"كنت اعلم أن هيلموند مكان ميت بالكامل و يخلو من كل اشكال الحياة ، لكن رؤيته بارض الواقع تختلف عما تخيلته عنه ."
حدق فراي باهتمام نحو الارض الشاسعة لهيلموند ، عالم الشياطين .
كانت ارضا قاحلة ميتة ، تحولت للون الاسود المتفحم ، لا مباني ولا حضارة بها ، فقط الخراب و الموت ، بشكل اسوء بكثير مما كان يعاني منه الالتراس بالماضي .
السماء من جهة اخرى كانت قرمزية ، حمراء بالكامل بشكل شبيه بلوندور ، باستثناء ان 5 اقمار قد كانوا بارزين بسمائها .
لكن حتى الاقمار لم يسلموا هم الاخرون من لعنة الموت ، فقوة الحياة انعدمت بهم ايضا .
"الاورا هنا خانقة ، و ملوثة بالكامل .. إذا ما ظل اي مخلوق عادي هنا لوقت طويل ، فسيموت لا محالة ." قال فراي ، بينما تحسس الارض المتفحمة بيده ، حاملا بعضا من رمالها قبل ان يترك الرياح تأخذها بعيدا .
ماسكيث وقف خلفه ، يحدق به بصمت لبعض الوقت ، قبل ان يتفح فمه سائلا : "لماذا .. انا الوحيد الذي جلبته معك ؟"
"الوحيد ؟ مالذي تتحدث عنه ؟" رد فراي مخفيا تعابير وجهه بقناعه ، بينما اتجهت اعينه خلف ماسكيث .
"لم اقل ابدا انك الوحيد الذي سيأتي معي ."
بتلك اللحظة ، و بالتزامن مع كلمات فراي ..
ارتعش الفراغ من خلف ماسكيث ، و التوى ببطء .
العجوز قفز للامام متفاجئا ، بعدما بدأ جسد مخلوق حي يتشكل من خلفه .
كان رجلا ببشرة شاحبة شديدة البياض ، وجوده غامض و ملتوي و قليلة هي المخلوقات التي تشابهه ..
"ظننت انني اخفي نفسي ببراعة ، لكنك لازلت قادراً على كشف مكاني بدقة ، كما هو متوقع منك .." قال عظيم الارض ، منحنيا قليلا امام فراي و كاشفا عن نفسه لماسكيث .
هذا الاخير كان مرتبكا قليلا ، بعدما فاجأه ظهور العظيم .
'انا لم اشعر بوجوده اطلاقا ...' شد العجوز قبضته ، محافظا على حذره ، قبل ان يلتفت ناحية فراي .
"أمتأكد من هذا ؟ فهو احد العظماء ، اتباع لا يستطيعون عصيان لورد الضباب .. " اظهر ماسكيث عداءا واضحا تجاه عظيم الارض ، فأي شيء يتعلق بسادة الضباب يعتبر النقيض له هو تابع الكتاب بشكل تلقائي .
لكن فراي لم يكن يمانع وجوده ، هو رفضه بالبداية لكنه وافق بعدما حصل على بعض الضمانات من عظيم الأرض .
"لا بأس بوجوده معي ، فهو ليس بالعدو الاول الذي اضمه لي .. و انت خير مثال ."
قال فراي ساخرا من ماسكيث قبل ان يتابع المسير بارجاء هيلموند بالقرب من برج النهاية الشاهق .
"عظيم الأرض ضروري إذا ما أردت انجاح ما اخطط له من اجل الشياطين ، فانا لم آتي الى هنا لقتلهم . و انت تعلم السبب جيدا ."
ماسكيث زم شفتيه ردا ، ملتزما الصمت .
فهو كان على دراية بأن موت الشياطين سيزيد من قوة الكاتبة الاولى ليس الا ، و فراي لم يكن يرغب بحدوث ذلك .
'سيدي الشاب .. إذا أنت تنوي معارضتها حقا ... معارضة والدتك .'
ماسكيث لمس صدره لا اراديا عندما جالت هذه الافكار عقله ، و لم يشعر بأي نبض فقلبه لم يعد موجودا بداخل جسده بعد الان ، و حياته كانت تحت رحمة فراي بالكامل .
لتابع قديم مثله ، هو الذي كان مهووسا بالكاتبة الاولى و يكن لها كل الولاء .. لم يكن هنالك ما هو اسوء من أن يجبر على معارضتها ، أو الوقوف ضدها .
كان ليفضل الموت بالعادة ، لكنه امتنع عن هذه الخطوة لان الخصم هذه المرة لم يكن سوى ابنها الاكبر ، فراي ..
ماسكيث يعلم جيدا كم كان فراي مميزا بالنسبة لها ، فقد فضلته بوضوح عن كل اخوته ، بل يمكن اعتباره الاكثر قيمة على الاطلاق بنظرها .
لهذا فضل العجوز الانتظار ، املا بظهور الفرصة المناسبة .
و بطبيعة الحال ، كان فراي على دراية تامة بافكاره هذه ، لكنه تجاهلها بالكامل للوقت الراهن ، و وجه انتباهه لعظيم الأرض .
"كم من الوقت تحتاج قبل ان تنتهي من الذي اتفقنا عليه ؟" هو سأل ، و جاءه الرد من العظيم بعد بضع ثوان من التفكير .
"هيلموند كبيرة جدا ، و عدد الشياطين الموجودين هنا مهول .. انا بحاجة لساعة على اقل تقدير ." قال عظيم الأرض ، قبل ان يضيف :
"ساعة واحدة ستكفي من اجل الشياطين الاضعف .. اما الاقوياء فيحتاجون وقت اطول بكثير .. خصوصا البالغون للفئات العليا من الفئة SSS ."
فراي هز رأسه ازاء سماع هذا ، متطلعا نحو الافق البعيد .
"سيكون هذا كافيا بالوقت الراهن ، فانت لست بحاجة لتشغل بالك بالاقوياء منهم "
اضاءت اعين فراي البنفسجية قليلا ، و سرعانما رأت تلك الاعين معظم ما اخفاه كوكب هيملوند العملاق ..
"اشعر ببعض الهالات القوية من اماكن متفرقة ، ملك الشياطين اللعين لم يأخذ معه شياطينه العلوية على ما يبدو ."
عادت اعين فراي لطبيعتها ، قبل ان يلتفت ناحية عظيم الأرض ثانيةً .
