النار في وسط المعسكر صغرت.
لم تمت، لكنها تقلّصت إلى جمر أحمر خافت يتنفس ببطء كحيوان نائم. معظم الناس دخلوا خيامهم، لكن الليل لم يكن هادئاً. كان مليئاً بأصوات لا يعرف مصادرها، طقطقة بعيدة، حفيف شيء يتحرك خارج حدود المعسكر، وذلك الصوت العميق الذي سمعه قبل قليل لم يتكرر لكنه لم ينسَه.
لم ينم جونا.
كان مستلقياً على الوسادة الرقيقة التي وضعها له أحدهم في زاوية الخيمة، عيناه مفتوحتان تحدقان في سقف القماش الذي يتحرك أحياناً مع نفحة هواء خفيفة. جسده متعب بشكل مؤلم، عضلاته تطالبه بالراحة، لكن عقله رفض الصفقة.
فكّر.
حاول أن يرتب ما يعرفه كأوراق على طاولة.
أولاً: هو ليس في الأرض. هذا مؤكد بنسبة لا تقبل الجدل. السماء خطأ، الجاذبية ثقيلة بشكل طفيف لكن محسوس، والحيوانات... الحيوانات ليست حيوانات.
ثانياً: الناس هنا يعيشون في حالة بقاء. ليس فقر أو صعوبة، بل شيء أعمق من ذلك. نوع من الحياة التي تقول في كل تفصيلة أن الموت قريب وأن كل يوم ينتهي بسلام هو انتصار صغير.
ثالثاً: كلمة ريكو. سمعها من كيرا وفهمها دون أن يسأل عن معناها. شيء داخله يعرف هذه الكلمة. وشيء داخله يعرف أيضاً أن له علاقة بما فعله مع الكابل والحيوان.
رابعاً: الرجل الذي مات قبل ثلاث سنوات. من الأرض أيضاً. ليس مصادفة. لا شيء في هذا الكوكب الغريب يبدو مصادفة.
قلّب هذه الأوراق في رأسه مرات ومرات.
ثم استقر على سؤال واحد لا يستطيع تجاوزه.
لماذا هو؟
من كل الناس الذين كانوا على الأرض عام ألفين وسبعة وعشرين، لماذا جونا تحديداً؟ شخص كان يقرأ مانغا ويشاهد أنيمي ولا يملك ما يجعله مميزاً بأي معنى يعرفه. لم يكن بطلاً. لم يكن جندياً. لم يكن حتى شخصاً ذا أهمية في حياة أحد على ما يتذكر.
لكن جسده يتحرك كجندي.
لسانه يتكلم عشر لغات دون أن يتعلمها.
ويديه...
نظر إلى يده اليمنى في الظلام.
مدّها أمامه وتخيّل، بشكل عشوائي ودون توقع لأي شيء، أنه يمسك الهواء. شعر بلا شيء. بالطبع. الهواء هواء.
ثم تذكر الكابل.
حين أمسكه لم يكن يفكر في إمساكه. جسده قرر. لكن قبل أن يمسكه بلحظة، لحظة واحدة فقط، شعر بشيء. ليس وخزاً ولا ألماً. كان أشبه بنبضة. نبضة واحدة في راحة يده كأن شيئاً استيقظ لثانية ثم عاد للنوم.
فكّر في ذلك طويلاً.
ثم أغمض عينيه أخيراً.
النوم جاء ليس بلطف بل باقتحام، كموجة أسقطته في عمق أسود لا أحلام فيه.
استيقظ على صوت.
صوت قريب. خارج الخيمة مباشرة.
فتح عينيه ولم يتحرك. أذناه تعملان قبل أن يتحرك أي شيء آخر في جسده. صوت خطوات. اثنان، ثلاثة أشخاص. يتكلمون بصوت منخفض يحاولون إخفاءه لكن الليل الساكن لا يرحم.
"...لا يمكن أن نثق به."
"كيرا قرر."
"كيرا يثق بسهولة."
"كيرا لم يثق به. أعطاه سقفاً وطعاماً. هذا ليس ثقة."
