في العصور التي سبقت توحيد الشرق، حين كانت الجبال تُحكِّم مصير البشر أكثر من الملوك، وُلدتُ باسمٍ لا يعرفه أحد.

أما الاسم الذي يعرفونه… فهو قناع.

كنتُ تلميذًا عاديًا في ديرٍ حجريٍّ معلّق على سفح جبل «تشين-راو»، ديرٌ يجمع بين حكمة الشرقين: صمت الزِنّ الياباني، وتأملات الطاوية الصينية. هناك تعلّمنا أن أقوى سلاح ليس السيف، بل القدرة على إخفاء ما أنت عليه حقًا.

لم يكن أحد يعلم أنني أسمع همس الجبال.

ولا أنني أرى ما تخفيه الظلال حين ينام الآخرون.

في تلك الليلة، انكسر القمر نصفين خلف الغيوم، وسقط الثلج كأنه رماد قديم. ناداني المعلّم «هايكو» إلى قاعة السجلات. كانت القاعة لا تُفتح إلا عند موت إمبراطور… أو ولادة لعنة.

قال لي دون أن ينظر في عيني:

«النسخة التي تُظهرها للناس أنقذتك حتى الآن. لكن النسخة التي تُخفيها… ستدمّرك إن لم تواجهها.»

وضع أمامي لفافة قديمة مختومة بختم التنين الأسود. حين لمستها، شعرت بنبضٍ لا يشبه نبض البشر، كأن شيئًا في داخلي تذكّر نفسه فجأة.

اللفافة لم تكن نبوءة، بل اعترافًا

.

اعترافًا كُتب بيدي… في حياةٍ سابقة.

تحدّثت عن رجلٍ اسمه وانين، سيفٍ بلا راية، خادمٍ لإمبراطورٍ لم يستحق الولاء، ورجلٍ اختار الخيانة لا طمعًا، بل رحمة.

كان وانين أنا.

أو النسخة التي أخفيها عن نفسي.

في عالمنا، يُولد بعض البشر بقدرة تُسمّى «الظل الداخلي»؛ قوة لا تظهر إلا حين ينكسر صاحبها تمامًا. من يُوقظها دون استعداد، يتحوّل إلى وحش. ومن يقمعها… يعيش نصف حياة

.

أنا قَمَعتُها طويلًا

.

حين هاجم جنود الإمبراطورية الدير مع الفجر، لم أركض. لم أصرخ. فقط تنفّست كما علّموني… ثم تركت القناع يسقط.

تحرّكت الظلال من تلقاء نفسها.

انحنت الريح.

وانكسر أول سيف قبل أن يلمسني.

لم أقتل أحدًا. لم أحتج.

لكنهم رأوا في عيني ما يكفي ليهربوا.

بعدها، لم يعد الدير مكانًا لي. فالعالم لا يسمح لمن يعرف حقيقته أن يبقى في مأمن. سلّمني المعلّم سيفًا بلا اسم، وقال:

«اذهب. تعلّم لماذا خُنتَ في الماضي، قبل أن تُجبر على الخيانة مرة أخرى.»

سرتُ نحو الشرق، حيث الإمبراطوريات تتصارع، وحيث الأساطير لم تمت بعد، بل تنتظر من يوقظها.

كنت أعلم أنني سأواجه آلهة كاذبة، وحكماء مكسورين، وأناسًا سيحبّون النسخة التي أُظهرها…

لكنهم إن عرفوا النسخة التي أخفيها، قد يختارون قتلي.

وربما… أختار أنا أن أكون ما يخافونه.

لأن أخطر نسخة من الإنسان،

هي تلك التي تعرِف الحقيقة…

وتقرّر رغم ذلك أن تعيش.

لم يكن الطريق إلى الإمبراطورية مفروشًا بالحجارة،

بل بالذكريات التي حاولت نسيانها.

كلما اقتربتُ من السهول الشرقية، تغيّر الهواء. لم يعد صافيًا كما في الجبال، بل مثقلًا برائحة الحديد والعرق والسلطة. رايات الإمبراطورية كانت تُرى من مسافات بعيدة؛ تنانين مذهّبة على قماشٍ داكن، تلمع تحت الشمس كأنها تراقب من يمرّ.

أخفيتُ سيفي تحت عباءةٍ رمادية، واخترت اسمًا بسيطًا عند البوابات:

لين.

اسم لا يحمل تاريخًا… ولا يثير الشك.

مدينة «هوان-تشين» كانت أولى المدن الإمبراطورية. ضخمة، صاخبة، تعيش على حافة الانفجار. تجار، مرتزقة، رهبان، وجنود بعيون باردة لا تنظر إليك… بل من خلالك.

هنا، لا يُسأل الرجل عمّا يخفيه، طالما يُحسن إخفاءه.

لكن الظل داخلي لم يكن مرتاحًا.

كلما خطوتُ خطوة داخل الأسوار، شعرتُ به يتحرّك، كحيوانٍ مستيقظ حديثًا. لم يتكلم، لم يصرخ… فقط كان يراقب.

وأنا؟

كنتُ أقاوم الرغبة في الالتفات إلى داخلي.

في نُزلٍ متواضع قرب السوق السفلي، التقيتُ بأول خيط.

رجلٌ مسنّ، بعينٍ واحدة، وذراعٍ مبتورة، يراقب الداخلين دون أن يطلب شيئًا. حين جلستُ، قال بصوتٍ خافت:

«السيوف التي بلا أسماء… لا تأتي هنا عبثًا.»

تجمّدت يدي على الكأس.

لم أنكر. في الإمبراطورية، الإنكار ضعف.

قلت فقط: «أنا مسافر.»

ضحك، ضحكة بلا أسنان.

«كلنا مسافرون… لكن بعضنا يهرب من نفسه.»

تحدّث عن المراتب، عن القصور التي تحكم من خلف الجدران، وعن شيء يسمّونه همسًا:

نظام المسارات.

2026/02/03 · 9 مشاهدة · 577 كلمة
The dark
نادي الروايات - 2026