من قمة السماء ، هوى و سقط الشيطان .
سقوط ويسكر لم يكن عاديا .. فجسده الشيطاني نزل إلى الهاوية ببطء بينما تفتت اجنحته العظيمة الى ما شابه الرماد ..
هجوم جيرمان الأخير خلف حفرة عملاقة داخل صدر ويسكر ، نار الصقيع الباردة دمرت جزءا كبيرا من جسده الشيطاني و كانت لا تزال تتوغل به مدمرة ما تبقى منه .
من الاعلى .. حدق جيرمان بويسكر بأعين متعبة ، و وجه بدأت تعمه التشققات و كأنه تمثال عصف به تأثير الزمن .
"ويسكر ، لطالما كنت أنت أحد اعظم سادة المصير بهذا العالم .. تتلاعب بالقدر و كأنه مجرد اداة لك تساعدك على تحقيق مآربك "
رفع جيرمان يده ، بينما تفتت حلقات الزمن الخاصة بيد الحاكم .
"لقد أخطأت يا شيطان الرتبة الرابعة ، فما المصير بالشيء الذي يستطيع امثالنا العبث به .. نحن اقوياء بما يكفي لاحداث تموجات .. لكن في النهاية ، تيار القدر سيواصل المضي كما كان مخططا له بغض النظر عن ارادتنا نحن ."
"أقصى ما نستطيع فعله .. هو محاولة استغلال ذلك التيار لصالحنا ، و هذا ما فعله ملك الشياطين ضدي بالماضي البعيد .. و ما فعلته انا ضدك اليوم ."
هذه المرة .. عين الملك لم تسعف ويسكر ، و القوة العظيمة التي حصل عليها من ملك الشياطين لم تساعده على الفوز ..
سقوط ويسكر و تفتته لرماد كان مشهدا ساحرا جذب اعين جيرمان ، و ابراهام ستارلايت الذي كان لا يزال موجودا بالقرب بعدما تحمل هجوم المجال المثالي سابقا ..
ابراهام حدق بويسكر لبرهة .. قبل ان يدير اعينه ناحية جيرمان ..
ابراهام كان شديد الفطنة و الملاحظة .. و الحذر .
و المعركة الاخيرة اثارت عديد التساؤلات داخل عقله حول المهندس ..
" يا ترى .. الى أي مدى خطط ذلك الرجل ؟ كم من هذه الأحداث توقع مسبقاً ؟ "
بوضع انتصارهم العظيم جانبا .. ابراهام قرر الحذر من جيرمان ، فهذا الأخير لربما كان متلاعبا اسوء حتى من ويسكر .. و أقوى منه .
جيرمان بطبيعة الحال كان على دراية بافكار ابراهام ، فهو يعرفه جيدا بعدما راقبه لوقت طويل ، الاب كان اذكى بكثير من ابنه ..
و بالحديث عن الابن .
فراي ستارلايت كان لا يزال هناك بالاسفل يراقب سقوط ويسكر غير مصدق .
"ذلك الشيطان الملعون ... ويسكر ، بل ايغون .. سقط ؟ انتهى ؟ مات ؟"
ممسكا بآدا المغمى عليها بين ذراعيه .. لم يكد فراي يصدق .
ويسكر كان متقدما دوما بخطوات عديدة عليهم ما جعل امر سقوطه امرا لا يمكن تصديقه ..
فراي و بدون وعي منه بعد صدامه المتكرر ضد شيطان الرتبة الرابعة قد طور خوفا معينا تجاه ذلك الشيطان .
شعر و كأنه مهما حاول و مهما فعل .. سيظل لعبة براحة يد ذلك الشيء .
لكن ها هو ذا امام عينيه يسقط مصروعا على يد المهندس ازرق العينين جيرمان .
"قال ان اسمه القديس جيرمان .. أي نوع من الاشخاص كان هذا الرجل بالماضي ؟ "
تساءل فراي بينما وجه بصره ناحية جيرمان .. هذا الأخير انعكس داخل اعينه ، و داخل اعين نايملس تواليا الذي كان يرى المشهد نفسه ..