"نفس الشيء."
"ليس نفس الشيء يا إيلان."
توقفت الخطوات. على بعد أمتار من الخيمة على ما يبدو.
"أنا أقول فقط إننا لا نعرف من هو. ظهر من العدم. لا معسكر، لا رفاق، لا جروح تذكر. كيف بقي وحيداً في الخلاء؟"
"ربما هو قوي."
"أو ربما أرسله أحدهم."
صمت.
"تقصد الخونة."
"أو أسوأ."
جلس جونا ببطء شديد. لا صوت لحركته. نظر إلى مدخل الخيمة، الرجل الطويل ذو الندبة لم يعد هناك. متى غادر؟
الأصوات خارجاً ابتعدت.
قام وقف عند حافة الخيمة. أطلّ من شق ضيق في القماش.
ثلاثة رجال يمشون بعيداً نحو حافة المعسكر. أحدهم يحمل شيئاً مضيئاً بضوء أزرق خافت بين يديه، شيء يشبه الكرة الصغيرة لكن يتحرك داخله شيء حي.
ريكو.
أول مرة يراها بعينيه بوعي تام.
تابعهم حتى اختفوا بين الخيام. ثم عاد وجلس.
لم ينم بعدها.
الصبح جاء بلون برتقالي غريب.
ليس شروق شمس عادي. كان كأن السماء تتورم ببطء من اللون البنفسجي إلى البرتقالي الداكن قبل أن تستقر على شيء بين الاثنين. ضوء كافٍ لترى لكن ليس كافياً ليجعلك تشعر باليوم.
خرج جونا من الخيمة.
المعسكر بدأ يتحرك. نساء تشعل النيران الصغيرة. أطفال يخرجون نصف نائمين. رجل يحمل دلواً من الماء من جهة لجهة. الحياة اليومية في أبسط وأقسى صورها.
بعضهم نظر إليه. معظمهم تجنّب النظر.
وجد كيرا يجلس على صخرة مسطحة قريبة من النار الكبيرة. في يده كوب من شيء يتصاعد منه بخار. ينظر إلى الأفق البعيد بعيون شبه مغلقة كشخص لم ينم جيداً.
جلس جونا بجانبه دون أن يُستدعى.
لم يقل كيرا شيئاً لدقيقة كاملة.
ثم:
"نمت؟"
"قليلاً."
"الليل الأول صعب دائماً."
"سمعت أصواتاً."
توقف كيرا عن النظر إلى الأفق والتفت إليه.
"أصوات الخلاء؟"
"أصوات ثلاثة رجال يتحدثون عني خارج الخيمة."
لم يتغير وجه كيرا. لكن شيئاً خلف عينيه الصغيرتين تحرك.
"وماذا سمعت؟"
"أن أحدهم يعتقد أنني ربما أرسلني أحد." توقف جونا. "من هم الخونة؟"
نظر كيرا إليه طويلاً. ثم شرب من كوبه بهدوء. وضعه على الأرض.
"في كل تجمع بشري بعد نهاية العالم يوجد من يختار نفسه على الجميع." بدأ كيرا ببطء. "بعضهم يبيع معلومات. بعضهم يفتح الطريق للوحوش. وبعضهم يعمل لحساب من تبقى من الفضائيين."
جمّد جونا.
"الفضائيون لا يزالون هنا؟"
"بعضهم." أجاب كيرا بنبرة من يقول شيئاً معروفاً. "لم يرحلوا كلهم. من بقي منهم لا يريد إعادة الحرب. يريد شيئاً آخر." توقف. "لكننا لا نعرف ماذا بعد."
"ومنذ متى والخونة موجودون؟"
"منذ أن وجد الناس ما يخسرونه."
التفت جونا إلى المعسكر. الناس يتحركون. يطبخون. يتحدثون. أطفال يضحكون على شيء لم يسمعه. منظر عادي لو لم يكن تحت سماء خاطئة اللون فوق أرض متشققة السواد.
"أحتاج أن أعرف أين أنا بالضبط."
