"حان الوقت لنذهب الى هيلموند ."

حسم فراي قراره و اتخذ وجهته القادمة ، ما فاجأ آبراهام الجالس بجانبه .

"الم تقل أنك لا تريد قتل الشياطين ؟"

"و لازلت لا ارغب بذلك ، فالكاتبة الاولى قوية جدا بالفعل ولا ينقصنا ان تزداد قوة ." رد فراي متطلعا للامام ، قبل ان يستدير ناحية آبراهام .

"لكننا بحاجة ماسة للذهاب الى هناك ، فالشياطين مهمون جدا بالحرب القادمة ."

مستمعا الى ابنه ، حدق به آبراهام قبل ان يتكئ قليلا للخلف يفكر بصمت ، قبل ان يسأل بحذر : "مالذي تنوي القيام به هناك .. في هيلموند ؟"

بعد مرور ستة اشهر منذ المعركة الطاحنة التي جرت غمارها على كوكب الأرض ، باتت هيلموند تفتقر لاقوى درع لها على الاطلاق .. ملك الشياطين اغاروث الذي كان حبيسا بها .

هذا الاخير دخل القارة بمجرد تحرره ، و بالمثل .. كريمزون القمر الاحمر و أقوى الشياطين فعلوا هم الاخرون .

بمعنى آخر ، لم يعد هنالك من يدافع على ضد عالم الشياطين ضد اي هجوم محتمل ، خصوصا من قبل كيان مرعب مثل طائفة الظلال التي تعج بالوحوش .

ردا على سؤال والده ، رفع فراي ثلاثة اصابع .

"يوجد ثلاثة اهداف يجب علينا تحقيقها هناك بهيلموند مهما كلف الثمن ." قال فراي مبتسما بوجه والده عارضا له خططه .

"واحد : تحرير اودري من سجنها ببرج النهاية ."

"اثنان : ايجاد جثة الشيطان الاول مانوس ، الذي قتل على الارجح من قبل العظماء ."

"و ثلاثة .."

سكت قراي قليلا عندما وصل الى البند الثالث ، قبل ان يفاجئ اباه بمضمونه :

"ضم الشياطين الى طائفة الظلال ."

بمجرد ذكر البند الاخير ، قفز آبراهام من مكانه دون وعي منه ، مصدوما بما سمعه للتو يحدق بابنه باعين لا تريد التصديق .

"اانت جاد بما قلته للتو ؟"

و أومأ فراي ردا .

"اجل ، جاد تماما ."

آبراهام وجد نفسه غير قادر على الفهم ، بل لم يرد ان يفهم ما اراده ابنه بالضبط ، فالاهداف التي وضعها بدت عشوائية تماما ..

"لماذا .. قد تفعل شيئا كهذا ؟"

'الشياطين هم العدو ، اعداء كل ما هو حي بالعالم المادي ، فلماذا قد يرغب بضمهم ؟ و كيف سيوافقون على الانضمام بالمقام الاول ؟!'

'ثم ماذا عن تلك المسماة اودري ، اليست تابعةً للكاتبة الاولى ؟ فلما قد يرغب بتحريرها ؟'

تخبطت افكار آبراهام ، فابتسم فراي قليلا بوجهه مشيرا له ان يتخلى عن الافكار الغير ضرورية .

"ستفهم كل شيء عندما يحين الوقت ، ابي ... لذا اريدك ان تثق بي فحسب ."

شد آبراهام قبضته دون وعي ازاء سماع هذا ، قبل ان ينفجر بصوت عال بوجه ابنه : " و لماذا تظن انني تبعتك حتى الان ؟! مالسبب الذي يجعلني ارافقك برأيك رغم كل ما تفعله بتلك الارواح ؟!"

ممسكا به من اكتافه ، تشابكت اعين الاب المضطرب و الابن الهادئ ، عندما بحث الاول عن اجوبة من الثاني .

"انا غير مقتنع بأي من هذا ، مسار التضحيات و القتل الذي تسير به .. لم اقتنع به قط ، و لن افعل .. لكنني تبعتك على أي حال ، لانني اؤمن بك ، لانك ابني !"

"لانك اخبرتني ذلك اليوم .. ستصنع عالما تستطيع به آدا العيش بسلام ، دون ان يعكر شيء ابتسامتها ، دون ان تضطر كل يوم للخوف على حياتها و حياة عائلتها !"