"..."
نايملس لم يقل شيئا ، فوجوده و كيانه الحالي كان ناقصا و اجوفاً .. مجرد ذكريات و معلومات خزنها القناع .. ذكريات اتخذت هيأته الحالية ، بعيدا عن كيانه و شخصيته الحقيقية .
لكن حتى هيأته الناقصة هذه تذكرت جيرمان بوضوح .. الرجل الاقوى داخل طائفة الظلال و الوعاء المثالي الذي صنعه ذات يوم .
نايملس وجد جيرمان بإيريثيل .. كوكب الصقيع الذي تعرض ذات يوم لبطش الشياطين .
مخلوقات النار التي عاشت بايريثيل يعتبرون احد أقوى الاجناس على الإطلاق فهم يملكون أحد القوى السبع العظمى داخل صفوفهم ، بالإضافة لعديد المحاربين العظماء .
لكن و عندما جاء غزو الشياطين بقيادة اغاروث بنفسه بالماضي البعيد .. لم يكن فوردت .. السادس بين القوى السبع العظمى من واجه اغاروث .
بل كان شخصا آخر تماما .. محارب بدون نسب ولا اصل ، مجرد مقاتل متجول لكنه كان شديد القوة و الوقار لدرجة تلقيبه بالقديس ..
جيرمان قاتل أغاروث يومها و مات على يد ملك الشياطين ..
رغم موته ، الى انه خاض معركة ارضت اغاروث نفسه ، لدرجة ان هذا الأخير اعترف بقوته ، فجيرمان خلف ضررا حقيقيا على ملك الشياطين يومها .
بفضل المعركة التي خاضها جيرمان ، لم تغزوا الشياطين ايريثيل بالكامل ، و اصبح ذلك الكوكب حالة شاذة حيث سقطت نسبة منه بيد الشياطين ، و نسبة أخرى بقيت تحت سيطرة مخلوقات النار .
مع مرور الزمن .. مات نصف الكوكب ، بينما ظل النصف الآخر حيا .
كل ذلك بفضل جهود رجل واحد ..
لكن ما لم يتم ذكره بالسجلات و حذف من التاريخ ، كان شيئا حدث يومها بعيدا عن كل الاعين و لم يسمع عنه احد .
فبساحة المعركة التي جمعت بين جيرمان و أغاروث .. كان هنالك شخص ثالث تواجد بالقرب و شاهد كل شيء ، تم تدخل بنفسه في النهاية .
ذلك الشخص لم يكن سوى نايملس نفسه .. و ذلك كان صدامه و لقاءه الأول مع أغاروث .. اللقاء الذي لا يعرف أحد عن حدوثه .. فالعالم اجمع يجسب أن صدامهم الاول حدث بعدها بسنين طويلة .
نايملس قاتل أغاروث يومها و كان سببا مباشرا بنجاة ايريثيل .
هذا كان موجودا بذكريات نايملس الحالي ، لكن شيئا ما كان مفقودا ..
اللقاء الاول بين أغاروث و نايملس ..
يومها .. قال ملك الشياطين شيئا ما .. شيء محوري و فاصل ، شيء مهم جدا .
نايملس الحالي وجد نفسه غير قادر على بناء تلك الذكريات بشكل صحيح ، و لم يستطع تحديد ما قاله اغاروث ما اثار حيرته .
لماذا كانت تلك الذكريات مجوبة ؟
هو تذكر بوضوح وجه ملك الشياطين يومها .. شعره الأسود الطويل الذي يتطاير بكل مكان مثل المجسات .. اعينه الحمراء الدموية .. وجهه شديد البياض الذي يغطيه ذلك السواد الضبابي .. و ابتسامته الموقرة .
نايملس شعر بأنه نسي شيئا مهما جدا حيال ذلك اليوم .. شيء وجب عليه تذكره . و هذا ما لم يكن ليحدث الآن على ما يبدو ..