"أنت في ما كان يسمى قبل الحرب المنطقة الوسطى من القارة الثالثة." قال كيرا. "الآن لا أحد يسمي الأماكن بأسماء رسمية. نحن نسميها بما يميزها. هذا المكان نسميه الرماد."
"الرماد."
"لأن كل شيء هنا محروق أو في طريقه للاحتراق."
صمت لحظة.
ثم قام كيرا ونظر إليه من فوق.
"تعال."
قادهم عبر المعسكر إلى حافته الشرقية حيث الأنقاض تبدأ وتنتهي الخيام. هناك كانت مجموعة من الرجال والنساء يتدربون. بعضهم يتبادل الضربات بأسلحة بيضاء. وثلاثة منهم يقفون في مسافات متفرقة يركّزون على شيء ما.
الأول رفع يده ومنها انبثق شريط من الكهرباء الأزرق طوق ذراعه كسوار ثم اختفى.
الثانية فتحت راحتها وعليها كرة من الهواء المضغوط تدور بشكل مرئي تحرك شعرها وملابسها.
الثالث كان يحدق في حجارة صغيرة أمامه. واحدة منها ارتفعت ببطء عن الأرض سنتيمترات قليلة ثم سقطت والرجل يتنهد بإرهاق.
ريكو.
جونا وقف ويراقب.
لم يشعر بدهشة. شعر بشيء أقرب إلى التعرف. كأنه يرى شيئاً كان يعرفه من قبل ونسيه.
"كم منهم لديه ريكو؟" سأل.
"من البالغين في المعسكر؟ معظمهم." أجاب كيرا. "من يولد هنا الآن يُولد بريكو دائماً. القدامى الذين عاشوا قبل الحرب، بعضهم لا يزال بلا قوة."
"وأنت؟"
نظر إليه كيرا.
مدّ يده وعلى راحتها ظهر شيء. ليس ناراً ولا هواءً. كان الضوء نفسه. بقعة ضوء بيضاء شديدة كالشمس المصغرة تتركز في نقطة ثم تنطفئ.
"أرى في الظلام." قال كيرا ببساطة. "وأرى ما يريد الآخرون إخفاءه أحياناً."
نظر جونا إلى يده الخاصة.
"وأنا؟"
"هذا ما أريد أن أعرفه."
أومأ كيرا نحو الساحة.
"اذهب هناك. حاول."
نظر جونا إلى الساحة. الذين كانوا يتدربون توقفوا وينظرون إليه الآن بفضول لا يخفيه أحدهم.
مشى إلى وسط الساحة.
وقف.
لا يعرف ماذا يفعل. لا يعرف كيف تعمل الريكو. لا يعرف حتى إن كانت موجودة فيه أصلاً.
أغمض عينيه.
تنفس.
وانتظر.
لم يحدث شيء.
ثلاثون ثانية من الصمت المحرج. شعر بنظرات الجميع عليه كأوزان.
ثم، دون أن يقرر أي شيء، مدّ يده نحو قطعة معدنية صدئة ملقاة على الأرض على بعد أمتار منه.
وشعر بها.
ليس بعينيه. بشيء آخر. شعر بوزنها بشكل غريب غير مباشر كأن طرف خيط ربط راحة يده بالمعدن. شعر بصدأها وتشققاتها كأن جلده يلمسها رغم المسافة.
ارتجفت القطعة.
الجميع رآها. مسحة رعشة سريعة لم تدم أكثر من ثانية ثم توقفت.
فتح جونا عينيه.
نظر إلى راحة يده.
تلك النبضة من أمس. عادت. لكن هذه المرة لم تختفِ بسرعة. بقيت لحظة، ترتعش تحت جلده كشيء حي يحاول أن يجد طريقه للخارج ثم هدأت ببطء.
التفت إلى كيرا.
كيرا ينظر إليه بتلك العيون الصغيرة التي تقرأ أكثر مما ترى.
لم يبتسم. لكن قال بهدوء:
"إذن أنت لست فارغاً."