اشتدت قبضة آبراهام القاسية حول كتف فراي بقوة تكفي لتفتيت الحجر .. رغم ذلك ، فراي لم يمانع. و لم يحاول ابعاد آبراهام .

"أبي .. أتعتقد حقا ان هدفا كهذا ، قد يتحقق عبر مسار الخير و الاصلاح ؟ أتظن اننا قادرون على الفوز ، باتباع مسار لا نضحي فيه باحد ، مسار لا ترتكب فيه ايدينا ذنبا ؟"

تشكلت ابتسامة ساخرة على وجه فراي بمجرد طرحه لهذا السؤال .

"هذا مستحيل ببساطة . اذا ما اردت محاربة الشر ، فلابد أن تصبح شرا اسوء منه ، يجب ان تحارب الدم بالدم ، ولا خيار آخر امامك ."

"هذا ما تعلمته بالطريقة الصعبة ، بعدما حاولت مئات المرات و فشلت بها جميعا ! ."

ابعد فراي قبضة آبراهام ، قائلا بنبرة ثقيلة متخليا عن هدوئه للمرة الأولى على الاطلاق .

اعين آبراهام ارتعشت قليلا ، مشيحا بنظرة بعيدا قائلا بصوت خافت : "إذا ... مالذي يجعلك مختلفا عنهم هكذا ؟"

فتوسعت ابتسامة فراي الساخرة ردا .

"لاشيء ، لا شيء على الاطلاق .. نحن متشابهون .. انا و اغاروث ، فانا من خلقته بالمقام الاول ."

"انا .. من تسبب بكل كارثة حلت بنا ، بطريقة او باخرى ."

اطلق فراي ضحكة جافة ، عاكساً مشاعره الحقيقية .

"لقد بدأت السير بطريق الدم منذ امد بعيد ، و أنوي مواصلة السير به بقدر ما يتطلبه الامر ." هو قال بحزم ، بينما خطا خطوة واحدة تجاهه والده .

"لن اجبرك يا ابي على المضي بهذا الطريق معي ، لكن فالتعلم جيدا انك اذا ما ابتغيت إدراك حقيقتك الكاملة ككاتب ، فلا خيار امامك سوى البقاء بجانبي ."

آبراهام التزم الصمت قليلا ازاء سماع هذا ، قبل ان تلتوي تعابير وجهه و تتخبط قليلا ، ثم صنع ابتسامة ساخرة بالنهاية قائلا : "أي خيار تركته امامي إذا ؟ فانا لا ارى لي طريقا آخر غير هذا"

فراي انزل رأسه قليلا ، محدقا بالارض حيث وقف كلاهما ..

"أعتقد انني بالنهاية ، لا ازال غير قادر على فعلها بمفردي ، لهذا السبب احاول ابقاءك بجانبي ." قال فراي بصوت خافت ، قبل ان ترتفع زوايا فمه لما بدا اشبه بالابتسامة ، لكن الاعين روت حكاية اخرى .

بدت اعينا مرهقة و كأن صاحبها يحاول التمسك باخر شيء يمنعه من الغرق بالظلام بالكامل .

"الحقيقة هي .. انني سأكون وحيدا جدا بدونك ."خرجت هذه الكلمات من فم فراي .

و لوهلة ، شعر آبراهام بالحرقة داخل صدره ، محدقا بابنه الذي بدا قويا جدا أكثر من اي وقت مضى .. لكن هشاًّ و متألما كما كان دوما .

فراي كان معقدا ، لا يمكن فهمه ابدا لأن شخصيته و كيانه نفسه هو نتيجة تراكم خبرات طويلة من العذاب و الغرق بالظلام .

الماثل امامه ، كان هو ذروة تلك التراكمات ، وحش قادر على تحمل أي شيء ، لكن ليس دون الم .

آبراهام كان احد القلائل الذين لا يزال يتمسك بهم فراي ، خشية ان يسقط بالكامل بحفرة لن يقدر على الخروج منها ابدا .

الاب فهم هذا جيدا ، ما جعله أمام صراع داخلي بين معتقداته ، و بين عائلته .

آبراهام لم يكن بحالة تتيح له القلق على غيره ، فقد كان له من المشاكل ما يكفيه ، اكتشافه بأمر كونه كاتباً ، امتلاكه لعائلة أخرى .. و ما جرى لابنته التي ليست سوى شخصية مكتوبة ، و ابنه الذي تدور حوله كل الأحداث و المؤامرات .

كان مكسورا هو الاخر .