لاحقا ، استطاع نايملس اخذ جيرمان و جعله جزءا من تجاربه الخاصة .
جيرمان كان قويا جدا و لم يكن من السهل التلاعب بروحه ولا بناء وعاء يستطيع تحمل قوته العظيمة .
كان ذلك بمثابة الاختبار النهائي و المطلق لفلسفة الحياة و الموت الخاصة بنايملس ، ما نتج عنه الوعاء المثالي الاكثر كمالا على الاطلاق .
و هذا هو المهندس .. جيرمان الحالي .
رجل كهذا لم يكن مجرد تابع ، بل شخص لديه افكاره الخاصة و اهدافه التي لا يعلم عنها أحد ..
فياترى ، مالذي يهدف اليه جيرمان ؟ و ما السبب الذي يجعله يناضل كل هذه السنين الى ان حطمه الزمن ..
لا فراي ولا نايملس الحالي عرفا الإجابة .. فهي سر قدر له أن يظل مخفيا لوقت اطول بعد .
لكن اليوم .. ويسكر سقط .
كان فراي يشاهد ذلك السقوط ، قبل أن تضرب موجة من الصداع الحاد رأسه ، و يغمض اعينه جزئيا ..
"اللعنة .. لا ازال غير قادر على ادراك وضعي الحالي .." لعن فراي بعدما لم يستطع بسط سيطرته بعد على كل القوى الجديدة التي حصل عليها .
لقد فتح مرحلتين اضافيتين من تأقلم الظلال ، لكنه لا يزال غير ملم بما منحته له تلك المراحل الاضافية ..
كل هذا كان مصحوبا بشعور مشؤوم لم يفارق فراي قط منذ بدأت المعركة ..
و كأن شيئا ما يتربص بالهواء من حوله ..
شيء اقرب وصف له .. هو الموت .
"هنالك شيء ما غريب .. شيء لا أستطيع تحديده ."
تفحص فراي محيطه بينما شد قبضته من حول آدا ، فحمايتها كانت الاولوية القصوى ..
من جهة اخرى ، سقط جسد ويسكر فوق الارض أخيرا بينما تحطم جزء كبير منه الى رماد .
كان شيطان الرتبة الرابعة الاعلى بحالة مزرية لم يختبر مثيلها من قبل بحياته .
وجهه المرعب ذاك قد اصبح دمويا تماما ، و كانت عين الملك الشيء الوحيد الذي نبض ببعض الحياة .. فما عدا وهجها الاحمر ذاك ، فقد ويسكر الضوء من اعينه الأخرى .
بهذه الاثناء ، انضم ابراهام لجانب جيرمان .
"الا يجب علينا انهاءه بهجوم آخر ؟" سأل ابراهام بينما هز جيرمان رأسه .
"لا ، فهو لن ينجو من هجومي الأخير و سيدمره الصقيع السرمدي بشكل كامل قريبا ."
لم يكن هنالك من مجال للخطأ ، فجيرمان تأكد من ان ويسكر لن يستطيع القتال بعد الآن .
لكن ابراهام لم يقتنع ، فهو مد يده مشكلا سيفا من الضوء النقي .
"لقد علمتني ساحة المعركة شيئا مهما ، و هو أن لا اعطي العدو الفرصة للنهوض مجددا مهما كانت تلك الفرصة ضئيلة ."
ابراهام اندفع فورا ناحية جثة ويسكر معولا على محو ما تبقى منه من الوجود .
كل ذلك حدث تحت انظار جيرمان الذي لم يحرك ساكناً .
"أنت لم تخطئ بكلمة يا ابراهام ، فكلامك صحيح ." قال جيرمان قبل ان يرفع رأسه ناحية السماء .
المعركة التي حدثت سابقا بددت كل الغيوم و السحاب ما جعل سماء الليل المرصعة بالنجوم بارزةً تماما ، نجوم زينت السماء ملتفةً حول قمر مشقوق تردد حطامه من حوله بشكل سحري .
