جحيم من الدم ، و جثث سائرة تكتلت فوق بعضها ، تمد اياديها بيأس محاولةً التشبث باقدام رجل واحد .

هنا ، داخل الجحيم .. كانت تلك الوجوه المشوهة تحاول يائسةً بلوغ فراي ، و هذا الأخير لم يكن له من خيار سوى محاولة الهرب و بلوغ القمة بعيدا عنهم .

الجثث لم تتركه ، فالواحد تلوا الاخر هم صعدوا فوق بعضهم البعض إلى أن تشكل جبل كامل منهم ، و ذلك كان منظرا من الجحيم بكل تأكيد .

كل هذا حدث على مرأى من نايملس الذي شاهد كل شيء بهدوء ، لكن وجهه كان مخفيا بقناعه البارد ذاك لهذا لم تكن هنالك من طريقة لمعرفة ما فكر فيه حقا .. ولا مدى تأثير مشاعر فراي ستارلايت عليه .

فراي من جهة اخرى حاول الهرب مذعورا ، غير قادر على استعاب ما كان يحدث .

"ماكل هذه الوحوش بحق الجحيم ؟ و كيف تحول هذا المكان الى هذا المستنقع الدموي ؟!"

يفترض بهذا المكان ان يكون ملاذه الآمن ، بعيدا عن كل ما تواجد بالخارج .. لكن حتى هذا المكان الآمن قد تحطم الآن ، و خرج الجحيم من تحته دون سابق انذار .

"قلت انك تريد القوة اولم تفعل ؟ هاك .. هذه هي القوة التي تبتغيها تستقر بين يديك .. او بالاحرى تحت قدميك ." رد نايملس ، الذي تواجد بالقرب .

"مالذي تتحدث عنه ؟ كيف يفترض بهذا الهراء أن يساعدني بأي شكل من الاشكال ؟!" صرخ فراي محاولا الابتعاد عن كل تلك الجثث المتشبتة به ..

وجوه مشوهة ، و قذرة لا يحتمل عاقل النظر اليها طويلا .

"الا تعرف من يكونون يا فراي ستارلايت ؟ الا تتذكر ؟" سأل نايملس ، صوته ذهب بعيدا وسط اصوات الصراخ و العويل الوحشية لتلك الوحوش .

لكن فراي سمعه بوضوح رغم كل شيء .

"لم ارى بحياتي هذه الاشياء من قبل .." قال فراي ، مبعدا الجثث الواحدة تلوا الأخرى راميا عليها من حافة الجبل .. جبل الجثث نفسه ..

"توقعت أن تقول هذا ، فكل واحد منهم مات باقل من ثانية بواسطة سيفك ما جعلك لا تتكبد عناء النظر اليهم حتى .."

وسط اصوات الجحيم ، جاءت كلمات نايملس هذه ، ساقطةً فوق رأس فراي مثل الماء البارد الذي جعله يستوعب شيئا مهما.

"أتعني .."

أومأ نايملس .

"هؤلاء هم ضحاياك ولا احد سواهم يا فراي ستارلايت ." اكد نايملس ، بينما واصلت الجثث التراكم فوق بعضها البعض من كثرتها .

فراي لم يفهم ما كان يحدث ، لكن نايملس شرح كل شيء .

"المرحلة السادسة من تأقلم الظلال هي قدرة مميزة تنتمي لقانون الحياة و الموت .. يجب ان تعرف شيئا مهما عني يا فراي ستارلايت .. "

"بالماضي البعيد ، انا كنت قادرا على التلاعب بالارواح و تخزينها و اعادة احيائها عن طريق اوعية اصنعها بنفسي .. لكن هذا ينطبق فقط على من لا اقتلهم بنفسي ، بل يموتون لعوامل خارجية لا دخل لي فيها .."

جلس نايملس ببطء في اعلى القمة التي حاول فراي بلوغها .. مواصلا كلامه ...

" من يموتون على يدي ، يعتبرون حالة خاصة ... فمبجرد موت أي شخص على يدي ، هو لن يذهب الى اي مكان ، روحه لن تعرف راحةً ولا خلاصاً .. بل سيظل محتجزا يتعذب بداخلي ."

"المرحلة السادسة من تأقلم الظلال .. هي القوة التي استمدها عن طريق حرق ارواح كل من قتلتهم حتى الان بحياتي ." أعلن نايملس ببرود ، ما جعل اعين فراي تتسع ..