لكن و رغم ذلك ، اختار آبراهام العائلة دوما فوق اي شخص اخر .

"الى أن نصنع النهاية المناسبة لكي تعيش اختك بسلام .. سأظل معك ." قال آبراهام مديرا رأسه بعيدا .

"سأتحمل ايا كان ما سيحدث من الان فصاعدا ، لذا فالتفعل ما يجب عليك فعله ."

بسماع هذا ، أومأ فراي بابتسامة متكلفة ..

"اشكرك ، يا ابي ."

آبراهام و فراي قررا ان يظلا معا ، متمسكين بالرابط الذي يجعل منهما عائلة واحدة .

لكن فراي شعر به بوضوح .. بأن شقا قد ظهر بتلك العلاقة المثالية التي جمعتهما .

صدع كان لابد منه .

و بعيدا عن ساحة التدريب التي اتخذاها لنفسيهما .

كانت طائفة الظلال تكبر كل يوم ، و ماسكيث نشر الهبة على كل اتباعها بامر من فراي .

ماسكيث يعتبر تابعا للكاتبة الاولى ، لكن قلبه كان بجوزة ابنها ما جعله غير قادر على القيام بأي شيء سوى الطاعة .

مستخدما قواه و فهمه العالي لقانون الحياة و الموت ، قام العجوز القديم برسم الختم على صدور كل المحاربين المستذئبين الذين تم ضمهم الى الطائفة .

عمله هذا حدث امام اعين اثنين من المحاربين العظماء الذين رقابوه من بعيد .

الكسندر رايباك ، و الكوكب فولغور كانا موجودين هناك يجالسان بعضهما البعض بعدما انتهى الاجتماع السابق الذي جمعهما بفراي .

من بينهما ، كانت اعين الكسندر رايباك الزرقاء لا تفارق ماسيكث ابدا ، و كأنها سكاكين حادة تطعن بظهر العجوز .

ماسكيث بطبيعة الحال قد شعر بهذه النظرة العدائية بوضوح ، لكنه تجهالها تماما و الانهاك باد عليه ، فقد كان رجلا فقد قلبه و اجبر على العمل ليل نهار .

من الجانب ، شاهد فولغور العملاق بصمت ، قبل ان يتنهد بخفة .

فولغور يعتبر مخلوقا عملاقا شديد الطول ، لدرجة ان القلعة المهيبة لم تستطع اخفاءه ، و كانت القاعة حيث اجتمع مع فراي المبنى الوحيد الذي بني بطريقة تسمح بدخوله .

بمجرد الخروج منها ، هو بات مجبرا على البقاء بالخارج طوال الوقت ، ما جعله مكشوفا تماما ، و قد ارتعب المستذئبون منه كثيرا بالبداية ، قبل ان يدركوا انه احد قائد طائفة الظلال العظيمة .

شكله الشبيه بالقنطور ، و ارتداؤه لذلك الدرع الاسود بينما ابرقت اعينه الذهبية من فجوات خوذته اعطاه منظرا مرعبا .

"ارى بأنك لازلت تحمل العداء بقلبك تجاه دوق الجحيم القديم ، يا الكسندر ." قال فولغور بصوته الخشن العميق . مخاطبا الكسندر رايباك .

هذا الاخير ضم اذرعه امام صدره ، اعينه لا تزال مركزة على ماسكيث بينما اجاب : "حدسي يخبرني بأن ذلك العجوز ليس بحليف ، و لن يكون كذلك ابدا ."

ردا ، هز فولغور رأسه .

"سواءا كان حليفا ام لا ، ملكنا قرر ابقاءه معنا و هو ادرى ... ام انك لا تثق بقراره ؟"

"أتسخر مني يا فولغور ؟" صر الكسندر على اسنانه بغضب ، فاحنى لولغور رأسه قليلا معتذرا .

"أظنني بالغت بكلامي ، تقبل اعتذاري ."

الولاء بطائفة الظلال كان مطلقا ، و الرتب العليا امثال فولغور و الكسندر لم يكونوا يتسامحون ابدا مع اي تشكيك أو تعارض مع ملكهم .

لهذا السبب اعتبر الكسندر ما قاله فولغور اهانة ، و كان ليقاتله حتى لولا علاقتهما الطويلة كحلفاء و اصدقاء قدامى يقاتلان من اجل الهدف ذاته .