"فالتتورى عن الانظار و واصل ما كنت تقوم به .. و ايضا .." ابتسم فراي قليلا من تحت قناعه مخاطبا عظيم الأرض .
"لقد بدأت أسأم من مناداتك بعظيم الأرض ، الا تمتلك اي اسم ؟"
ردا ، هز العظيم رأسه .
"لا اسم لدي ، فحتى مصطلح عظيم الارض اتى منكم و ليس مني .. لكنك تستطيع مناداتي بما تشاء ، فلا مانع لدي ."
"كما اشاء هاه ؟ .. التعامل معك كان اسهل عندما كنت داخل جسد داون .." قال فراي متنهدا ، و قرر استخدام اول اسم جاء بباله .
"سأناديك داون الثاني فحسب "
علامات التعجب و الاستغراب ظهرت جليا على وجه عظيم الأرض ازاء سماع هذا الاسم ، و سرعانما ابتسم قليلا مغمضا اعينه ..
"داون الثاني .. لمن الغرابة ان تتم تسميتي بعد بشري ولد من بعدي بآلاف السنين .." ضحك العظيم بخفة ، قبل ان يختفي جسده ببطء ، معاودا اخفاء نفسه .
من جهة اخرى ، تمدد فراي قليلا استعدادا لما كان قادما .
"لا يمكننا السماح بان تتم مقاطعة ما ننوي عليه من طرف الشياطين العليا و دوقية الجحيم ، لذا .. سأتولى امر جذبهم بنفسي ."
فراي قرر القتال ، بينما بدا ماسكيث جاهلا بكل ما كان يجري ، و هذا ما دفعه للسؤال .
"هل لي ان أسأل .. مالذي نحن بصدد القيام به هنا ؟ .. قلت انك تود ضم الشياطين .. لكن كيف ستفعلها ؟"
"لا داعي لتعرف يا ماسكيث ، تذكر جيدا انك لست سوى اداة الان ، ستعرف ما اريدك ان تعرفه فحسب . و سيكون ذلك عندما تمتلك دورا حقيقيا ." قال فراي ، جاعلا العجوز يعرف مكانه .
"احضرتك الى هنا لغاية مختلفة بالكامل ، فلا دور لك بتجنيد الشياطين بل امر اخر تماما .. لذا فالتجلس مكانك بطاعة و انتظر دورك ."
"اما انا ، فأظن انني سألعب قليلا مع الشياطين العليا ."
بمجرد انهاء فراي لكلامه ، بدأ جسده يفيض بالهالة فجأة من العدم ..
سواءا فراي و ماسكيث .. و حتى عظيم الأرض ..
ثلاثتهم كانوا شديدي القوة ، و قادرين على اخفاء وجودهم بالكامل و سيسصعب على اي كان كشفهم ، لهذا السبب لم يتعرض اي منهم للهجوم ، رغم مضي وقت طويل منذ بلوغهم لهيلموند .
لكن كل هذا تغير عندما قرر فراي اطلاق هالته ، و سرعانما انتشر ضغط مروع من حوله و توسع بسرعة كبيرة و لمسافات مرعبة ، جاعلا كل مخلوق موجود بهيلموند يشعر به عمدا .
فراي حلق ببطء نحو السماء ، بينما توهج جسده بهالة بنفسجية مظلمة ، معلنا عن وجوده لهيلموند باكملها .
و ردا .. جاءت العديد من الهالات و خرج العديد من الشياطين لمواجهته ..
تقريبا كل الشياطين العليا الموجودة جاءت بسرعة ، و على رأسهم ظهر حامل روح الموت ، العلوي السادس اسموديوس و قوة مظلمة تحيط به .
من خلفه جاءت المقاعد السابعة ، و الثامنة ..
ساحرة الدم آيزليث ، و الكانيبال يوسيفكا ..
اسموديوس لم يكن يملك سوى وجه من عظام ، لذا هو لم يبدي اي تعابير وجه تذكر ..
لكن آيزليث و يوسيفكا قد كانتا حالة أخرى ..
فوجوههما بدت قاتمة ، و نال اليأس منها بشدة بعدما وجدوا انفسهم ضد خصم لا يستطيعون تحمل قتاله .
بالماضي ، جاء اودن و عث الخراب بكوكبهم ، لكن اغاروث كان موجودا وقتها للتصدي له و قتاله .
لكن الان .. ملك الشياطين لم يعد موجودا .
فراي حدق بهم ، و بافراد دوقية الجحيم الذين بدأوا يتجمعون بدورهم بنظرة ساخرة .
"يا شياطين هيلموند .. تبدون مثيرين للشفقة ، فملككم تخلى عنكم و ترككم لتموتوا جميعا ." قال فراي بصوت عالي سمعه كل الشياطين العلوية ..
"لا مستقبل لكم ، فنهايتكم باتت وشيكة .. لكنني سأمنحكم فرصة للنجاة ."
مد فراي يده اليهم ، مشيرا لهم ان يأتوا اليه .
"هاجموني جميعكم ، إذا ما استطاع اي منكم توجيه و لو ضربة واحدة لي ، فسأضمن حريتكم ."
"هاجموني جميعكم ، إذا ما استطعتم اصابتي ولو مرة واحدة ، فسأضمن حريتكم و لن اتعرض لاي منكم بسوء ."
صوت فراي كان مسموعا بآذان كل الشياطين العليا الحاضرة ، ممتثلين امامه و التوتر باد على وجوه كل واحد منهم .
"لسنا بحاجة لشفقتك يا عديم الاسم ، فلنا كبرياءنا و ما نحن لك بخاضعين ." تقدمت آيزليث ، الساحرة القديرة تتسيد جحافل الشياطين بشجاعة ، رغم علمها التام بمدى الفرق في القوة بينها و يين الماثل امامها .
لكنها بدت عازمة على القتال رغم ذلك ، مضيفة بنبرة حادة و واضحة : "اذا ما كان الموت هو قدري اليوم ، فمرحبا به .. سأموت و انا اقاتل على الاقل ."
ثبات ساحرة الدم خفف من الضغط الذي فرضه وجود فراي على الشياطين قليلا ، و بدا الكثير منهم مستعدا للقتال بعدما كان الكثير منهم يفكرون بالفرار ..
"ارى ان الكثير منكم مستعد للموت امامي ، و هذا مالا أحبذه ، فأنا اريدكم جميعا ان تحاولوا النجاة بكل ما أوتيتم من قوة ." ضحك فراي بخفة ، غير متأثر بنية القتل العارمة التي رماها عليه الشياطين .
