الصمتُ لم يكن هادئاً.
كان نوعاً من الصمت الذي يجعلك تشعر أن شيئاً ما يراقبك من بعيد، من خلف الأنقاض المتكسرة وما تبقى من أعمدة صدئة تشقّ السماء الرمادية كأسنان وحش ميت. كان نوعاً من الصمت الذي يسبق الخطر.
فتح جونا عينيه.
السماء فوقه لم تكن زرقاء. كانت لوناً بين الرمادي والبنفسجي الداكن، كأن الكوكب نفسه لم يشفَ بعد من جراحه. نجوم شاحبة لا تزال مرئية رغم أن الضوء بدأ يزحف من الأفق البعيد، ضوء لم يكن ذهبياً ولا أبيض، بل كان أشبه بلون الدم حين يجفّ على الحجارة.
حاول أن يتحرك.
ألم حاد انتشر من كتفه الأيمن حتى قاعدة عنقه، وأخرى من ركبتيه اليسرى حتى ظهره. مع ذلك، جلس. ببطء، بأسنان مطبقة وأنفاس متقطعة، جلس وأمسك رأسه بكلتا يديه.
لا شيء.
الذاكرة كانت هناك، لكنها كانت مثل صورة محترقة، ترى الإطار لكن ما بداخله رماد. عرف اسمه، جونا. عرف أنه كان على كوكب يسمى الأرض، في عام يسمونه ألفين وسبعة وعشرين. تذكّر رائحة القهوة في الصباح، وصوت موسيقى تخرج من سماعات قديمة، وصفحات مانغا تتقلب بين أصابعه في ليلة هادئة.
ثم... لا شيء. فراغ تام، كأن شخصاً ما أخذ مقصاً وقطع ما بعد تلك اللحظة.
نظر حوله.
الأرض تحته لم تكن تراباً عادياً. كانت سوداء متشققة كجلد حيوان مات منذ زمن طويل، وبين الشقوق تنبت أشياء لم يستطع تسميتها، نباتات ذات أوراق ضيقة باللون البرتقالي الداكن، تتحرك ببطء رغم غياب الريح. تحرك حقيقي. كأنها تتنفس.
"هذا ليس نباتاً عادياً."
قالها لنفسه، بصوت خشن جفّ فيه الريق. ثم أدرك أنه قالها بالعربية أولاً، ثم أعادها بلغة أخرى لم يعرف اسمها لكنه فهم معناها تماماً، ثم بثالثة، ورابعة. توقف. نظر إلى لسانه كأنه خانه.
قام على قدميه.
كان طويلاً، متراً وثمانية وسبعين سنتيمتراً من العضلات التي عليها ندوب لا يذكر من أين أتت. شعره الأسود كان ملبداً بالغبار الأسود، وعيناه الداكنتان مسحتا المكان بنظرة باردة، ليس نظرة خائف، بل نظرة شخص يحسب المسافات ويقيس التهديدات.
المكان كان مفتوحاً من كل جهة.
أنقاض ما بدا أنه كان مبنى ضخماً ذات يوم، ربما مصنعاً أو محطة طاقة، تحوّلت الآن إلى تلال من الحديد الصدئ والخرسانة المتفتتة. كابلات معدنية سميكة متناثرة كأمعاء وحش آلي. وفي البعيد، على بعد ما يبدو كيلومترات، ارتفع دخان رفيع نحو السماء البنفسجية، دخان أسود بطيء، دخان شيء يحترق أو ربما دخان شيء يتنفس.
مشى نحو الكابل المعدني الضخم الملقى أمامه.
مدّ يده.
لم يعرف لماذا. غريزة ما، شيء في الأعماق، دفعه أن يضع كفّه على السطح الصدئ البارد. لم يحدث شيء. الحديد ظل حديداً. سحب يده وتابع مسيره.
لم يكن يعرف إلى أين يذهب.
لكن جسده كان يعرف. قدماه تسيران بخطوات واثقة كأنهما سبق أن مشتا في هذا النوع من الأماكن ألف مرة. ظهره مستقيم، كتفاه للخلف، نظراته تمسح اليمين واليسار بتناوب منتظم. سلوك من تدرّب طويلاً على الخطر، لكنه لم يتذكر أي تدريب.
بعد عشرين دقيقة من المشي، سمع صوتاً.
توقف فوراً. ليس توقف الخائف، بل توقف من يريد أن يسمع أكثر.
كان صوت خطوات. ثقيلة. غير منتظمة. وشيء آخر، صوت تنفس، لكن ليس تنفس إنسان. كان عميقاً وخشناً كأن المسافة بين الشهيق والزفير فيها شيء يُطحن.
استدار ببطء.
من خلف كومة الأنقاض على بعد ثلاثين متراً تقريباً، ظهر الشيء.
كان كلباً. أو على الأقل كان كلباً في وقت من الأوقات. الآن كان شيئاً آخر. حجمه يوازي حجم ثور صغير، جلده الرمادي الداكن مشقوق في أماكن متعددة تتسرب منها إضاءة برتقالية خافتة كالجمر تحت الرماد. عيناه كانتا بيضاوين مضيئتين بالأصفر الصافي، بلا بؤبؤ، بلا تعبير يمكن قراءته. من فمه المفتوح تسيل لعابٌ ثقيل يتصاعد منه بخار خفيف.
توقف الحيوان أيضاً.
نظر إلى جونا.
جونا نظر إليه.
ثانية. اثنتان. ثلاث.
ثم قفز الحيوان.
لم يفكر جونا. جسده تحرك قبل أن يصدر له أي أمر عقلي. انزلق لليمين بخطوة واحدة حادة، وأمسك بكابل معدني ملقى على الأرض بيده اليسرى، ولف جسده في حركة دائرية واحدة أطلق فيها الكابل كسوط في اللحظة التي مرّ فيها الحيوان من فوقه. الكابل ضرب الحيوان في خاصرته بصوت طقطقة مكتومة.
الحيوان هوى على جانبه.
لكنه قام فوراً.
هذه المرة كان أبطأ وأحذر. يتراجع للخلف، الإضاءة البرتقالية من شقوق جلده تزداد شدة. ثم... أصدر صوتاً.
ليس نباحاً. ليس عواءً. كان شيئاً بين الاثنين ممزوجاً بصوت طقطقة معدنية مجوفة. وكأنه يتكلم.
ثم ولّى.
اختفى خلف الأنقاض بنفس السرعة التي ظهر بها.
جونا وقف لحظة. ينظر إلى الكابل في يده. ينظر إلى يده نفسها. لم يكن يتذكر كيف تعلّم ذلك. لم يكن يتذكر أي شيء يشرح ما فعله للتو.
أسقط الكابل.
مسح الغبار عن كتفيه ببرود تام وتابع مسيره كأن ما جرى لم يكن أكثر من ذبابة أزعجته.
لكن في عقله كان سؤال واحد يتردد:
أين أنا؟