بقي جونا واقفاً في وسط الساحة.

عيناه على راحة يده. تلك النبضة التي شعر بها لم تختفِ تماماً، بل تراجعت إلى مكان ما في عمق ذراعه كجمر تحت رماد. موجودة. تتنفس. تنتظر.

اقترب منه رجل من المتدربين.

كان في العقد الثالث من عمره، بشرته فاتحة محروقة من الشمس، شعره البني القصير مغطى بغبار الرماد الأسود، وعيناه خضراوان بشكل لافت في هذا المكان الذي يبدو أن الألوان تهرب منه.

"ماذا كان ذلك؟"

سأل بفضول لا عدائية فيه.

"لا أعرف بعد." أجاب جونا.

"رأيت القطعة ترتجف. معدن؟"

لم يجب جونا. نظر إلى القطعة الصدئة على الأرض. ثم مدّ يده مجدداً نحوها.

هذه المرة لم يغمض عينيه.

ركّز.

شعر بذلك الخيط غير المرئي يمتد مرة أخرى. أرق من الخيط في الحقيقة، أشبه بوعي ممتد، كأن يده امتدت في الهواء حتى لمست المعدن دون أن تتحرك.

ارتفعت القطعة.

ببطء شديد. سنتيمتر واحد. اثنان. ثلاثة.

ثم سقطت.

شعر جونا بإجهاد خفيف خلف عينيه. ليس ألماً. أقرب إلى الشعور بعد قراءة طويلة في ضوء خافت.

"معدن." قال الرجل ذو العينين الخضراوين بتأكيد هذه المرة. ثم مدّ يده. "أنا زيف."

نظر جونا إلى يده لثانية. ثم صافحها.

"جونا."

"من أي معسكر؟"

"من لا مكان."

رمش زيف. ثم ابتسم بشكل خفيف كأن الإجابة أعجبته لسبب ما.

"من لا مكان. حسناً." ثم أشار إلى القطعة المعدنية على الأرض. "هل جربت أكثر من الرفع؟"

"هذه المرة الأولى."

"الريكو لا تكتفي بفعل واحد." قال زيف وهو يجلس على الأرض بأسلوب من يستعد لشرح طويل. "أنا مثلاً، كهرباء. في البداية كنت فقط أشعل إصبعي. الآن أستطيع أن أرسل شرارة تسقط إنساناً على بعد عشرة أمتار." توقف. "الريكو تنمو مع الوقت والتدريب والضغط."

"والمعدن؟" سأل جونا.

"المعدن واسع." قال زيف. "رأيت صاحب ريكو معدنية من قبل. كان يستطيع أن يسحب السلاح من يد خصمه من مسافة بعيدة." نظر إليه. "لكن ريكو المعدن في أعلى مستوياتها..." توقف وكأنه يختار كلماته. "يقولون إن أصحابها يستطيعون أن يذيبوا المعدن ويعيدوا تشكيله."

جونا نظر إلى القطعة الصدئة على الأرض.

في عقله صورة غريبة ظهرت دون استئذان. المعدن يتدفق كماء بين أصابعه. يتشكل. يتحول. يصبح ما يريده أن يكون.

ليس تخيلاً فارغاً. شعر بأن هذه الصورة ليست من إبداعه. كأنها ذاكرة لشيء لم يحدث بعد أو حدث ونسيه.

"أو أكثر من ذلك." قال جونا بهدوء.

نظر إليه زيف.

"ماذا تقصد؟"

لم يجب.

في المساء جمع كيرا بعض أهل المعسكر حول النار الكبيرة.

لم يكن اجتماعاً رسمياً. لم تكن هناك خطب أو إعلانات. فقط ناس يجلسون حول النار ويتكلمون عن اليوم القادم كما يفعل كل يوم من يعيش في مكان يتهدده الخطر من كل اتجاه.

جلس جونا على أطراف الدائرة. يستمع أكثر مما يتكلم.

تكلموا عن مخزون الطعام الذي بدأ ينضب. وعن مجموعة ذهبت للبحث عن إمدادات منذ ثلاثة أيام ولم تعد بعد. وعن أصوات سُمعت من الجهة الشمالية الليلة الماضية، أصوات لم يعرفوا مصدرها لكن أحدهم قال إنها تشبه صوت قطيع يتحرك.

"قطيع من ماذا؟" سأل أحدهم.

"لا أعرف." أجاب الذي أخبرهم. "لكنه كان كبيراً."

صمت قصير.

ثم قالت امرأة تجلس على يسار جونا لم ينتبه إليها إلا الآن:

"الوحوش تتجمع دائماً قبل أن تهاجم."

نظر إليها.

كانت في منتصف الثلاثينيات ربما. شعرها الأسود الطويل مضفور خلف رأسها. وجهها هادئ بشكل مثير للقلق، نوع من الهدوء الذي لا يعني الطمأنينة بل يعني أن صاحبه رأى ما يكفي ليتوقف عن الانزعاج.

"يارا." قالت دون أن ينظر إليها أحد كمن يعرّف نفسها للغريب الوحيد في الدائرة.

"جونا."

"أعرف." ثم أضافت ببرود. "الجميع يعرف. أنت الحديث الوحيد في المعسكر منذ أمس."

"وماذا يقولون؟"

"نصفهم يقول إنك خطر. والنصف الآخر يقول إنهم لا يهتمون طالما تقاتل معهم."

"والثالث؟" سأل جونا.