اعين جيرمان اضاءت بوهج ازرق عميق ، بينما غمرت وجهه معالم الوقار ، و البرود .
"قريبا ، سيبدأ الكابوس ، سيستيقظ الموت ، و سينزل الملك .. و ستتحطم السلاسل .. "
مد جيرمان يده ، بينما زادت اعينه وهجا على وهج ، و كأنه يتلو نبوأة من نوع ما ..
"سيختل التوازن ، و سيموت الاقربون ، و ستبدأ النهاية .. التحطم قريب ، سيكون حدثا مروعا ، و مظلما ."
"لكن ضروريا ."
انزل جيرمان رأسه نحو الاسفل مظهرا وجها خاليا تماما من المشاعر .
"لقد بدأ العد التنازلي ، و بعد 72 يوما من الأن سيبدأ حدث التحطم .. لتحقيق ذلك .. "
لوهلة .. اظلم وجه جيرمان.
"هذه المعركة .. يجب ان تستمر"
وسط سماء الليل ، وقف جيرمان يحلق وحيدا .
ابراهام ظهر على الفور امام جثة ويسكر ملوحا بسيفه .. ثم ما هي سوى لحظات ليصطدم السيف بشيء غريب .
شيء بارد .. شيء صلب .. شيء شرير .
اول من لاحظه كان ابراهام بطبيعة الحال ، ثم جيرمان و فراي تواليا ..
فمن داخل جثة ويسكر ، خرج شيء صد سيف ابراهام موقفا اياه وسط الطريق .
ابراهام تفاجأ ، غير قادر على التوغل ..
"هذا .. ظل ؟" قال ابراهام عابسا ، غير قادر على معرفة من اين جاءت تلك اليد التي بدت و كأنها مصنوعة من الظلال .
في تلك اللحظة ، سمع الجميع صوتا غريبا و دخيلا ..
"أخي الغبي المسكين .. أخيرا قدت نفسك نحو هلاكك .."
كان صوتا شريرا جعل القشعريرة تغمر المستمعين .. ثم بلمح البصر .
ضربت قوة مهولة ابراهام مرسلة إياه بعيدا إلى أن اصطدم بالارض بعيدا ..
جيرمان نزل ببطء من السماء ، بينما وقف فراي متوترا ..
جثة ويسكر الدموية غرقت ببطء داخل الظل ، الى ان اختفت تماما ، ثم بدلا منه .. خرج شيء آخر .
ببطء .. مشكل جسدها داخل الفراغ نفسه .. كانت شيطانة شديدة الشبه بويسكر .. شعرها كان بنفسجيا طويلا ، و اعينها تتوهج بنفسه اللون .
جاءت عارية تماما مبدية جسدها الشيطاني بدون حواجز تلفه باجنحتها و ظلالها المظلمة ..
وجودها كان خانقا .. و اسوء بكثير من ويسكر ..
اعينها مسحت المكان باكمله بلمح البصر ، و تعرفت على اعدائها فورا ..
"الوضع هنا اسوء مما ظننت .." تحدثت بصوت بارد ، فرد عليها جيرمان .
"أجئت رغبة بانقاذ أخيك ؟ هذا مؤثر ."
ابتسم جيرمان ، جامعا يديه ..
"لم اتصور أن الشياطين تقدر العلاقات العائلية ، ايتها الرتبة الثالثة ڤاين ."
استفزاز جيرمان جعل ڤاين تضيق اعينها ، بينما توسع الظل من تحت اقدامها ببطء .
"اطبق فاهك ، يا كلب نايملس ."
باشارة منها ... انتشر الظل بكل مكان بسرعة خيالية إلى أن غطى المنطقة باكملها .. و بات الجميع يقفون فوق ظل عملاق ..
ظل الملك .
"نحن شياطين الرتب العليا لسنا بالقمة السائغة ، و قتل احد افرادنا لن يجلب لك سوى الاهوال ." هددت ڤاين قبل ان تبتسم هي الأخرى .
