنه بدا... أضخم منه بكثير! ليس ضعفين فقط... ولا أربعة أضعاف...

بل وكأنه يعادل عشرة أضعاف حجمه!

~ ‹ اللعنة على إبن العاهرة... إنه عملاق... ›

~ ‹ أو لحظة... من هذه الزاوية، ألا يبدو أني أنا... ›

— « رائع، رائع! أخبرني، ما اسمك؟ »

سأل الرجل النحيف بحماسة.

~ ‹ والدك! هذا اسمي، زوج أمك! ›

قال «الوعي» بسُخرية، فقد أدرك منذ فترة أنه لا يستطيع الحديث ولا الحراك لسبب يجهله، لذا، مهما حدث... لن يتمكن الطرف الآخر من سماعه.

— « آه، صحيح... تذكرت، لم أمنحك القدرة على الحديث بعد... أمهلني لحظة! »

حينئذ، أخرج الرجل حجر ياقوت قرمزي منحوت بكلمات مهيبة من حقيبته، وبينما كان يُجهز نفسه، اهتز «الوعي» بذعر بمجرد أن لمح الغرض الذي أخرجه...

~ ‹ هذا... أيعقل؟! ›

— « هيهي، صبرًا فقط... ستتمكن من الحديث بعد لحظات! »

قال الرجل وهو يضع الحجر في وعاء دمٍ براقٍ أمامه، تعلو سطحه كتاباتٌ كثيرة متداخلة، بينما انطلقت من داخله أصداء خافتة غامضة.

وبعد ثوانٍ من ملامسة الحجر لمحتويات الوعاء، بدأ يمتص كل ما بداخله، كما لو كان وحشًا شرهًا يلتهم فريسته، حتى لم يُبقِ على قطرة واحدة!

~ ‹ إنه هو حقا... ›

أخذ الرجل الحجر النابض من الوعاء الفارغ، ثم اتجه نحو مكان «الوعي» ، وألقى الحجر أمامه!

حينئذ، تجسدت هيئة عنقاءٍ معيوبة المظهر، تحيط بها أعدادٌ هائلة من الكتابات والأصوات، بينما انتشر صداها في أرجاء الكهف بأكمله.

فور رؤيته لهذا المشهد، تيقن «الوعي» تماما من صحة افتراضه...

~ ‹ حجر العنقاء! ›

~ ‹ وهمٌ من سقف الدرجة الثانية! ›

في تلك اللحظة، إنطلقت العنقاء صوب «الوعي» ، ثم دخلت في فمه 'الافتراضي'!

...

~ « أحبك أبي! لكن سأحب أمي أكثر كما تعلم... هيهي~ »

~ « أبي، أريد أن اسمع منك: تلك النجوم! »

~ « لا، لا! لالالا! أرجوك! أرجوك! خذني أنا! خذني أنا! »

~ « هيهي، لا أحد يضاهيني في القراءة! حتمًا سأصبح فيلسوفة حين أكبر! همف، لا يمكن للرجال فقط احتكار هذا المنصب! »

~ « فقط أتسائل... أيمكن لنا أن نتحرر من هذه الجبال يومًا؟ »

...

ترددت أصواتٌ وجملٌ شتى داخل «الوعي» لحظة اختراق العنقاء، قبل أن تخف تدريجيا مع توالي اللحظات... وفي النهاية، عاد المكان إلى هدوءه المعتاد... ولم يبقَ سوى صوت المعزوفة الكلاسيكية مستمرًا في الخلفية.

وقف الرجل أمام «الوعي» بعد استعادة الحجر القرمزي مبتسمًا ابتسامة واسعة، ثم قال:

— « لنجرب الآن... »

— « دعني أسألك مجددا، ما إسمك؟ »

— « أ... »

— « آا... »

— « اسمي... »

~ ‹ إنه يعمل حقًا! أستطيع الحديث الآن! ›

رغم استعادة صوته أخيرا إلا أنه شعر بإحساس غريب عند سماعه لأول مرة، فلم يبدو حقًا كصوته الطبيعي بل أقرب إلى صوت غريب... مشوه بعض الشيء.

— « آا آا آا؟ ما خطبك؟ هل انت حامل في فترة الوجع؟ هيا اخبرني الآن ما اسمك! »

قال الرجل بنفاذ صبر.

— « إسمي... هراء لعين لن أخبره باسمي الحقيقي! »

~ ‹ آه... نسيت ان قدرتي على الحديث عادت... ›

— « لا تريد إخباري إذن... حسنا، لقد قررت! »

— « بحكم أنك تجربتي الناجحة الأولى، سأكون أنا من يسميك... »

— « وإسمك سيكون... »

— « كوبروس فايكس ديستيركوس! »

— « ماهذا الاسم... بحق... ألم تفكر في غيره... هل عقلك ممسوخ إلى هذه الدرجة؟ هل أنت مسخ ما؟؟ لا، بل أنت كذلك فعلا! ما الفائدة من كل هذه الأوراق والمخطوطات إن لم تكن ستطور عقلك! »

— « كوبروس فايكس ديستيركوس... تجربتي الأولى... ياله من اسم عظيم لصنعة مثالية! »

— « أتستمع إلي حتى؟! لا! لا أريده! ومن تدعوه بالصنعة؟! »

صاح «الوعي» بغضب.

— « لا أهتم لرأيك! أعطيتك الفرصة لتخبرني باسمك ولم تشأ! »

رد الرجل قبل أن يدير ظهره ويتجه نحو مكانٍ معين في الغرفة.

~ ‹ أراهن أن ابن العاهرة كان سيفعل نفس الشيء حتى وان اخبرته اسمي... ›

ثم مستذكرا شيء فجأة، قال:

— « لحظة... لحظة! الآن عند التفكير في الأمر، أليست ترجمته الحرفية عبارة عن: "براز براز براز؟!" »

— « هيه... »

أطلق الرجل ضحكة تحمل سخرية مبطنة.

~ ‹ تبا كم أود ضربه... ›

— « بالمناسبة، هل تعي ماهيتك الحالية؟ »

قال الرجل وهو يبحث عن شيء في المكان الذي اتجه إليه، قبل أن يعثر عليه أخيرا.

— « ماهيتي... عمّ تتحدث بحق... هل هذه إحدى حيل السفسطائيين في بدء محادثات عديمة الجدوى؟ »

وأثناء حديثه، عاد الرجل حاملًا «الغرض» الذي وجده، حتى وصل أمامه أخيرًا.

— « أنظر بنفسك~ »

رفع مرآةً باتجاه «الوعي»، واذا بانعكاس شكله يظهر لأول مرة...

براز!

طوال هذا الوقت...

كان «الوعي» عبارة عن براز!

2026/08/02 · 9 مشاهدة · 1616 كلمة
شخطة
نادي الروايات - 2026