كما توقع!

لم يكن الشخص الواقف أمامه هو العملاق، بل هو من كان "صغيرًا" مقارنة به... لأنه ببساطة كان عبارة عن...

براز!

— « ... »

لو كان له وجه حقيقي الآن، لانكمش من هول صدمته...

— « من كان ليعتقد أن برازًا سيتمكن من الحديث ذات يوم... لا وفوق ذلك يُمكنه أن يرى ويسمع! »

قال الرجل "العملاق" وهو يفرك لحيته بنبرة ساخرة.

— « أعلم أنك تتسائل حول الكثير الآن... لكن، أولا وقبل كل شيء... دعنا نحتفل قليلا بعودتك إلى الحياة؟ ألا توافقني الرأي؟ »

— « تحتفل... يا إبن ال... ما الذي فعلته بي؟! أين وضعت جسدي الأصلي؟!! »

صاح "البُراز" بنبرة غاضبة مشوهة، فلم يصدق ولو قليلا أنه عاد للحياة حقّا... فما بالك أنه عاد بجسد "خرية"...

— « لا أدري عن جسدك شيئا... ليس وكأنني أعرف مكانه، فأنت من يعرف أين قضيت نحبك! »

— « من تخادع بحق... لا يعقل أن هذا... هذا... »

قال البُراز باستنكار شديد وهو يتأمل هيئته في المرآة الواقعة أمامه...

لقد جاء في هيئة سجقٍ ملكي أبيض، متماسك الحضور، ناعم الحدود، مستقيم كأنه يتحدى قوانين الطبيعة! لا تشققات تشوّه وجهه، ولا رائحة تبغض وجوده — إلا قليلاً، فهو لا يُخفي أصله~

لو عُرض في مزاد، لصفّق الأطباء واقتناه الأمعاءويّون كتحفة أثرية نادرة، تستحق أن تُعلّق في متاحف الصحة الهضمية!

إنه النوع الرابع من مقياس بريستول... أمير البراز، كوبروس فايكس ديستيركوس!

~ ‹ كيف يعقل أن أفقد جسدي وأتحول إلى "براز" هكذا فقط؟! ›

~ ‹ آخر شيء أذكره هو مصادفتي لتلك السجلات أثناء رحلتي التجارية إلى ڤيرا بُغية الإلتحاق بأسطول غُزاة بحر العتم... ›

~ ‹ ثم الكارثة التي حدثت بعد ذلك... ›

~ ‹ لقد انفجر عقلي وسُحبت روحي إلى فراغ عَدم! أنا متيقن من ذلك! ›

~ ‹ وهذا يعني أني ميت الآن! ›

أثناء استحضاره لذكرياته، توصل إلى استنتاج يقين يؤكد موته.

~ ‹ مما يدع الافتراض أن سبب "وعيي" الآن بما يجري يعود لـ... ›

~ ‹ لا يُعقل... هل وقعت في يد أحد أولئك المجانين... ›

فكر البُراز بتمعن وهو يتفحص شكل الرجل الواقع خلف المرآة بحرص تام، قبل أن يعيد نظره صوب الصورة الموجهة نحوه.

~ ‹ رغم أنه براز وسيم بعض الشيء... ›

~ ‹ لا! لا يجب أن أفكر هكذا! ما الذي أقوله بحق؟! "براز" "وسيم"؟! لعنة تلعنك! ›

نظر للانعكاس أمامه بنظرة شك وذعر تام، لقد شعر بقشعريرة تتخلل كل أنحاء جسده—أو بالأحرى روحه في هذه الحالة (تخيل براز يرتعش... هذا يتعدى الحدود قليلا...) فقد كان إبداء رغبته في تقبل «ماهيته» أكثر صدمة من عودته بعد الموت حتى!

— « سابدأ التجهيز لحفلة استقبالك... أعلم ان لديك ما تقول... لا تخف، يُمكنك طرح أسئلتك في خضم ذلك. »

قاطعه الرجل بنبرة هادئة بينما ترك المرآة تطفو أمامه واتجه نحو آلة الموسيقى الغريبة في الزاوية ثم اطفأها...