"ليس هناك نصف ثالث في الرياضيات."

"في هذا الكوكب يبدو أن كل شيء مختلف."

نظرت إليه للمرة الأولى منذ بدأت الحديث. شيء خفيف مرّ في عينيها لم يستطع تسميته.

"النصف الثالث إن أردت أن تخترعه هو أنا." قالت. "لا أهتم بمن أنت ولا من أين أتيت. أهتم فقط بما ستفعله."

"وإن لم أفعل شيئاً؟"

"إذن لست مهماً بما يكفي لأضيع وقتي فيك."

قالتها وعادت تنظر إلى النار بنفس الهدوء الذي كانت عليه.

جونا نظر إليها لحظة. ثم نظر إلى النار أيضاً.

لأول مرة منذ استيقظ في الخراب شعر بشيء يشبه الاحترام تجاه شخص لم يعرفه قبل دقائق.

بعد انتهاء الاجتماع غير الرسمي، حين تفرق الناس إلى خيامهم، بقي جونا وحده قرب النار.

أخرج القطعة المعدنية الصغيرة التي أخذها من الساحة.

وضعها على راحة يده اليسرى.

نظر إليها.

تلك الصورة التي رآها في عقله في الصبح عادت. المعدن يتدفق كماء.

حاول.

ركّز على القطعة بنفس الطريقة التي رفعها بها. شعر بذلك الوعي الممتد يلتف حول المعدن الصدئ. لكن هذه المرة بدلاً من أن يدفعها للأعلى، حاول شيئاً آخر.

حاول أن يضغط.

وأن يشكّل.

في البداية لم يحدث شيء. القطعة بقيت قطعة.

ثم، ببطء شديد جداً، كأن الزمن نفسه يتردد، بدأت حافة القطعة تتغير. لم تذب. لم تحترق. لكنها انثنت. انثناءة رفيعة طفيفة جداً كأن شخصاً ضغط عليها بإصبعه.

سقطت القطعة من يده.

وسقط هو على ركبتيه.

ألم حاد خلف عينيه انتشر حتى قاعدة جمجمته. تنفس بشكل متقطع. ويده ترتجف.

لكن نظر إلى القطعة على الأرض.

الانثناء كان حقيقياً.

جلس ببطء على الأرض. ويده لا تزال ترتجف خفيفاً. النار أمامه تتراقص.

"تجهد نفسك أكثر مما يجب."

صوت خلفه.

التفت.

كيرا يقف في الظلام خلفه. لم يسمع خطواته. يمسك كوبه الدائم.

"كنت تراقبني؟"

"أراقب معسكري دائماً." جلس كيرا بجانبه على الأرض بحركة تعب واضحة فيها. نظر إلى القطعة المنثنية. "الريكو ليست عضلة. لا تقوى بالضغط وحده."

"ماذا تقوى به؟"

"بالفهم." قال كيرا. "عليك أن تفهم ما تتحكم فيه. المعدن له طبيعة. له وزن وحرارة وبنية داخلية. كلما فهمته أكثر كلما أطعت يدك أكثر."

نظر جونا إلى القطعة.

"تقصد أن أحسّ به."

"أحسن من ذلك." قال كيرا. "تقصد أن تصبح أنت المعدن للحظة."

صمت طويل.

ثم قال جونا بهدوء:

"رأيت في رأسي صورة. المعدن يتدفق كالماء. يتشكل."

لم يتغير وجه كيرا. لكنه أخذ رشفة من كوبه ببطء غير طبيعي.

"هذه ليست صورة عشوائية."

"أعرف."

"ريكو المعدن في أعلى مستوياتها لا تعني فقط رفع الأشياء أو سحبها." قال كيرا بنبرة من يختار كلماته بعناية. "يعني أن المعدن في يدك يصبح مثل الطين في يد النحّات. تشكّله، تمدّه، تقلّصه، تحوّله من شيء إلى شيء آخر." توقف. "لم أرَ أحداً وصل لهذا المستوى منذ سنوات طويلة."

"من وصل إليه؟"

نظر كيرا إلى النار.

"شخص لم يعد موجوداً."

لم يسأل جونا أكثر.

بعض الأسئلة لها أوقاتها.

في الليل حين عاد إلى الخيمة. مدّ يده في الظلام ووضع القطعة المعدنية على صدره.

أغمض عينيه.

ولم يحاول هذه المرة أن يتحكم في أي شيء.

فقط أحسّ.

أحسّ بثقل المعدن على صدره. ببرودته الخفيفة. بملمسه الخشن المتشقق. بشيء أعمق من ذلك. بنيته الداخلية التي لا تُرى. بالطريقة التي تترتب بها جزيئاته بشكل لا يراه بعيناه لكنه بدأ يشعر به بشيء آخر لا اسم له بعد.

وبينما كان يحسّ بكل ذلك ببطء.

انثنت القطعة على صدره.

بهدوء تام دون مجهود دون ألم دون ارتجاف.

انثنت مثل قطعة قماش رقيق تطيه بإصبعيك.

فتح عينيه في الظلام.

لم ير القطعة لكنه حسّ شكلها الجديد.

ولأول مرة منذ استيقظ في هذا الكوكب الغريب.

لم يسأل نفسه من هو.

لأن جزءاً صغيراً منه بدأ يعرف.

وهذا الجزء كان مخيفاً بقدر ما كان مثيراً.

2026/05/22 · 2 مشاهدة · 1135 كلمة
نادي الروايات - 2026