"لكنك لا تبدو متفاجئا من حضوري ، هل لربما توقعت حدوث هذا ؟"
كرد ، اغمض جيرمان اعينه ضاحكا بخفة .
"لا إجابة لدي لاقدمها لك ، فالتلعبي اوراقك بسرعة بهذه المعركة قد طالت ."
"لك ما أردت ." اجابت ڤاين بنبرة مرعبة ، فإذا بضغط مهول يضرب المكان .
و لاول مرة .. عبس جيرمان بعدما خنقه الضغط .
"ظل الملك يتيح لي التحكم بالظلال ، و كنت قد زرعت قوتي داخل ظل أخي منذ زمن طويل تحسبا في حال ما اوشك على الموت ذات يوم ."
"على أي حال .. انا أستطيع الانبثاق من الظلال اينما تواجدت .. كما انني .." تعمقت ابتسامة ڤاين قبل ان تنهي كلامها .
"أستطيع جلب بعض الرفقة معي داخل ظلالي ."
بمجرد انهائها لكلامها .. خرجت اثنان من الوحوش من داخل ظلها ..
شياطين شديدة القوة جعلت الضغط اشد بكثير و بشكل مروع .
الاول كان غريبا ، ليس بشيطان .. بل شيء آخر تماما .
شعره كان ازرق سماويا ، و جسده تجاوز طوله المترين .. جسد طاغي و اطار عريض غمرته العضلات ، كل ذلك مخفي تحت رداء اسود طويل تفرق من خلفه مثل الظلال ..
كان يحمل سيفا عظيما تجاوز حجمه طوله الفارع .. سيف بدا مثل كتلة من الحديد وليس سيف .
ذلك كان وجها يعرفه جيرمان جيدا ..
"الرتبة التاسعة .. نيتو ."
ذاك كان هو الخائن من جنس البانثيون .. نيتو من التنانين .
الوحش الذي شغل ذات يوم رتبة امبراطور تنانين تحت قيادة رقم 1 من القوى السبع العظمى .. اله التنانين ميدير قد جاء اليوم على انه الرتبة التاسعة من الشياطين العليا.
لكن نيتو لم يكن من اثار عبوس جيرمان ، بل هو الشخص الآخر الذي جاء معه .
شيطان .. شيطان مقنع بجسد عادي ، و هالة عادية .. لكن حضوره كان مختلفا تماما .
كان يضع قناع شبيها بقناع المهرج دو الابتسامة الواسعة ، و لم يبرز شيء سوى اعينه القرمزية .
هو تقدم فورا للامام متجاوزا ڤاين ، واضعا نفسه بالمقدمة و كأنه هو القائد .
"الرتبة رقم 11 .. مضيف الكابوس ، آمون .."
لقد جاء الاعداء من العدم ، و جانب طائفة الظلال بات بوضع غير مؤاتي مرة أخرى .
ابراهام نهض من جديد و كل ما يشغل باله هو ابناؤه ..
فراي من جهة أخرى صر على اسنانه محاولا قمع قوته متيقنا من انه سيضطر للانخراط بالمعركة في اي لحظة ..
جيرمان من جهة اخرى كان الوحيد الذي ظل غير متزعزع يقف بوجه ضيوفه الغير مدعوين .
ڤاين بدت في البداية و كأنها الآمرة الناهية ، و هذا البديهي كونها الرتبة الاقوى الحاضرة بالمكان .
لكنها و بشكل مفاجئ قد انزلت رأسها متراجعة و تاركة كل شيء لآمون الذي شغل المقدمة و كأن هذا أكثر الامور طبيعية و منطقية على الإطلاق .
"إذا .. لقد مات زيبار ." تحدث آمون من خلف قناعه واضعا يديه خلف ظهره .
"و ويسكر على غير العادة .. قد فشل بانهاء مهمته ، ياللعار ." اظهر امون حسرة واضحة ، ما اعقبها كان زمجرة من نيتو الذي جمع يديه ساخرا .
