قلبه لم يهدأ.

كان يمشي، لكن قلبه لا يزال يدق بشكل مزعج داخل صدره، كطبل يضرب جدار قفص من العظام. أخذ نفساً عميقاً، ثم أخرجه ببطء. ثم مرة أخرى. لم ينفع كثيراً.

حسناً.

أنا حي.

قالها لنفسه بصوت داخلي محاولاً أن يُثبّت شيئاً ما في عقله الذي كان يدور كورقة في عاصفة. كان يعرف أن ما رآه للتو كان كلباً. أو شيئاً كان كلباً في وقت من الأوقات قبل أن يتحول إلى... ذاك الشيء. بجسمه المضيء وصوته الغريب الذي لم يشبه أي صوت حيوان سمعه من قبل.

لكن الأغرب من الحيوان كان هو نفسه.

توقف فجأة. نظر إلى يديه.

كيف فعل ذلك؟

الكابل، الحركة، الانزلاق لليمين بتلك الدقة المرعبة، كأن جسده عرف مسبقاً من أين سيأتي الحيوان وكيف يتحرك. لم يفكر. لم يحسب. جسده تصرف وحده كآلة تعمل بدون أوامر.

ضغط كفيه على وجهه.

"ما هذا؟"

صوته كان أجشّ، جافاً مثل الحجارة تحت قدميه. كان يتكلم بالعربية ثم في الجملة التالية ينزلق دون أن يقصد إلى لغة أخرى لا يعرف اسمها لكنه يفهمها كأنه وُلد بها. هذا وحده كان كافياً ليجعله يجلس على الأرض ويضغط يديه على رأسه حتى يتوقف عن الدوران.

لكنه لم يجلس.

لأن شيئاً في داخله يعرف أن الجلوس هنا يعني الموت.

تابع المشي.

الهواء كان ثقيلاً، ليس ثقلاً رطباً كالمناطق الاستوائية، بل ثقل غبار وكيمياء وشيء آخر لا اسم له. كل شهيق يدخل برائحة المعدن المحترق والتراب الأسود ورائحة أخرى حلوة بشكل مقلق، مثل الفاكهة الفاسدة لكن بشكل لا يزعجك تماماً وهذا وحده يزعجك.

معدته تقلّصت.

جوع. كان جائعاً. ومتى كانت آخر مرة أكل فيها؟ لا يذكر. لا يذكر أي شيء. ربما أيام، ربما ساعات، لكن جسده يقول أيام. والعطش كان أسوأ، لسانه يلصق بسقف حلقه وكل ابتلاعة تؤلم.

ماء. يحتاج ماء قبل أي شيء آخر.

رفع نظره ومسح الأفق.

الدخان الأسود البعيد لا يزال يرتفع، أبعد مما تخيّل. لكن على يساره وعلى بعد ما يبدو كيلومتر ونصف ربما، كانت هناك كتلة خضراء داكنة. أشجار، أو ما تبقى منها. حيث توجد أشجار توجد مياه. ربما.

حوّل مساره نحوها.

كلما اقترب كلما زادت غرابة المنظر. الأشجار كانت حقيقية، لكنها ليست طبيعية بأي معنى يعرفه. جذوعها سميكة ومتشابكة كأن عشر أشجار التصقت بعضها ببعض لتصبح واحدة. أوراقها كانت بحجم راحة اليد لكن بلون أزرق معدني لامع يعكس الضوء الشحيح كالمرايا الصغيرة. ومن بين جذورها المكشوفة التي تخترق الأرض السوداء كأصابع عجوز، يتسرب ماء.

ماء حقيقي. يسمع صوته.

تسارعت خطواته دون أن يقرر ذلك وحين لاحظ أنه يمشي بشبه هرولة توقف لثانية.

"اهدأ."

قالها لنفسه بحزم. المكان غريب. الحيوانات هنا غريبة. الماء ذاته ربما غريب. لكن البديل هو العطش حتى الموت.

اقترب ببطء هذه المرة. عيناه تمسحان المكان بين كل خطوة وأخرى. لا حركة. لا أصوات غير خرير الماء الخفيف. انحنى عند الجذور وأدخل إصبعه أولاً في الجدول الضيق.

بارد. نظيف المظهر. لا لون غريب.

شمّه.

لا رائحة.

وضع كفه تحت الماء وصبّ قليلاً على رسغه. جلده لم يحترق ولم يتغير. نظر إلى الماء على كفه ثلاث ثوانٍ كاملة كأنه يستجوبه.

ثم شرب.

وحين بدأ لم يستطع أن يتوقف. شرب حتى أن معدته أوجعته وحتى أن ركبتاه اللتان كانتا منحنيتان بدأتا ترتجفان من التعب. رفع وجهه أخيراً. مسح فمه بظهر يده ونظر إلى الماء الذي يواصل جريانه بلا مبالاة.