"حرق ارواحهم هو اشبه باستهلاك كل ذرة من كيانهم حتى آخر قطرة .. الى ان لا يبقى منهم أي شيء ، سيحترقون ببطء بداخلي ، و يتحولون الى قوة استعملها ضد اعدائي ."

حرق الارواح كان شيئا شبيها لما فعله ابراهام ستارلايت بالماضي البعيد عندما اشعل روحه و دخل تلك الحالة الخارقة ..

نايملس كان يفعل شيئا كهذا مع عدد لا نهاية له من الارواح ... كل ذلك في سبيل الحصول على قوة تتجاوز نطاق الخيال.

"هذه القدرة صممت بالمقام الاول في سبيل التعامل مع ملك الشياطين ، فهي الشيء الوحيد الذي يستطيع مجابهة قدرة الابتلاع الخاصة به .. "

المرحلة السادسة من تأقلم الظلال كانت القدرة التي تعطي اكبر دفعة و زيادة بالقوة ، لانها تعتمد على عدد الأشخاص الذين يقتلهم صاحبها .

هي قدرة مميزة ، و ترتبط بشكل مباشر مع مسار الدم ..

"الآن .. بات نفس المفهوم ينطبق عليك بما انك تملك نفس قوتي ، بمعنى آخر .. هذه الجثث المشوهة التي تنتحب تحت اقدامك هي ارواح اولئك الذين قتلتهم بنفسك حتى الآن ."

بسماع الحقيقة المرة ...

انزل فراي راسه مرة أخرى نحو الاسفل مصدوما ، و هذه المرة هو لم يرى وحوشا ، ولا جثثا .. بل أشخاص .

بشر ، رجال و نساء .. و حتى شياطين .

لا استثناء ، كل ما هو حي كان يحتجز هناك بالاسفل بلا نهاية في انتظار ان يتم استهلاكهم .

لكن مشاعرهم السلبية لم تختفي قط .. عذابهم ، انينهم .. كل شيء تم رميه على فراي .

كراهية لا متناهية ، شديدة لدرجة ان فراي احسها بها بوضوح و كأنها سكاكين تطعنه من كل حدب و صوب .

بالماضي ، نايملس قتل اعدادا فلكية من المخلوقات الحية من مختلف الاجناس ، فراي ظن أن السبب هو لاجراء تجاربه الغريبة تلك .

لكن و عند التفكير بالامر .. 3 او 4 جثث تكفي للتجريب و معرفة خبايا اي جنس .. لكن نايملس قتل و اباد الملايين بكل مرة ، السبب بات واضحا الآن ..

لقد فعلها في سبيل اكتساب القوة التي وضعته فوق كل شخص بهذا العالم ، و جعلته يجابه ملك الشياطين وجها لوجه .

نايملس لم يملك أي مشاعر ، لذلك لم يتأثر قط بعويل الموتى و انتحابهم ، و لم يشعر بالذنب ازاء تعذيبهم .

هو كان قادرا على الخطو فوق جثثهم ، و استعمالهم كجمر يشعل به ناره و يزيد من عظمتها بشكل مثالي ، دون اخطاء .

لكن ماذا عن فراي ؟

شاء ام أبى .. فراي و مهما بردت مشاعره ، الا انها كانت لا تزال هناك .. لا يزال يشعر ، لا يزال يستطيع الشعور بكل شيء ، فهل سيتحمل عاقل جحيما كهذا ؟

جحيم تلعنك فيه كل تلك الارواح المعذبة الى حد الجنون ..

ما تواجد هنا داخل بحر الدم ذاك لم يكونوا سوى الناس الذي قتلهم فراي بنفسه ، و هذا أقل بكثير مما كان لدى نايملس بالماضي .

لكن رغم ذلك ، هذا العدد كان كافيا لجعل فراي يشعر و كأن رأسه على وشك الانفجار من شدة تلك الاصوات التي صرخت بألم داخل عقله ..

اصوات كانت محجوبة حتى الآن ، لكنها مرت أخيرا بعدما ايقظ فراي المرحلة السادسة من تأقلم الظلال .

الضغط كان شديدا ، ولا انسانيا لدرجة أن فراي بالعالم الواقعي قد سقط على ركبته دون وعي منه بينما تنفس بصعوبة متمسكا برأسه ..

"أصواتهم .. صراخهم .. عذابهم .. كل شيء مسموع بوضوح داخل عقلي .."

"إنهم يلعونني .. كل واحد منهم .. يلعنوني ، و يترجونني بآن واحد .. أن اخلصهم من هذا العذاب .."