اعين الڤويد خاصته كانت ترى كل شيء بساحة المعركة ، بما في ذلك حلفاؤه عظيم الأرض و ماسكيث اللذان اخفيا وجودهما ، احدهما يراقب و الاخر يقوم بانجاز مهمته .
'هدفي الحالي هو شراء الوقت لعظيم الأرض حتى ينتهي من تجهيزاته .'
'حتى ذلك الحين ، يجب ان اماطل دون قتلهم .'
بينما كان فراي يقرر ما عليه القيام به ، قام الشياطين بالمثل مستعدين للوقوف ضده و محاولة النجاة .
رغم ان اسموديوس هو الاعلى بينهم رتبة ، الا ان آيزليث ساحرة الدم ذات الرتبة السابعة قد تولت القيادة بشكل واضح .
بالإضافة إليهما ، كانت يوسيفكا موجودة هي الاخرى ما جعل عدد حملة الارواح ضد فراي ثلاثة .
روح الموت و الدم ، بالإضافة الى الروح الشيطانية .
آيزليث مدت يدها ، فإذا بعصا من دم احمر تتشكل بين يديها ، بينما توهج جسدها مخرجا ضغطا قويا من هالة الفئة SSS .
بحركة واحدة من عصاها ، انبثق طوفان عظيم من الدم ، بحر من دم احاط بهم محاصرا اياهم داخل شرنقة عملاقة حمراء اللون .
فراي شاهد صعود جدران الدم بهدوء ، مراقبا اياها تغلق المساحة من حوله بالكامل .
"أتحاولين منع سبل الهرب عني ؟ إذا كان هذا هدفك فما اغباها من حركة .." ظهرت البعض من خيبة الامل على وجه فراي ازاء ما قامت به آيزليث و سجن الدم الذي استحضرته .
"مما يبدو لي ، انتم جميعا بتتم محبوسين هنا معي ليس الا ."
فراي لم يحصل على أي رد بالكلمات ، فهو تعرض للهجوم على الفور بعدما انبثق اسموديوس من خلفه متشكلا من العدم .
الشيطان صاحب الرتبة السادسة اطلق موجة اورا مظلمة ابتلعت جسد فراي بالكامل محاصرة اياه داخل سحابة تملؤها اورا روح الموت .
قوة روح الموت قادرة على سلب الحياة من اي مخلوق ، و تعتبر سما قاتلا لكل ما هو حي . رغم ذلك ... فراي لم يتكبد عناء الدفاع ضدها او التحرك من مكانه .
لكن جسده كان محاطا بقوة رمادية اللون يتخللها الاحمر ..
تلك القوة حمت جسده ، و منعت قوة روح الموت من التأثير عليه .
فراي مد يده ، و امسك ببعض من سحابة الموت فوق راحة يده ، الاورا المظلمة حاولت التغلغل داخل ذراعه ، لكنها لم تستطع تجاوز قوته الرمادية اطلاقا . ما جعله يبتسم قليلا .
”لقوتي اليد العليا ... هذا مريح ."
بصراع الاثير الموجب الذي يبعث الحياة ، و اورا روح الموت التي تسلبها .. الاثير حصل على افضلية واضحة ما اسعد فراي .
فالاثير كان ابرز سلاح لمواجهة اورا سادة الضباب .
معيدا تركيزه الى الواقع ، مد فراي يده و صد رمح دم عظيم رمته آيزليث عليه .
رغم سرعة الرمح و حدته ، الا ان فراي استطاع تجميده امام راحة يده ثم ابعده بتلويحة واحدة .
اسموديوس زاد من ضغط الاورا المحيط به ، بينما خرجت كلمات غير مفهومة من فمه العظمي الميت ، و واصل اغراق فراي داخل سحابة الموت تلك التي بات حجمها عظيما .
آيزليث من جهة اخرى اخرجت قوتها الكاملة ، مستغلة محاصرة اسموديوس لفراي لكي تشكل أقوى تقنياتها على الاطلاق .
فببضع ثوان ، اورا روح الدم الخاصة بها شكلت شجرة عملاقة حمراء اللون ، اغصانها عبارة عن مجسات بافواه شائكة و كأنها ديدان و افاعي غملاقة .
كمية الاورا التي سخرتها آيزليث لم تكن بالعادية ، بل عالية بشكل مهول عكس مستواها بالفئة SSS ..
اغصان الدم تلك انقضت جميعها على فراي محاصرة اياه تحاول ابتلاعه وسط ضباب الموت .
فراي مد يده ردا ، و وسع نطاق قوة الاثير خاصته ليشغل عدة امتار من حوله ، و اصبح الاثير بمثابة درع يحميه .
افاعي الدم انفجرت الواحدة تلوا الاخرى كلما لمست هالته ، لتعود الى مجرد قطرات دم تبعثرت بكل الجهات .
هجمة آيزليث الساحقة هذه لم تكن كافية للتسبب باي ضرر ، لكنها لم تتوقف عن الهجوم اطلاقا و استنزفت ما لديها من اورا دون تردد بشكل مستمر .
شجرة الدم العملاقة توهجت بشدة ، مغدية اغصانها بالمزيد من القوة .
واقفةً بقمة الشجرة ، اعينها الحمراء القرمزية ظلت تراقب فراي بتوتر ، بينما تستدير من حين لاخر لتفقد ما يوجد خلفها .
'لا شيء مما نضربه به يؤثر عليه .. لكن لسبب ما ، هو يكتفي بالدفاع ليس الا ..'
تسارعت افكار آيزليث داخل عقلها رفقة دقات قلبها الذي لم يهدأ ...
هي لم تكن بالغبية ، و أدركت تمام الادراك ان الفارق بالقوة بينهم و بين خصمهم هائل .
مواجهة فراي كانت اشبه بقتال ملك الشياطين اغاروث ، فهو اعطاهم شعورا مشابها له الان .
إذا ما اراد ، فقتلهم يفترض ان يكون امرا سهلا عليه ، لكنه لم يهاجم قط ما اربك آيزليث كثيرا.
' أيستخف بنا ؟ أم انه ينوي على امر ما ؟'
هي لم تستطع الفهم ، و رغم ان صمودهم كل هذا الوقت قد كان لمصلحتهم ، الا انه لم يعطها اي امل بل زادها توترا . خوفا مما ينويه خصمهم . الذي بدا و كأنه يتجهز لفتح ابواب الجحيم بوجوههم .