"مثير للشفقة ، يخسرون من مجرد بشر و شبح فاته الزمن يحاول استعادة امجاده ."
بسماع سخرية نيتو ، ڤاين شدت قبضتها بدون وعي غير راضية عما سمعته .
"من المبكر الحديث عن الفشل من عدمه ، فنحن هنا و سننهي المهمة ... ما دام ويسكر يملك ظلي فهو لم يفشل " حاولت ڤاين الدفاع عن اخيها .
لكن آمون رفع اصبعا واحدا امام قناعه ، فإذا بها تسكت فورا .
ما حدث طرح عدة علامات استفهام حول القوى الناهية بين الشياطين العليا .
آمون لسبب ما بدا مسيطرا تماما على شياطين أعلى منه رتبة .
"ويسكر كان لديه مهمة واحدة ، و هي استعادة وعاء نايملس ، و تدمير بقايا طائفة الظلال .. و فشل بكلاهما ، لا اعذار له ." توقف آمون للحظة ، قبل ان يكمل .
"لكنني سأمنحك الفرصة لتصحيح الامر يا ڤاين .. هنا و الآن اقتلي القديس جيرمان ، و استعيدي الوعاء ." اعطى مضيف الكابوس امرا ، و على ما يبدو ..
هذا ما كانت ڤاين بانتظاره .
فبلمح البصر .. ارتفعت خيوط الظل نحو السماء مغطية كل طرق الهرب حول جيرمان و فراي ..
"كنت انتظر أن تقول هذا ."
ظهرت ابتسامة مرعبة شقت وجه ڤاين قبل ان ترتفع نحو السماء مصدرةً ضغطا جبارا عصف بالمكان ..
امام تلك القوة المهولة ، جمع جيرمان ايديه مظهرا ملامح التعب و الضجر .
"كعادتكم يا شياطين الرتب العليا ، لا تفوتون الفرصة لاستعراض القوى التي منحها لكم سيدكم "
قال جيرمان ، ملقيا بنظرة على ظل الملك .
"كما قيل عنه تماما .. ظل الملك لقدرة عظيمة حقا ، قدرة تستطيع حجب ضياء لورد الضوء حتى .."
"هل تملك الوقت للاعجاب بقوة عدوك يا جيرمان ؟ فانت على وشك الاندثار الآن ." هددت ڤاين ، مجهزة نفسها للهجوم باقوى ما لديها .
من جهة أخرى ، تحرك ابراهام على الفور متجها ناحية فراي ، لكن نيتو ظهر امامه على الفور موقفا اياه .
"لن تذهب لأي مكان ايها البشري ."
الشياطين تحركت بسرعة ، و بات الوضع غير مؤاتي .
الظلال ارتفعت بسرعة حاجبة كل شيء و كأنها شرنقة من السواد هددت بسلبهم الحياة .
بداخل تلك الشرنقة ، اغمض جيرمان اعينه ..
"الاندثار و الموت .. سيكون من الرائع حدوث هذا ، فحينها أنا قد ارتاح أخيرا و لن اضطر لارتكاب ما أنا على وشك ارتكابه ." توقف جيرمان للحظة ، قبل ان يكمل بابتسامة متعبة .
"لكنني لست مُخيرا .. بل مُجبرا .. و لا خيار امامي سوى مواصلة المضي قدما ."
"ارني كيف ستفعل ذلك ."
اطلقت ڤاين ظلالها ، و ضربة واحدة ستكون كفيلة بانهاء جيرمان .
كل شيء سقط داخل السواد ، و بدا و كأن النهاية تدنو منهم بالفعل .
كل شيء حدث ببطء داخل اعين جيرمان الزرقاء .. اعين رأت ما هو ابعد بكثير مما رآه غيره ..
كان هو أول من لاحظ ، ثم على الفور فعل آمون ..
كلاهما كانا اول من لاحظا ذلك الشذوذ الغريب بالسماء .