— « بالمناسبة، يمكنك التلاعب في هيئتك الحالية إن شئت... أظنك حكيم سابق على أقل تقدير، لذا ليس من الصعب عليك استخدام عقلك... أليس كذلك؟ »

قال بينما كان يتجه نحو وعاء تقطير ضخم موضوع بجوار الكرة السماوية.

~ ‹ استخدام عقلي... أيقصد «الخيال»؟ لكن، لو صح افتراضي... فـ "أنا" (وأشدد على كلمة "أنا") بهذا "الجسد" "البغيض" (وأشدد على كلمة "الجسد البغيض") آه صحيح... إنها كلمتان... ›

~ ‹ على كل حال! رغم أنه لا يفترض أن تكون لدي القدرة على استعمال أيا كان ما يقصده بهذه الهيئة، لا ضير من التجربة! ›

فكر البُراز بعد أن حسم قراره، ثم صفى ذهنه... وجسد محيطًا أزرق شاسعا في عقله، حتى هدأ كل شيء تماما من حوله.

حينها تخيل انعكاسه على سطح المرآة فوق البحر الشاسع، يتوسع ويتشكل على هيئة طائر نورس أبيض... يحلق فوق المحيط الصافي.

على أرض الواقع، بدأ مظهره يتغير فعلا تبعًا لتخيلاته في الوقت آنه، وتحول البراز—سابقا متخذًا شكل نورس صغير مبهم الملامح!

— « وااه!! لقد نجحت حقًا!! »

— « كما بوسعي الحركة أخيرًا! »

أطلق البراز —على هيئة نورس— صيحة فرح متعجبة، فلم يتوقع ولو قليلا أن تنجح فكرته... بل كان يعتقدها إحدى سخريات عصا الزيتون (الرَجل النحيف) كعادته.

~ ‹ لكن لما لا يسعني التحليق أيضا... ›

حاول رفرفة جناحيه، إلا أن جميع محاولاته باءت بالفشل؛ إذ ظل يرتطم بقدميه الهشتين في كل مرة. فرغم تمكنه من الحركة وخروجه من "القفص" الذي كان محتجزًا فيه، كانت فكرة الطيران أملًا مبكرًا أكثر مما ينبغي... أملًا لم يحن وقت تحققه بعد.

— « أحمق أرعن! أوتحاول الطيران بجسد "براز"؟! »

صاح العجوز بسخرية بعد أن لاحظ أفعاله العقيمة للطيران.

— « لقد أخبرتك: "بوسعك التلاعب بهيئتك" لكن ليس صفاتك! إنها شيء متجذر في كينونتك! »

— « أشياء مثل وزنك، حجمك، تركيبة جسدك... وجميع مميزات "جسدك الأصلي: البراز" ، لا يمكن ان تختلف مع اختلاف هيئتك، في النهاية يضل أصلك كما هو... غائط! »

— « ولا يمكن لغائط أن يطير وإن انطبقت السماء مع الاراضين! »

— « لكن الخيال بوسعه جعل المستحيل واقعًا... »

رد البراز-النورس على عصا الزيتون قبل أن يقاطعه مجددا بنبرة نفاذ صبر:

— « الخيال لا يكسر منطق العلم، بل يتداخل معه، فهو علم بحد ذاته! »

بالفعل، لم يكن للنورس ملامح تميزه... بل اكتفى البراز باتخاذ "شكله" الخارجي بهيئة سطحية لا تميل للكمال... وكأنه يحاول تقمس "شكله" قدر المستطاع، بالإمكانيات المتوفرة لديه.