فتلك القوة الرمادية التي ابرزها لم تكن بالشيء الذي رأت له مثيلا طيلة فترة حياتها الطويلة .
فراي بدا مخيفا جدا من وجهة نظر كل الشياطين الذين اجبروا على القتال ضده .
اما من منظوره ، فكان الامر أكثر بساطة بكثير ، فهو لم يفكر أساسا بالهجوم ، و لم يرد قتل اي منهم .
' قتل الشياطين سيجعل الاثير الذي صنعوا منه يعود لوالدتي ، ما سيزيد من قوتها و يجعل التعامل معها اصعب بكثير .. لذا انا لا أستطيع قتل اي منهم بالوقت الحالي .'
تلاعب فراي بالاثير الخاص به ، مقررا الاعتماد عليه وحده دون الاورا بالمعركة الحالية ، لكي يزيد من تحكمه به و يعتاد عليه اكثر .
على عكس الكاتبة الاولى التي يعود الاثير اليها بمجرد قتل المخلوقات التي صنعتها ، فراي لم يكن يستطيع القيام بالمثل و اضطر لوضع علامة الحياة و الموت الخاصة به بكل مخلوق لكي ياخذ قوته ..
’عندما تموت المخلوقات بعالم ارض البقاء الذي صنعته بنفسي .. يقوم العالم نفسه باستعادة تلك القوى ، ثم يخلق حياة جديدة بواسطتها ، و تستمر تلك القوة بالتواجد داخل العالم نفسه بدلا من العودة الي لضمان استمرار الحياة ..'
'لهذا انا غير قادر على استعادة الاثير الخاص بي بشكل مباشر ، لكن و على عكسي .. تعتبر المخلوقات التي صنعتها والدتي دخلاء على هذا العالم .. لذا عندما يموتون ، لا يتعرف عالم أرض البقاء عليهم و يعاملهم كدخلاء ما يجعل الاثير الذي صنعوا منه يعود مباشرة الى المكان الذي اتى منه .'
الشياطين كانوا مخلوقات دخيلة لا تنتمي لعالم ارض البقاء ، لذا و بمجرد موتهم ، تذهب قواهم الى كلِّيا مباشرةً .
لهذا لم يستطع فراي قتلهم مباشرةً ، بل اراد الاستفادة منهم بافضل طريقة ممكنة .
منذ بداية المعركة ، هو لم يتحرك من مكانه اطلاقا .
"يبدو انهم يخططون للقيام بشيء ما قريبا .."
مما رآه ، ادرك فراي ان الهجوم الذي شنه عليه كل من اسموديوس و آيزليث ليس سوى محاولة للمماطلة ، و شراء الوقت .
فراي منحهم ذلك الوقت بنفسه ، و فضولا منه .. هو قرر الانتظار لوقت اطول و رؤية ما كانوا يجهزونه له .
مع كل ثانية تمر ، كانت آيزليث تزيد من حدة هجومها ، بينما فعل آسموديوس الشيء ذاته .
مد احمر دموي من الامام ، و ضباب مظلم مميت من الخلف .
ارواح الدم و الموت تم دفعها حتى اقصى حدودها ، ما خلق مشهدا مذهلا من الاحمر و الاسود .
لكن بقعة رمادية واحدة بسيطة في المنتصف قد استطاعت حجب عظمة الارواح بسهولة تامة .
"مقارنة به ... هذه الدماء تبدو تافهة ." اغمض فراي اعينه قليلا ، بعدما ذكره ذلك الهجوم الدموي بوجه قديم كان قد نسيه منذ امد بعيد ..
"الارواح تسقط قوتها كثيرا عندما يتم استخدامها بواسطة اشخاص غير حامليها الاصليين .. كنت اعلم هذا لكن الفرق اكبر بكثير مما ظننت ."
كان صبر فراي قد بدأ بالنفاذ ، و خصومه لم يبدو اي شيء يثير الاهتمام ، ما جعله ينوي انهاء المعركة سريعا و اخضاعهم دون قتلهم .
لكنه عدل عن فكرته هذه عندما تغير الضغط المحيط به لاول مرة ، و شعر بهالة قوية تتضخم بسرعة كبيرة ..
مديرا رأسه ، ادرك فراي ان مصدر الضغط كان قادما من خلف جدران الدم تلك التي صنعتها آيزليث ، جدران لم تكن سجنا له ، بل مجرد غطاء يخفي شيئا ما خلفه .
مستشعرا ذلك الضغط ، توسعت ابتسامة فراي تدريجيا .
"أشعر بشيء شيطاني قادم ."
بعد الاكتفاء بالدفاع منذ بداية المعركة ، و تلقي الهجوم المشترك لكل من آيزليث و اسموديوس ، لم يستطع اي منهما إصابة فراي باي ضرر .
هذا الاخير كان قد بدأ يشعر بخيبة امل حقيقية من خصومه الذين لم يظهروا اي شيء يستحق الاهتمام ، لكن ضغط اورا شديدا انبعث من العدم قد جعله يعيد النظر .
اعين فراي البنفسجية اضاءت قليلا ، ثم سرعانما ارتفعت زوايا فمه ما شكل ابتسامةً دلت على الفهم .
"إذا .. هذا ما كنتم تخططون له "
بسهولة تامة ، إنسل فراي من داخل سحابة الموت الخاصة بأسموديوس و ظهر امام هذا الاخير من العدم .
حامل روح الموت هاجم بضراوة على الفور باقصى ما لديه من قوة ، لكن اورا روح الموت خسرت فورا ضد الاثير الموجب ، طاقة رمادية عظيمة طغت تماما على الاورا المميتة .
فراي اخترق دفاعات الشيطان السادس ، و محا المسافة بينهما بالكامل .
أسموديوس كان عبارة عن هيكل عظمي متحرك يكسوه رداء اسود لزج من طاقة الموت خاصته ، و رغم انه بنى لنفسه جسدا جديدا بعد الهزيمة ضد لورد الضوء سابقا .
الا ان جسده الجديد مات هو الاخر و اصبح عظما نتيجةً لحمل روح الموت القوية .
روح بدت ضعيفة جدا ضد فراي ، فسيد طائفة الظلال ضرب صد اسموديوس بعشر لكمات سريعة جدا تردد صداها بكل مكان من حولهما .
كانت قبضة فراي خاطفة لا يمكن رؤيتها او تتبعها ، تتوهج بنفس الطاقة الرمادية العنيفة ، و بمجرد التعرض لها .. سقط اسموديوس من السماء و انهار ارضا بالكامل .