ثم ما هي سوى ثواني لينتبه الجميع للامر نفسه .
السماء كانت مليئة بالنجوم التي زينتها .. لكن لسبب ما .
بدا و كأن احد تلك النجوم قد اضاء أكثر من غيره .
ثم بشكل عجيب .. و بظاهرة مذهلة جعلت كل سكان كوكب الأرض يرفعون رؤوسهم .. حدث شيء مذهل .
النجم تضخم .. و تضخم ، و اقترب .
هو لم يكن نجما ، بل كوكبا .. كوكب كامل اقترب بسرعة مهولة الى ان حجب السماء باكملها ، و دب الرعب بقلوب كل البشر و الشياطين ..
ذلك الكوكب الهائل هدد بالاصطدام بكوكب الأرض و التسبب بكارثة عظمى ..
كان مشهدا جعل كل من رآه يصرخ بجنون من الصدمة .. لكن و بالثانية الاخيرة.
تشقق الكوكب ، و تحطم لشظايا بانفجار عظيم غمر الارض كلها بضوء شديد اعمى الابصار ..
بدون استثناء .. لم يستطع احد رؤية شيء في تلك اللحظة ، و الظلال بدت تافهة جدا امام ذلك الضوء ..
ثم شيئا فشيئا ، سمع الجميع صوت الحوافر التي زلزت السماء .
اربع اقدام ركضت ، لكن ليس فوق الارض ، بل الفراغ و السماء نفسها ..
ببطء ، ادارت ڤاين رأسها مصدومة بينما حاولت القيام بشيء ما ، لكنها كانت متأخرة ، فهو كان هناك بالفعل ..
وحش مشى على اربع ، وحش على شكل قنطور ، نصفه السفلي بدا مثل الحصان ، و العلوي بدا اشبه بالعمالقة ..
طوله تجاوز العشر امتار و قد غطى بظله على ڤاين تماما .
اعينه توهجت بضوء اصفر عظيم من تحت خوذته ، يده حملت سيفا عملاقا من الاورا المركزة ..
ثم بتلويحة واحدة وسط صراخ نيتو و مفاجأة آمون ..
ضرب العملاق فولغور بسيفه ذاك جسد ڤاين ..
هذه الأخيرة لفت ظلالها حول نفسها كدفاع ، لكن دون فائدة ..
الضربة عصفت بها بشكل مدوي قاذفةً إياها ناحية السماء .. لدرجة أن الهواء نفسه قد انفجر من شدة الضغط .
زخم الهجوم ارسلها طائرة ، هي طارت و طارت و طارت ، الى ان ضرب جسدها سطحا صلبا أخيرا ..
ڤاين نهضت بصعوبة ، و جسدها بحالة دموية مرعبة بعدما بالكاد حمتها الظلال .. فإذا بها تجد نفسها بعيدةً جدا عن حيث كانت ..
بالواقع .. هي لم تعد فوق سطح كوكب الأرض بعد الآن ..
ضربة فولغور ارسلتها طائرةً طول الطريق إلى أن اصطدمت بالقمر المشقوق ، و باتت الآن تقف فوقه مصدومة مما حدث .
فولغور كان سريعا ، سيفه العظيم تحول على الفور الى فوس عظيم بدل السيف ، ثم بحركة سريعة هو اطلق اثنين من الاسهم العملاقة التي ضربت كلا من نيتو و آمون ..
هجومه خلف انفجرات هائلة زلزلت المكان ، مبعدا كلاهما .. ثم ضربت اقدامه الفراغ من جديد ليندفع نحو السماء مرة أخرى .
"جيرمان ." تحدث فولغور بصوت عميق .
"آسف يا صديقي القديم ، فالتعامل مع الرتبة الثالثة هو كل ما أستطيع تقديمه لك حاليا ."
اندفع فولغور نحو القمر ، تاركا الوضع بالارض بيد جيرمان .
هذا الأخير توهج جسده بضوء ازرق سماوي مستعدا للقتال .