~ ‹ ياله من وغد صعب المراس... ›

~ ‹ لو كان لي آذان لفقعت بسبب صراخه المتكرر... من الجيد اني لا امتلكها... ›

~ ‹ لحظة... صحيح، إن صح كلامه، وكانت "الصفات" نفسها لا تتداخل مع تركيبة "البراز" بحكم التناقض الجذري، فكيف لي أن اسمع، أرى، أشم، وأتحدث... كأني كائن طبيعي؟ أليست هذه "صفات" خاصة تنتمي إلى كائن حي؟ ›

فكر طائر البراز وهو يتفحص الأدوات الغريبة من حوله.

— « حسنا، لدي سؤالين أبتغي اجابة لهما... حسب كلامك السابق، ألا يفترض أن أكون في «حالتي» هذه مجرد جماد لا يسعه رؤية أو سماع شيء —وهذا حال البراز— بينما أنا في الواقع —كما ترى— أتبادل معك أطراف الحديث وكأننا في ساحة الأغورا... »

بعد صمت طفيف أتبع:

— « أما الثاني، فكيف بوسعي التلاعب بهيئتي واستعمال "الخيال الحسي" دون بقية الخيالات، رغم أني متيقن بأني لست وريثًا بهذا الجسد، لا أحوز على أية أوهام، ولا أحقق حتى "الشروط" اللازمة لأكون كذلك... »

بعد اختتام كلامه، كان قد صعد فوق انبوب نحاسي ضخم... ثم قفز منه وفتح جناحية ليثبت مدى صحة كلام العجوز، وما لبث أن سقط بسبب "وزنه" الذي يعادل وزن "جناحيه"، ليرتطم مع الحجر الصلب أسفله فيتشوه شكله...

— « ... »

— « ... »

صمت العجوز لوهلة وهو ينظر للحدث أمامه باستغراب، فكيف لأحمق أن يكرر نفس فعلته رغم أنه حذره من استحالتها قبل ثوانٍ...

لم يكن ليفعل هذا سوى شخص يملأ عقله البراز حقًا!

بعد أن أطلق تنهدًا عميقًا، أخذ السائل الأرجواني النقي الذي تشكل تحت وعاء التقطير... ثم انطلق نحو زاوية أخرى من مختبره وهو يشرح:

— « لقد كان البشر في هذا العالم لا يتغوطون، نظرا لاقترافهم خطيئة كبرى منعتهم من التغوط... »

— « لحظة لحظة لحظة لحظة! هي أنت! من تظن— »

تدخل البراز فجأة بعد سماع الهراء الا انه لم يأبه به واستمر:

— « لذا يتوجب على كل شخص اخراج الأكل الذي هضمه بطريقة أخرى... ألا وهي استعمال أوهام خاصة بذلك، تشفط الاكل المهضوم من البطن وتنقله نحو فضاء عدم! »

— « ما الذي تق— »

— « ونتيجة لذلك، أصبح الغائط من النَوادر التي يُصعب إيجادها! فهو يختفي مباشرة إلى المجهول! »

— « الذباب، الخنافس، والديدان... وجميع الكائنات التي كانت تتغدى على الروث، قلت اعدادها بشكل مهول نتيجة لذلك، حتى انقرضت... وهكذا اختل التوازن البيئي بالكامل، وحلت الكارثة! »

ثم قال بنبرة أمل وتطلع:

— « دوري هنا هو إعادة أمجاد البشرية! وإعادة صحوة البراز إلى هذا العالم المشؤوم! »

ثم صاح بحماس شديد حتى كاد السائل ينسكب:

— « نخبك يا صديقي! معًا نحو عالم يسوده البُراز والفرح! »

— « ... »

صمت المحيط فجأة بشكل غير مريح... بينما استمر النورس يحدق في صدمة أمامه، عاجز عن التعبير عما شهده للتو...

— « أرأيت... هذه كانت نفسها ردة فعلي تجاهك قبل لحظات... »

ألحق عصا الزيتون بسخرية.

~ ‹ هذا الرفيق حقا... ›

لقد كان مدى جنونه أكبر بكثير مما كان يعتقد... لقد فاق توقعاته!