صر فراي على اسنانه ، بعدما اختبر اخيرا ما عينيه ان يصرخ عشرات الالاف من الارواح المعذبة داخل عقله .

رغم ذلك ، هو وقف مرة أخرى على اقدامه بصعوبة .

"هذه لقوة تليق بشيطان .. لا بملك ." قال فراي ، بينما لعن .

"من يستخدم شيئا كهذا لن يجد أي خلاص او خير بحياته ... نهاية كل من يعتمدون على هذه القوة لن تكون بالهينة .. فكيف لشخص يعذب كل تلك الارواح .. قبل و بعد الموت أن يطمع بالخلاص .. "

مهما فكر بالامر .. فراي ايقن أن هذه القدرة ، كانت شرا مطلقا ، و التعريف الحقيقي للوحشية .

شيء يناقض كل ما هو حي ، الحياة و الموت كانت دورة سنتها قوانين الطبيعة منذ الازل .. لكن نايملس كسرها ، و تخطاها جاعلا ارواح الغير اداة بين يديه ..

"هذا لا يغتفر .. لا مغفرة لك ، لن يسامحك احد .."

ناهضا متمسكا برأسه .. ضغط فراي على نفسه في سبيل التحمل ..

"لا مغفرة لك .. ولا مغفرة لي ، بما انني اسير على نفس الطريق .." قال فراي باعين اظلمت تدريجيا ، لشخص تقبل مصيره ..

"لربما لم اقتل بقدرك ، لكن عدد الارواح التي قتلت على يدي ليس بالقليل .."

حتى و لو لم يكن يعلم .. ان تلك الارواح ستظل تتعذب بداخله و لن تجد الخلاص .

فراي نهض من جديد و اعينه تطلع لما كان امامه ..

ساحة المعركة حيث واجه آمون كلا من جيرمان و آبراهام ..

بالوقت الحالي ، ما احتاجه فراي كان القوة .. في سبيل انقاذ من لا يزالون على قيد الحياة ، و كل لا يفقد المزيد من الأشخاص القريبين منه .

"حتى لو عنى الامر استخدام هذه القوة .. حتى لو عنى الامر الخطو فوق جثثهم .. لا بأس ، ساتحمل ذلك ."

ببطء .. مشى فراي خطوته الاولى ، ثم الثانية .. ثم الثالثة بينما تحمل اصوات العويل الوحشية ، و الغضب اللانهائي .

"سأتحول الى وحش لو تطلب الامر .. فقط مادمت احصل على القوة اللازمة ، ساتحمل .. مادمت انا من يعاقب بالنهاية .. سافعل ."

فراي كان مدركا ان هذه القدرة بالذات ستقضي على آخر ما تبقى من انسانيته ، لكنه قرر الاستمرار رغم ذلك .

كان يعلم ان امثاله لن يلاقوا أي خلاص بالنهاية ، و لربما غضب و كراهية أولئك الموتى ستجعله يلاقي نهاية فظيعة اسوء حتى من الطريقة التي ماتوا هم بها .

لكن فراي لم يأبه بذلك ، و اظهر استعداده للتحمل .

كل هذا حدث على مرأى من نايملس الذي رأى كل شيء ، و ادرك مدى عزيمة فراي .

هو ظل صامتا لبعض الوقت يراقبه ، و ينظر الى الطريقة التي تحمل بها .

ثم بعد مرور وقت ليس بالطويل و لا القصير .. كسر الرجل المقنع صمته أخيرا .

"هل أنت متأكد من ذلك ؟ من انك قادر على التحمل ؟" قال نايملس ، ساحبا فراي على العالم الدموي مرة أخرى مشيرا باصبعه نحو الاسفل .

"انظر اليهم جيدا .. انظر ، و قل هذا الكلام بوجوههم ."

بسماع ذلك .. شد فراي قبضته ، لكنه لم يجرؤ على المجادلة ، مدركا حجم ما يوشك على القيام به .

ببطء ، هو انزل راسه و نظر اليهم مرة أخيرة .

كثير من تلك الجثث كانت تنتمي لاشخاص يستحقون الموت من الالتراس او الشياطين .. وحوش ارتكبوا الكثير من الفضائع ..

لكن الكثير أيضا قد انتمت لمجرد جنود عاديين قتلهم فراي بثواني اثناء الحرب ، خطيئتهم الوحيدة كانت انهم ولدوا بالجانب الآخر من عالم فحسب .. مجرد بشر عاديين عاشوا حياتهم مثل أي شخص آخر .