"هذا أكثر من كافي يا صديقي ، لك شكري ."
أومأ كل من جيرمان و فولغور لبعضهما ، و ما هي سوى لحظات ليختفي فولغور في الفضاء ذاهبا بعيدا للتعامل مع ڤاين .
الوضع احتدم ، و جيرمان اندفع على الفور نحو فراي محاولا ابعاده ، لكنه توقف عندما طار قوس قاطع بسرعة شديدة نحوه موقفا اياه .
لقد كان نيتو .
الرتبة التاسعة ابعد ابراهام بالفعل ، بينما عول على صد جيرمان .
"انت لن تذهب لاي مكان ."
اقترب نيتو ، لكنه توقف عندما ظهر ضوء غريب من خلفه كالشبح .
"هذه هي كلماتي ، فانا لا ازال هنا ايها اللعين ." لقد كان ابراهام .
هذا الأخير قطع بسرعة شديدة ، لكن نيتو تفادى الهجوم ..
ثم على الفور .. توهج جسد نيتو قبل ان يطير بسرعة شديدة نحو السماء ..
هو طار و طار تحت انظار جيرمان و ابراهام المتفاجئة ..
طار الى ان خرج من الغلاف الجوي ، و بات يحلق بالفضاء .
نيتو امسك سيفه العظيم ، فإذا بقطعة الحديد تلك تتوهج ..
"سيف السليذيرين ."
كان هذا هو سيف نيتو المميز الذي امتلك قدرة مميزة شديدة القوة ..
سيف السليذيرين : تزيد قوة الضربة ، كلما زادت المسافة التي يطلقها منها .
مستعملا قدرة سيفه العجيبة ، قطع نيتو بشكل عمودي نحو الاسفل ، مرسلا قوسا من الاورا المدوية ..
الضربة تضخمت و تضخمت بتأثير قدرة السيف إلى أن باتت و كأنها نيزك هائل عندما وصلت أخيرا نحو مكان جيرمان و ابراهام ..
ثم و بدون سابق انذار..
*بووووووووم !!!!!!*
حدث انفجار يصم الاذان ، عندما مسحت الضربة المنطقة باكملها من شدتها ..
فراي معانقا لادا .. فتح اعينه ببطء ، ليجد نفسه وسط حفرة مهولة من الدمار ، وقد حمته تلك الاداة الغريبة .
لكن ضربة واحدة من الرتبة التاسعة نيتو قد احدثت من الدمار الهائل الكثير .
جيرمان و ابراهام تمكنا من تفادي الهجوم ، لكنهما كانا منبهرين من المدى التدميري لذلك الهجوم..
"هذا ليس جيدا .. ذلك الشخص خطير جدا .."
و ما زاد الطين بلة ، كان حقيقة ان نيتو رفع سيفه استعدادا للهجوم مرة أخرى .
"هذه المرة ، ستكون الضربة اقوى ."
ابتسم نيتو بشكل مرعب وسط الفضاء ، بينما توغلت من قوة مذهلة جاءت على شكل ضوء ساطع .
القدرة التي حصل عليها من ملك الشياطين اغاروث ..
النصف الثاني من روح الضوء .
نيتو كان على وشك التسبب بكارثة ..
لكن و في اللحظة الاخيرة ، هو اجبر على التوقف عندما ضربت موجة من الضوء الهادر جسده .
نيتو صد الهجوم المفاجئ بينما استدار بعبوس ناحية صاحبه ، فإذا به يرى شعاعا من الضوء يطير نحوه ..
كان رجلا مدرعا بدرع ذهبي مثل الفرسان ، يحمل سيفا كم من الضوء ، و درعا دائريا عظيما .
"لديك شيء يخصني ، يا كلب الشياطين الخائن ."
زمجر سنو ليونهارت ، منضما للمعركة و مصطدما بنيتو من العدم موقفا اياه ..
ساحة المعركة تحولت لفوضى كاملة ، و الصراع قدر له ان يستمر نحو المجهول .