وجه آيزليث الساحرة أظلم بالكامل بمجرد رؤيتها لشيطان الرتبة السادسة ينهار ارضا ..
"أسموديوس .." ارتجفت شفتاها ، عندما ادركت ان نصف العظام بجسده قد تحطمت بالكامل جراء التعرض لتلك اللكمات العشر .
كانت ضربات دقيقة استهدفت نقاطا معينة من جسد الشيطان ، لشله لا لقتله .
اسموديوس حاول التعافي ، فالشياطين امتلكت حيوية عالية و قدرة مذهلة على التحمل و الصمود ، لكنه لم يستطع استحضار اي قوة ، فكلما حاول حشد اورا روح الموت ، كان يفشل فورا ، في البداية بدا عليه الارتباك .
لكنه ادرك سريعا ان خصمه ترك كمية مرعبة من تلك الطاقة الرمادية بداخله ، طاقة تدمر اي محاولة منه لحشد اي اورا .
فلم يكن له من خيار سوى السقوط ارضا غير قادر على الاتيان بأي حركة .
آيزليث هاجمت مرة اخرى ، دون ان تترك نفسها تسرح كثيرا نظرا لخطورة الخصم .
اغصان الدم تمددت و انقضت على فراي ، لكنها لم تصمد و لو لثانية هذه المرة بما انه قرر الرد و سرعانما توغل مبعثرا الهجمات الدموية .
آيزليث تلاعبت بعصا الدم خاصتها فورا متلاعبة بالفضاء من حولها .
"لا تغتر بنفسك يا سيد طائفة الظلال ، هل انساك استخدامي لروح الدم حقيقة انني ساحرة ؟!"
توهجت عصا الدم ، و بالمثل اشتعلت الارض من تحتها و السماء من فوقها .
بل المنطقة داخل سجن الدم خاصتها باكملها قد توهجت بعدد مهول من الدوائر السحرية .
"فهمت .. لقد كنتم تتوقعون قدومي ، و هذا ما يفسر هذا العدد من الفخاخ السحرية ." أومأ فراي ، مدركا حقيقة ما كان يجري .
ساحرة الدم كانت قد جهزت ساحة المعركة هذه مسبقا منذ وقت طويل جدا ، لتنبؤها بقدومه .
"هذا يذكرني بتلك الساحرة البغيضة .. أفترض ان علاقة من نوع ما تجمعكما ."
ذكر فراي بياتريس عمدا لاستفزاز آيزليث ، لكن هذه الاخيرة لم تتأثر بل فعلت كل افخاخها السحرية ببراعة .
كان تشكيلا عظيما و معقدا جدا جعل فراي يظهر اعجابه الصادق .
"طوال فترة صعودك .. كل تلك الاشهر الطويلة من بعد تخلي ملكنا عنا ، اخذت كل ذلك الوقت اجهز ساحة المعركة هذه ، مليون دائرة سحرية مصممة خصيصا من اجلك !" تشابكت حواجب آيزليث بينما ظهرت الاوردة الدموية بشكل جلي على وجهها شديد البياض بعدما ضغطت على نفسها كثيرا من أجل تفعيل تشكيل المليون دائرة ذاك .
محاصرا بداخل التشكيل ، ادرك فراي ان الهرب بالانتقال الآني ليس ممكنا نظرا لحجب الساحرة للفضاء باكمله بواسطة مئات تعاويذ الفضاء .
كان تشكيلا محكما ، اشبه بسجن معقد من الهجمات اللانهائية .
"تفعيل !" صرخت آيزليث بكل جوارحها ، فإذا بانفجار يصم الآذان يهز عالم الشياطين باكمله بعدما تفعلت الفخاخ السحرية جميعها دفعة واحدة .
فراي حوصر داخل ذلك السجن المهول ، و اختفى بداخله بالكامل و لم يعد احد قادرا على رؤيته .
نظرا لعدد التعاويذ السحرية ، الهجوم كان مقدرا له ان يستمر لوقت طويل جدا قبل ان تنتهي التعاويذ و تختفي بالكامل .
واقفةً باعلى شجرة الدم ، تنفست آيزليث بصعوبة بينما سقطت على ركبتها ..
محاولة التقاط انفاسها ، تساقطت قطرات دم من انفها و بدا الشحوب واضحا عليها بعدما استنزفت نفسها بالكامل .
رافعةً راسها ببطء ، ذهبت اعينها القرمزية باتجاه تشكيل التعاويذ اللانهائي حيث كان الهجوم لا يزال مستمرا .
"حتى و لو كان بنفس مستوى الملك .. حتى و لو لم يقتله هذا ، لكنه سيكبحه لبعض الوقت على الاقل !"
ساحرة الدم لم تكن ساذجة ، هي علمت جيدا ان شيئا كهذا و رغم انه بدا مهولا ، الا انه لا يكفي لقتل فراي الحالي .
لكنها راهنت بكل ما لديها على كبحه بما فيه الكفاية ، حتى تنتهي التحضيرات لما كان قادما .
إذا ما استطاعت ابقافه بضع دقائق اضافية ، فذلك اكثر من كاف لها ..
"كنا محظوظين لانه لم يقاتل بجدية ، و لم يبدي اي نية قتل تجاهنا ، و كأنه لا يريد قتل اي منا ."
"لكن هذا ليس بكافٍ .. نحن بحاجة لمزيد من الوقت ."
شدت آيزليث قبضتها ، تأمل ان يكون تشكيلها السحري قادرا على كبحه .
لوهلة ، بدا قادرا على ذلك . لدرجة ان إيمانها و ثقتها قد زادت مع كل ثانية مرت .
هي حصلت على الامل لبعض الوقت ، قبل ان تسقط ارضا بعنف دون سابق انذار ، و يرتطم وجهها بغصن شجرة الدم خاصتها ... الشجرة التي ارتعشت ، و كأنها على وشك السقوط .
شعر آيزليث الاحمر تبعثر حول وجهها ، وجه اظهر الحيرة لانها لم تفهم كيف سقطت .
ثم سرعانما ادركت ان اقدامها قد قطعت بطريقة ما .. اقدام كانت لا تزال واقفة ، لكن سائر جسدها كان مقطوعا .
"ما ... ماذا ؟" هربت شهقة من فمها ، قبل ان تجد شخصا اخر يقف امامها .