"انت مستعد للتحمل ، لانهم لا يعنون لك أي شيء اليس كذلك ؟" جاء سؤال نايملس ، هامسا بجانب اذن فراي .

"هذا هو الطبيعي لذا البشر ، فانتم تعيشون حياتكم على اساس التمييز ."

"مادام ليس شخصا قريبا مني .. ما دام لا يعني لي أي شيء ، حتى ولو كان بريئا فلا بأس باستخدامه لخدمة مصالحي .. هذا ما تفكر به اليس كذلك ؟"

"هذه الفكرة .. قد عبرت عقلك ." قال نايملس ، بينما التزم فراي الصمت .

لان نايملس كان محقا .

"انت وضعت كل هذه الارواح على الميزان في كفة .. و وضعت ارواح اولئك المهمين لك بكفة أخرى ."

"ابراهام ستارلايت .. آدا ستارلايت .. ضد عشرات الآلاف من الموتى ، مقارنة غريبة .. لكن الكفة مالت لجانب من هم مهمون لك ."

"هل ابراهام و آدا ستارلايت يستحقان العيش أكثر مما تستحق تلك الارواح الخلاص ؟ بالطبع لا ."

"لكنك اخترت والدك و اختك على أي حال ، على اساس التمييز لا العدالة و المساواة .. "

حتى النهاية .. فراي ستارلايت لم يملك أي كلمة يرد بها ، لان كل ما قاله نايملس كان حقيقيا .. هو حقا حلل ما يعنيه ان تكون بشريا بشكل كامل و مثالي .

فراي كان مستعدا للتحمل في سبيل انقاذ المهمين له ، من اجلهم تعذيب عشرات الالاف من الناس و حرق ارواحهم اشياء يستطيع ارتكابها و تحملها .

"لكن .. دعني أسألك يا فراي ستارلايت ." لوهلة .. بدا و كأن كل شيء قد تجمد .

و كأن الهواء نفسه ، قد اصبح أكثر برودة .

في تلك اللحظات القليلة ، اضاءت اعين نايملس بوهج مظلم بينما قدم سؤاله .

"بيديك هاتين .. من قتلت بالضبط ؟"

"هل هم الاعداء فحسب يا ترى ؟"

"اخبرني .. مالذي اقترفته يداك ؟"

اقترب نايملس ببطء ، بينما حدق هو و فراي بكل تلك الجثث المشوهة .

"مالذي تحاول قوله ؟" سأل فراي بصوت خافت .. غير قادر على رفع صوته أكثر .

قلبه كان ينبض اسرع ، و شعور سيء اعتراه ..

شعور مشؤوم ، و مريع .

صدره اصبح اضيق ، و التنفس بات مزعجا .. فراي شعر انه اهمل شيئا مهما .. شيء مهم جدا نساه ..

"انظر اليهم جيدا يا فراي ، اخبرني مالذي تراه ."

ضغط صوت نايملس أكثر .

"تذكر .. مالذي افترفته يداك .. "

"تذكر ، من الذي قتلته ؟ "

مع كل لحظة ، و كل ثانية .. و كل دقيقة تمر .

كان ذلك الشعور المشؤوم يزداد سوءا .

لوهلة ، بدا و كأن كل شيء قد تجمد و تحرك بالحركة البطيئة ..

الجثث كانت لا تزال تتزاحم فيما بينها محاولة النيل من فراي .

بالاعلى ، كان هو و نايملس واقفان .. يحدقان بهم .

ثم ببطء ، و بعدما امعن النظر .. و تعمق كثيرا داخل هاوية الجحيم ذاك .

تذكر فراي أخيرا .. تذكر الشيء المهم الذي نسيه ..

ببطء ، اعينه توسعت .. و شفته ارتجفت .. و كيانه نفسه قد انسكر ..

بين جبل الجثث .. هناك بالاسفل ..

كانت هنالك جثة واحدة .. واحدة فقط جعلت كل ذرة من كيان فراي يرتعش .

جثة لا تختلف عن من حولها .. جسد مشوه ..

كان صدره مجروحا ، مثقوبا بعدما اخترقه شيء ما ..

الدماء سالت و تسربت منه دون توقف ، و مع كل خطوة كان يخطوها ، كانت الدماء تقطر تحته بلا نهاية .

وجهه كان مشوها ، نصف بشري ، و نصف آخر وحشي و ملتوي .