ثم طرح سؤالا بعد أن عاد إلى طبيعته:

— « هل سبق وسمعت عن الفينيق الأسود أبيض العينين؟ »

— « نعم... بغض النظر عن سماعي قصصًا كثيرة عنه، فقد قرأت عنه في إحدى الكتب أيضا، يُقال انه طائر أسطوري منقرض كان يعيش في أشد كهوف الجبال سوادًا ولا يغادر عشه إلا في أحلك الليالي، بوسعه اتخاذ هيئة كل من يراهُ ولو لمرة، ويستدرجهم بنفس شكلهم "البشري" حتى يقعوا في شباكه، فيقتات عليهم... »

أجاب النورس، الذي اتخذ من مخطوطة فلكية مقعدًا له، ثم أردف:

— « حسب ما يُذكر، فإن آخر ما يراه الشخص قبل موته لا يكون سوى "ظلمة" حالكة تحيط به، وعينين بيضاوين شديدتي النقاء... تحدقان نحوه. »

— « إنه من بين حكايات الرعب الفلكلورية المشهورة التي لطالما تناقلها الناس، وكثيرًا ما تُروى للأطفال في هذه الجبَال كنوع من التخويف. »

— « صحيح... إنه كائن من الصنف الفلكلوري الذي يحوز على شعبية واسعة، حسنا إذن... سأطلعك على شيء... »

قال العجوز ذلك بينما كان يستخرج نباتات متنوعة من جرة فخارية في المكان الذي ذهب إليه، كان من بينها أعشاب الداتورة ونبات عين الغول.

— « أحسبك كنت وريثا سابقا... لذا لا داعي للتعمق في تفاصيل هذا الموضوع كثيرا معك، لكن أنت تعلم أن لكل إرث خواصٌ ومجموعة مزايا تحده... فمثلا: لإرثي أنا، «الضائع» سِمات "المعرفة" و "التفكير" ، لذا تركز مزاياي أكثر على الجانب العقلي، وبالتالي أبرع أكثر في السيطرة على الأوهام من النوع "العلمي" او "المعرفي". وهذا ما تشتهر به هذه الجبال أكثر من غيرها. »

ثم أضاف:

— « على سبيل المثال: الوهم الذي رأيته في السابق، يقع تحت تصنيف "الخيمياء"، ويتطلب قدرة واسعة على المعرفة لاستعماله دون ضرر. »

— « وبالطبع، لكل إرث سلبياته أيضا... فمثلا «الضائع» يهمل نسبيا الجانب الجسدي، أو "القوة" بمعنى آخر... خلاف «الهائج» الذي يكمن مجال اختصاصه هنا تحديدا... لذا سيتوجب عليك تعويض نقصك أحيانا بطريقة او بأخرى. وهذا يستهلك جهدًا وطاقة كبيرين يمنعانك عن التركيز فيما تبرع فيه. »

— « لذا، ماذا لو افترضنا وجود كائن يحمل مزايا «إرثين اثنين» ، سيكون طفرة نوعية ذات خيال هائل لا يمكن قياسه أو تحديد ماهيته، وهذا ما نصفه بـ"المجهول" »

— « أعرف كل ما ذكرت، ما الذي تحاول الوصول إليه؟ »

رد النورس بنفاذ صبر من الجانب.

— « ما أريد إيصاله هو... لو افترضنا أنك أنت، أو "البُراز" بمعنى أدق... يحمل نفس "جينات" هذا الكائن الفلكلوري، والذي يمتاز بخواص إرث "المجهول"... »

— « لا يعقل أنك تقصد... »

قاطع الطائر بانعدام تصديق.

— « ستصبح أول تجربة "مصطنعة" تحمل خواص أكثر من إرث في جسد واحد! »

قال العجوز ثم ألقى الأعشاب مع بعض المكونات الجاهزة الأخرى داخل السائل الأرجواني، لتبدأ بالذوبان والامتزاج معه تدريجيًا... حتى تحول إلى سائل رمادي شفاف.

2026/08/02 · 3 مشاهدة · 1737 كلمة
شخطة
نادي الروايات - 2026