لقد كان فراي .
"آسف ، لكن وقتك قد انتهى بالفعل ."
خصمها استطاع الخروج من ذلك الفخ السحري ، بل و بلغها دون ان تشعر بوجوده حتى .. كل هذا بوقت وجيز جعلها تدرك الفرق الساحق بالقوة بينهما .
اعين الڤويد كانت تشتعل بضوء مذهل ، و جسده لم يكن مصابا و لو بخدش واحد ، ما عنى ان تلك الميون تعويذة لم تسبب له اي ضرر .
"لدي اعين تستطيع رؤية تدفق الاورا ، حتى و لو كان لتعويذة سحرية شديدة التعقيد ، ما يجعلني قادرا على التعامل مع هجوم كهذا بسهولة رغم تعقيده ."
تشكل الاثير بيد فراي ، قبل ان يطلقه على ظهر آيزليث مشكلا حفرةً بجسدها المنهار ارضا .
ساحرة الدم اخرجت انينا من الالم ، و انهارت بالكامل بعدما كانت تخطط للقيام بهجمة مضادة . لكن فراي رأى ما ارادت القيام به مسبقاً .
"انا اعلم ما تنوين عليه يا ساحرة الدم ، و أفهم ان ما هذا سوى محاولة منكم لشراء الوقت ، من اجل حاملة روح الشيطان لكي تنتهي من استعداداتها ." ضحك فراي بخفة مستديرا ناحية جدران الدم العالية .
"ارى ذلك بوضوح ."
كل كلمة قالها كانت تزرع اليأس بقلب ساحرة الدم ، التي عجزت عن فهم مراده .
"لماذا .. انا لا ازال على قيد الحياة ؟" هي سألت ، مرتبكة . و قد كان سؤالا في محله فهي اعتقدت انه جاء لقتلهم و ابادتهم جميعا .
لكنه لم يفعل .
"اليس السبب واضحا ؟" اجاب فراي بنفس الابتسامة .
"انا لم آتي لابادتكم ، فذلك ليس بهدفي . فلو اردتكم موتى لكنت انهيت الامر بهجوم واحد كاسح منذ البداية ."
ابتعد فراي قليلا ، بينما سقطت شجرة الدم ..
"كنت اسايرك حتى الان ، لانني مهتم قليلا بما تحاولون القيام به ، لاكون صادقا .. فقد توقعت رؤية آمون هنا ، لكنني لا اشعر بوجوده ."
"هل تخلى عنكم هو الاخر يا ترى ؟"
تنهد فراي بخفة ، قبل ان يوسع هالته بشكل
مطلق ، و يجبر سجن الدم الخاص بالساحرة على الانهيار .
"حسنا .. هذا لا يهم ، فقد آن أوان الكشف عن اخر اوراقكم ، يا شياطين هيلموند ."
من بعد زوال حاجز الدم الذي وضعته آيزليث ، تم الكشف أخيرا عما اخفاه الشياطين العليا كورقة رابحة اخيرة ، و كان منظرا لا يسر الاعين بكل تأكيد .
فراي الواقف على الأرض الميتة لهيلموند اخد يرفع رأسه تدريجيا ، عندما ظهر امامه مخلوق عملاق متحور شديد البشاعة ..
لحم ميت شيطاني ، و وجوه كثيرة تعم جسده ذو الجلد الاحمر المتقرح ، الكثير من الاذرع و الارجل ، و ملامح مشوهة تجاوزت الشياطين بشاعة .
المخلوق تأوه بصوت عالٍ ، و استطاع فراي رؤيته يمتص الشياطين الواحد تلوا الاخر بداخله ، و كأنه يلتهمهم .
من الشكل وحده ، لم يكن من الممكن معرفة هوية ذلك الشيطان ، لكن الهالة و الحضور جعلا فراي بتعرف عليه فورا .
"ياله من منظر بشع لا يسر العينين .." ضاقت اعين فراي قليلا ، بينما التفت ناحية آيزليث معربا عن ردة فعل باردة تجاه ما كانوا يحضرونه من اجله ،
"هذا رهانكم الاخير ؟ الاعتماد على الروح الشيطانية ؟" ضحك فراي بخفة ، معيدا انتباهه ناحية الوحش المتضخم امامه .
تلك لم تكن سوى يوسيفكا شيطانة الرتبة الثامنة حاملة الروح الشيطانية .
"روح الشيطان تجعل صاحبها قادرا على زيادة قوته مقابل التهام بني جنسه ، هذا ما هو مشهور به اتباع الكانيبال ... لكنني ارى ان يوسيفكا نقلت هذا الى مستوى اخر تماما .."
من خلال حواسه المعززة ، استشعر فراي كما مرعبا من الهالة صادرا منها ، بما يتخطى مستواها في الفئة SSS بكثير .
"لقد التهمت الكثير من الشياطين بكل تأكيد ."
فراي شعر ببعض الراحة ، فالتهام يوسيفكا لهم عنى ان روح الشيطان ابتلعتهم ، و لن يعود الاثير الخاص بهم لوالدته الا في حال وفاة يوسيفكا .
لكن كمية القوة التي اكتسبتها قد فاقت التوقعات ..
شيطانة الرتبة الثامنة بدت اشبه بمخلوق دون عقل الان، و سرعانما هاجمت دون سابق انذار .
عشرات القبضات الدموية نزلت فوق رأس فراي كالنيازك ، ماحقةً مكان وقوفه بالكامل ..
لكن سيد طائفة الظلال تفادى الهجوم بسهولة ، بينما حمل معه آيزليث شيطانة الرتبة السابعة التي كانت بنطاق الهجوم .
"لا تفرق بين حليف ولا عدو ، يبدو انها فقدت عقلها بالكامل ." طائرا بالسماء فوق رأس يوسيفكا ، استطاع رؤية ما كان يحدث بشكل افضل بكثير .
فجسد الكانيبال أصبح أكبر بكثير مما توقع ، و امتدت منه اعضاء لزجة اشبه بالمجسات ، انتشرت على مجال واسع جدا داخل هيلموند ، و يمكن رؤية يوسيفكا و هي تلتهم الشياطين باستمرار في سبيل زيادة قوتها .
كانت قدرة شبيهة بتلك الخاصة باغاروث التي تبتلع كل شيء ، باستثناء ان يوسيفكا لا تستطيع سوى ابتلاع الشياطين لا غير .