"أنا مؤمن بالملك ، و مستعد لاتباعه الى نهاية العالم لو تطلب الامر ... لا أحمل شكاً بقراراته ابدا و عدم قتلي لذلك اللعين حتى الان لخير دليل ." قال الكسندر ، معيدا انتباهه لماسكيث .

"لكن تركي له ، و تقبلي اياه لامران مختلفان . فانا لا أستطيع اجبار نفسي على اظهار الود تجاهه . و لم اعترف به ابدا كواحد منا ، فما هو سوى سجين ، و حتى الملك بنفسه يعامله على هذا الاساس ."

فولغور حدق بالكسندر مستمتعا له ، قبل ان يتطلع للامام بصمت .

ثم فتح فمه سائلا : "اخبرني يا صديقي القديم ، ما رأيك بطائفة الظلال الحالية ؟"

"ما رأيي ؟ أي رأي تريده بالضبط ؟" رد الكسندر السؤال بسؤال ، قبل ان تجوب اعينه حشود المستذئبين ، و القلعة المهيبة التي شيدوها .

"لقد فقدنا الكثير من المحاربين العظماء .. لا ازال غير قادر على التصديق بأن جيرمان ذهب حقا .. فانا اعتقدت دوما انني سأموت قبل ان يفعل هو ." قال الكسندر ، مظهرا بعض الاسى عندما تحدث عن ازرق العينين . الذي كان صديقه و غريمه .

"و من بين العشرة الاقوى داخل الطائفة .. لم يتبقى سوى الخامس اوغست و السابعة شيڤا على قيد الحياة بجانبنا نحن ، و خسرنا الاخرين .. لكنني أستطيع القول بوضوح رغم ذلك .." اضاف الثاني داخل طائفة الظلال بحزم ..

"نحن اقوى بوضوح مما كنا عليه بالماضي ، فالملك .. نايملس بات اقوى بكثير مما كان عليه ، و هذا لوحده يعوض الفراغ الذي تركه الموتى ."

فولغور أومأ متلقا معه .

كلاهما علم بأن الطائفة الحالية اقوى بكثير من الماضي ، فيجانب نايملس الذي زاد قوته .. كان ابراهام موجودا معهم ، بالإضافة الى ماسكيث رغم عدم تقبلهم لهذا الاخير .

كما ان الوافدة الجديدة نورث كانت قوية بما فيه الكفاية لتصنف بين اقوى 10 بسهولة.

رغم ذلك ..

"اشعر بأننا بدأنا نتحول لشيء مختلف بالكامل عما كنا عليه بالماضي ... شيء اكثر ظلاما .." قال الكسندر ، متطلعا للافق البعيد ، بينما لم يقل فولغور شيئا للرد ، و شاهد بصمت هو الاخر .

كلاهما كان يعلم .. أن الطريق الذي اختارا السير به .. لقاتم جدا .

تجنيد المستذئبين انتهى سريعا ، و جاء وقت الخطوة الموالية بعدها .

خطوة لم تأخذ سوى بضعة ايام قبل ان تدخل حيز التنفيذ .

فبسماء هيلموند الحمراء ، حيث عاشت الشياطين المظلمة التي تأكل الحياة ..

انفتحت بوابة أرجوانية مظلمة ، و من داخلها خرج رجلان لا غير .

الاول كان فراي ، الذي اخفى وجهه خلف قناعه و من وراءه جاء ماسكيث .

العجوز القديم كان مألوفا مع عالم الشياطين بما انه أُعتبر من وقت ليس ببعيد احد افراد دوقية الجحيم .

لكن فراي وجد نفسه يتأمل الكوكب الميت بصمت لوقت طويل ، فهذه كانت المرة الاولى له به على عكس ماسكيث .

"إذا .. هذه هي لوحة الموت ، التي خلقت من كلمات أمي ."

كان كوكب هيلموند مكانا دخيلا داخل عالمه ، لا ينتمي اليه ابدا .

فراي لم يبدي اي مشاعر تذكر ازاءه ، و سرعانما انصب تركيزه على برج عظيم مظلم لمحوه من بعيد ..

البرج حيث قضى ملك الشياطين اغاروث سنين طويلة محتجزا ينتظر بصمت .

"لنذهب ." قال فراي ، محددا وجهته بالفعل بيتما تبعه ماسكيث بطاعة .

طائفة الظلال كانت على وشك غزو هيلموند ، بغية اساقطها تماما للابد . في سابقة هي الاولى بالتاريخ .

2026/05/31 · 255 مشاهدة · 2130 كلمة
نادي الروايات - 2026