"شكراً."

لم يعرف لماذا شكر الماء. ربما لأنه لم يكن هناك أي شخص آخر يشكره.

جلس بظهر مسنود إلى الجذع الضخم للشجرة الغريبة ولأول مرة منذ استيقظ سمح لنفسه أن يفكر.

أين هو؟

ليس على الأرض. هذا مؤكد. السماء خطأ، الأرض خطأ، الحيوانات خطأ، حتى الهواء خطأ. لكن الجاذبية تشعر مختلفة قليلاً، أثقل بنسبة لا يستطيع قياسها لكن يحسّها في عضلاته.

كيف أتى إلى هنا؟

لا يعرف. الذاكرة تنتهي عند لحظة بعينها، لحظة عادية جداً، جالس يقرأ، هواء بارد من النافذة، صوت شارع بعيد. ثم لا شيء. ثم هذا.

من هو فعلاً؟

هذا كان السؤال الذي أخاف منه أكثر من الحيوان الذي قاتله. لأن إجابته لم تكن تشعر بأنها بسيطة. يتقن لغات لا يعرف أسماءها. يقاتل بطريقة لم يتعلمها. جسده يتحرك بثقة في مواقف يجب أن يتجمد فيها الخوف.

أغمض عينيه للحظة.

ثم فتحهما.

لا وقت لهذا الآن. التفكير رفاهية. البقاء ضرورة.

قام ونفض الغبار عن ركبتيه وبدأ يمشي من جديد. الدخان البعيد لا يزال هناك. وشيء ما داخله، ليس عقله بل شيء أعمق منه، يقول أن اتجاه الدخان هو الاتجاه الصحيح.

ربما هناك أناس.

وربما الأناس خطر أيضاً.

لكنه لم يكن لديه خيار آخر.

بعد ساعة من المشي تحت ذلك السماء البنفسجية الغريبة، بدأت أقدامه تؤلمه. الأرض السوداء المتشققة ليست رحيمة، وحذاؤه رغم أنه متين إلا أن الحجارة الحادة المتناثرة كانت تجد طريقها دائماً. ومع ذلك واصل.

حين رأى المعسكر لم يره من بعيد.

شمّه أولاً.

رائحة طعام محروق ودخان خشب ونتانة قمامة وبشر. رائحة الحياة البشرية في أسوأ أحوالها. وقف خلف كومة أنقاض عالية وبدأ يراقب.

كان صغيراً. خمسة عشر أو عشرون خيمة من أقمشة متنوعة الألوان، بعضها مشدود بالكابلات المعدنية وبعضها مدعوم بهياكل خشبية هزيلة. في الوسط نار كبيرة يتجمع حولها أناس. رجال ونساء وأطفال. يبدو على معظمهم الإرهاق والجوع، لكنهم يتحركون، يتكلمون، يتشاجرون على شيء لا يسمعه بوضوح من هنا.

بشر حقيقيون.

شعر بشيء في صدره يرتخي قليلاً دون أن يدرك أنه كان مشدوداً حتى الآن.

لكنه لم يتحرك بعد.

بقي يراقب دقائق أخرى. يحسب. يقيّم. حواف المعسكر لم يكن فيها حرّاس واضحون، أو ربما كانوا موجودين لكن بشكل جيد. الأطفال يركضون بين الخيام. امرأة تصرخ على أحدهم بلغة لم يتعرف عليها. رجل ضخم يحمل شيئاً يشبه رمحاً مصنوعاً من أنبوب معدني.

ثم قرر.

خرج من خلف الأنقاض ببطء. يداه على جانبيه واضحتان لا تحملان شيئاً. وجهه محايد. وحين رآه أحدهم صرخ بصوت حاد وفي ثوانٍ تحوّلت عشرات العيون نحوه ومعها عشرات الأسلحة، رماح وسكاكين وأشياء لم يستطع تسميتها.

وقف جونا.

لم يرفع يديه للاستسلام. لم يبتسم. فقط وقف ونظر إليهم بتلك النظرة الباردة الهادئة التي لا تعني أنه لا يخاف، بل تعني أنه يخاف لكنه لن يريهم ذلك.

"أنا لا أحمل سلاحاً."

قالها بالعربية أولاً. ثم بثلاث لغات أخرى لا يعرف أسماءها.

صمت.

ثم خطا رجل من بين الحشد. كان قصيراً بشكل لافت، بشرته بنية داكنة وشعره الرمادي مشدود للخلف وعيناه صغيرتان لكنهما تقرآن كأنهما آلة حسابية.

نظر إلى جونا من أسفله لأعلاه.

ثم قال بلغة جونا فهمها:

"من أين أتيت؟"

2026/05/22 · 1 مشاهدة · 986 كلمة
نادي الروايات - 2026