هي انتبهت لمكان فراي ، فاهجمت السماء باكملها طمعا باصابته ، برؤية الاذرع المتحورة قادمة ، ناور فراي متفاديا إياها بسهولة تامة ، لكنه لاحظ الزيادة بسرعتها كلما مر الوقت .
استمر القصف من جانب واحد لبعض الوقت ، قبل ان تدرك الشيطانة انها لن تصيبه ، فقامت بحشد الاورا بدلا من ذلك مشكلة كرة عملاقة من الطاقة الشيطانية .
كرة سوداء مرعبة تشكلت ، و سرعانما تم قذفها ناحية فراي ، هذا الاخير مد يده الحرة للامام بينما حمل آيزليث بالاخرى ، و تشكل الاثير من خلالها و اطلقه فراي على هيأة قذيفه بالكاد تجاوزت حجمه .
لكن تلك الضربة التافهة قد اخترقت كرة الطاقة المظلمة، بل واصلت المضي بمسار مستقيم و اخترقت جسد يوسيفكا العملاق مشكلة ثقباً به .
ثقب بدا صغيرا جدا مقارنة بحجمها المهول ، رغم ذلك ... اعين آيزليث التي رأت ما حدث عن قرب قد توسعت من الصدمة و المفاجأة .. فالاثير كان شيئا لم ترى له مثيلا من قبل ..
'هذه الضربة التي استخدمها للتو .. انها شبيهة بالمطهر الذي يستخدمه الملك ..'
تسارعت افكار الشيطانة السابعة ، و اظلم وجهها تدريجيا ..
'نايملس لم يكن يملك شيئا كهذا بالماضي .. من اين وضع يده على هذه القوة بالضبط ؟!'
من بعد الضربة الاخيرة ، اغلق فراي قبضته ثم فتحها عدة مرات ، و كأنه يحاول الاعتياد على شعور معين .
الاثير الرمادي اتخذ صبغة سوداء ، ما دل على انه كان اثيرا سالباً ، وظيفته الدمار .
'رغم استعادتي لقدرتي على استخدام الاثير بنوعيه .. الا انني لا ازال غير قادر على استحضار الرون ..'
بدا فراي منزعجا قليلا ، لكنه تجاوز الامر سريعا و اعاد انتباهه ليوسيفكا التي هاجمته من جديد بشكل اعنف هذه المرة .
ساحة المعركة تحولت الى حقل متفجرات ، فالشيطانة هاجمت كل ما تواجد من حولها دون توقف املا باصابة فراي ، و باءت كل محاولتها بالفشل .
"قوتها تتزايد دون توقف ، و قد بلغت حدودا لا يفترض بها ان تصلها قط .." ادرك فراي ان شيئا ما خاطئ ، نظرا للزيادة الكبيرة التي حضيت بها يوسيفكا .
"التهامها للشياطين العادية يستحيل ان يمنحها كل هذه القوة .. لكي تزيد قوتها لهذه الدرجة فلابد انها .."
اعين فراي توسعت من الادراك ، عندما فهم اخيرا ما كان يحدث ..
فتلك القوة لن تأتي الا بابتلاع شيطان شديد القوة ، و الوحيد الذي يمكنه منحها هكذا قفزة ، قد كان واحدا لا غير ..
"الشيطان الاول مانوس .. لقد ابتلعت جثته ، و ما اكلها لهذه الشياطين الاخرى سوى غطاء لمنعي من معرفة الحقيقة ."
مد فراي يده ، فتشكل سيف اسود مظلم من العدم ، سيف سيادة الظلال العظيم ، الذي اصدر طاقة مرعبة جعلت الفراغ من حوله يهتز .
من جهة اخرى ، تشكلت ابتسامة ساخرة على وجه آيزليث من بعد اكتشاف فراي للحقيقة .
"مانوس الشيطان الاول ، لطالما كان شيطانا قويا جدا لكنه رفض القتال دوما و لم نستفد من قوته شيئا. "
"على الاقل .. موته الان خدم بني جنسنا ، فيوسيفكا وضعت يدها على قوته و ستستخدمها من اجل هيلموند !" بصقت آيزليث بعض الدم بينما صاحت بحماس ، بينما تنهد فراي مندهشا من مدى سذاجتها .
"غبية أنت إذا ما ظننت انها قادرة على تحمل قوة كهذه ."
متفاديا قذائف الاورا و ضربات يوسيفكا ، استطاع فراي الحديث بسهولة رغم السرعة التي كان يتحرك بها .
"يوسيفكا ليست باغاروث الذي لا يملك حدودا ، الم تتساءلي قط الى اين تذهب كل هذه القوة التي حصلت عليها من الروح الشيطانية ؟"
اغاروث كان اشبه بثقب اسود لا نهاية له يبتلع كل شيء بداخله دون ان يتأثر ابدا .. لكن يوسيفكا لم تكن مثله ، بل امتلكت حدودا واضحة .
كل تلك القوة التي تم امتصاصها كانت تملأها بما يفوق طاقتها ، و النتيجة الحتمية كانت الانفجار .
"لقد فقدت عقلها ، و تشوه جسدها ، و قريبا ستموت من تلقاء نفسها من فرط القوة التي حصلت عليها ."
كلمات فراي هذه جعلت التوتر يظهر على وجه ساحرة الدم ، لكنها انكرت فورا غير راضية ان تصدق
"انت تخادع !"
فراي ضحك ازاء سماع هذا .. و رد باستهزاء : "و ما فائدتي من خداعك ، فحتى ولو تضاعفت قوتها هذه فهزيمتها يسيرة ."
"حتى لو لم افعل اي شيء ، هي ستموت من تلقاء نفسها ."
محدقا بها ، شاهد فراي خصمه يوسيفكا وهي تتغير باستمرار ، لكن اعينه لم تبدو كأعين شخص ينوي التراجع و رؤية خصمه يموت من تلقاء نفسه .
"انا بحاجة لمانوس .. و بما انها ابتلعته ، فلن اسمح لها بالموت ."
مطلقا قبضته من على آيزليث ، قام فراي برميها بعيدا فسقطت الشيطانة من السماء جسدها يتسارع نحو الأرض .
اعينها الحمراء القرمزية ظلت تحدق بفراي ستارلايت ، الذي عرفته باسم نايملس .
ممسكا يسيف سيادة الظلال ، بدأت اورا مظلم نجمية تتدفق من خلاله ، بالإضافة الى طاقة رمادية مظلمة مرعبة .