كان منقوعا بالدم ، لذلك بدا قذرا حقا ..

لكن فراي تعرف عليه رغم كل شيء ، و في تلك اللحظة بالذات .. شعر فراي و كأن شيئا ما قد تحطم ..

قلبه نبض بعنف .. و عقله بات فارغا .

كل تصميمه ، و عزمه السابق على القتال قد تبخر فجأة ، و لم يعد موجودا باي مكان .

سؤال نايملس كان في محله .

لقد قتل فراي ستارلايت الكثيرين طيلة حياته ، ضحاياه دوما ما كانوا اعداءه ..

لكن تلك الايادي الملطخة بالدماء خاصته لم تكن مصبوغة بدم الاعداء فحسب .. بل بدماء المقربين ايضا .

دماء لشخص قتله بنفسه .. و دفنه عميقا داخل ذكرياته .

و هاهو ذا ، يزحف مادا يده له .. بعدما تعذب بمرارة و لم يجد الخلاص .

فراي ستارلايت لا يزال يتذكر .. و كأن الامر حدث البارحة .

لا يزال يتذكر تلك الليلة التي قتل فيها صديقه ، الذي كان بمثابة اخ له .

بتلك الليلة ، صديقه ابتسم له مخبرا اياه بأن ينهي الامر .

لكن الآن ، تلك الابتسامة اختفت ، و استبدلت بوجه مشوه اهلكه العذاب .. وجه يناشد صديقه بأن يمنحه الخلاص .

لوهلة ، بدا و كأن كل شيء قد اختفى ، و لم يبقى سواهما ..

"دانزو .." همس فراي بصوت خافت ، و مرتعش .

جاء الادراك متأخرا ، و علم فراي أخيرا بمدى فظاعة ما ارتكبه .

تلك الجثة الدموية انتمت لصديقه ، الذي مات على يديه ذات يوم ..

بقتله .. ظن انه انهى معاناته ، بمكان ما داخل قلبه كان فراي مقتنعا بذلك ، بل اقنع نفسه بالقوة لكي لا يجن من الضغط ..

لكن صديقه لم يجد الخلاص أبدا ، بل كان هنا يتعذب طوال الوقت ..

مدركا لكل ذلك .. ضرب كل شيء عقل فراي دفعة واحدة ، ليعود للعالم الواقعي .. و يسقط ارضا بينما شعر بالحرارة داخل صدره .

"بلااارغعغ ..ااغغغ."

من داخل فمه ... تقيأ فراي ، تقيأ كل ما تواجد داخل معدته ، الى ان كاد يتقيأ الدماء ..

جسده ارتعش بلا توقف ، و صدره كاد ينفجر ..

الدموع التي ظن انها جفت قد تشكلت حول اعنيه ، وصوت اجش خرج من داخله بينما حاول التقاط انفاسه ..

"طيلة .. هذا الوقت .. هو كان .. "

وجه تلك الجثة المشوهة حفر عميقا داخل عقله ..

"مالذي فعلته .. مالذي ارتكبته .. انا .."

صر فراي على اسنانه ، قبل ان يلكم الأرض من تحته بعنف ..

"مالذي فعلته ؟!!!!" صرخ باعلى صوته .. منتحبا مكانه ..

و كيف لا يفعل ، بعدما ادرك انه تسبب ليس بموت صديقه فحسب ، بل جعله يتعذب ما بعد الموت كل هذا الوقت ..

كان ذلك بمثابة الضربة القاضية التي دمرت عزيمته بالكامل .

نايملس رأى كل شيء ، و كان يعلم منذ البداية ان هذا ما سيحدث .

فبمجرد إضافة دانزو الى الكفة الاخرى ، كان مفهوم التمييز الذي يقوم عليه البشر قد تحطم .. و لم يعد هنالك من معنى لذلك بعد

الان .

هذه كانت لعنة المشاعر ، التي لم يمتلكها يوما .

لكن الآن ..

رفع نايملس يده ببطء ..

جسده كان ثابتا ، و هادئا كالعادة .. لكن يدا واحدة .. تلك اليد ، قد ارتعشت .

حدق نايملس بيده ، ثم فراي المنهار .. ثم بحر الجثث حيث تواجد دانزو .

ثم ببطء .. شد نايملس قبضته ، تاركا الظلام يبتلع كل شيء .

"..."

2026/01/06 · 425 مشاهدة · 2781 كلمة
Touch Me
نادي الروايات - 2026