السيف اهتز بشدة من فرط القوة التي اضطر لتحملها ، لكنه لم ينكسر اطلاقا و استطاع حملها دون مشاكل .
لكن شكله اخذ يتغير نتيجة لذلك ، فحافته الحادة تضخمت ، و اصبح سيف سيادة الظل اشبه بواحد من نار سوداء نجمية يكسوها الرمادي .
"أنا قادر على استخدام الاورا بشكل لا نهائي يفضل تقنية تدوير الاورا خاصتي .. لكن الاثير مختلف ، لذا لا أستطيع الاعتماد عليه بشكل مطلق ."
بدلا من القتال بواسطة الاثير وحده ، لجأ فراي الى طريقة مختلفة عن طريق استخدامه رفقة الاورا بآن واحد ، ما منحه قوة عظيمة .
حاشدا قوته ، تحرك جسده كالظل ، مخترقا وابل الضربات الذي رمته عليه يوسيفكا ، قاطعا بسيفه كل شيء وقف بطريقه سواءا جسدها المتحور ، او الاورا الشيطانية المتضخمة .
سيف سيادة الظلال ترك اثار قطع ظلت تتأجج اينما ضرب ، فهو قطع العالم نفسه ما جعل تفاديه امرا مستحيلا ،و سرعانما علقت يوسيفكا داخل شرنقة عنكبوت مظلمة من القطع المستمر ..
جسدها الشاهق الذي كان يتضخم قبل قليل قد اخذ يتقلص الان بعدما قطعت اطرافه ، بسرعة مرعبة جعلت الشيطانة تصرخ باعلى ما لديها من الالم ، مطلقةً كل ما لديها من قوة بهجوم انتحاري فجر المنطقة باكملها ، لكن سيف سيادة الظلال قطع الانفجار نفسه ، و لم تكن هنالك من فائدة منه .
اثناء تدميره لجسدها ، شعر فراي بوجود شيطانة الرتبة الثامنة بداخل كومة اللحم المتحور تلك ، و شعر منها بتعطش هائل للقوة ..
و كأنها ارادت ابتلاع كل شيء بما في ذلك بني جنسها ، و عالمها باكمله .
'لربما كانت تعلم ان هذه القوة قد تؤدي الى موتها ، و الى فقدانها لرشدها .. لكنها قبلتها على أي حال ، لانها ارادت الحصول على قوة كهذه مهما كان الثمن .'
رغم انه لم يلتقي بها او يقاتلها من قبل ، الا ان فراي استطاع فهم يوسيفكا قليلا من هالتها لوحدها ، رغم انه لم يرحمها قط فهو مزق جسدها دون تباطؤ .
لطالما كان اتباع الكانيبال معروفين بتعطشهم للقوة ، عن طريق اكل لحم ابناء جنسهم ، يوسيفكا كانت تجعل المتعاقدين معها قادرين على زيادة قوتهم بتلك الطريقة بواسطة روح الشيطان خاصتها .
و تماما مثل اتباعها امثال الهولو سموغ ، المتعطشين للقوة .. هي كانت مشابهة تماما لهم .
لم يكن هنالك من غاية لهذه القوة ، لم تكن تملك سببا عظيما تصبح اقوى .. بل كان تعطشا و جوعا زرعته بها قدرة الروح الشيطانية الكاسرة لحدود العالم .
فحامل هذه القدرة الملعونة يجعل صاحبها جائعا للقوة بشكل مستمر .
لهذا السبب هي ابتلعت جثة مانوس رغم علمها بأن فعلتها هذه قد تقتلها . لقد كان تعطشا و جوعا مرعباً .
"أمي ... لماذا تراك تخلقين قدرة بغيضة كهذه ؟ جوع لا نهائي يجعل صاحبه جشعاً لابعد حد ..."
تساءل فراي ، غير قادر على الرؤية من خلال والدته التي لطالما كانت لغزا لا يمكن حله بالنسبة له .
كانت قوية ، عظيمة .. و غامضة .
الارواح الستة العظيمة تعتبر من اقوى القدرات الكاسرة لحدود العالم على الاطلاق ، و جميعها كانت من صنيع مخلوقات قوية جدا بعضها كتاب مثل كليا .. قوتها تتجاوز الحدود و يمكن ان تقلب مد اي معركة .
خصوصا عند استخدامها من قبل حامليها الاصليين .
لسوء حظ يوسيفكا ، هي لم تكن قادرة على اخراج الإمكانيات الكاملة لقدرتها الكاسرة ، ما جعلها تسقط بسهولة امام امتداد اورا الثقب الاسود المدموجة بالاثير السالب المميت .
المعركة باكملها لم تدم طويلا ، هي بدأت عندما رمى فراي شيطانة الرتبة السابعة آيزليث من السماء ، و انتهت عندما بلغت هذه الاخيرة الأرض ..
عندما سقطت اخيرا ، كان الفراغ قد تشوه بالكامل ، و تم تقطيع جسد يوسيفكا بالكامل دون رحمة الى ان عادت لحجمها الطبيعي .. اصاباتها و جروحها كانت بليغة . و الموت بدا و كأنه مصيرها الوحيد .
لكن فراي لم يسمح لها بان تموت .. مستخدما الاثير الموجب الذي يبعث الحياة . هو قام بضخ كم كبير منه داخل جسدها ، ما جعلها تتجنب الموت على بعد شعرة .
و بهذه البساطة ، تم سحق الورقة الرابحة للشياطين عندما خرج فراي من كومة الدمار و الاورا يمشي بهدوء يجر من خلفه جسد يوسيفكا المحطم .
فراي لم يستقبل اي ضرر ، ولا ضربة واحدة .. و كان درع ذروة الليل خاصته يلمع متألقا دون خدش واحد .
آيزليث حاولت النهوض و التعافي ، و فعل شيء ما ..
لكن جسدها كان مقطوعا ، و الاثير السالب ظل يكبحها من الداخل مانعا اياها من استخدام روح الدم خاصتها ..
و الامر نفسه حدث مع أسموديوس و روح الموت ..
ثلاثة من حاملي الارواح العظيمة عجزوا جميعا عن خدش رجل واحد .
من بعد انتهاء المعركة ، التفت فراي بعيدا متجاهلا آيزليث بعدما شعر بتدفق قوي للاورا .. فارتفعت زوايا فمه مشكلا ابتسامة .
"يبدو ان داون الثاني قد انتهى بالفعل ."
تزامنا مع ما قاله ، شعر الجميع بانبعاث اورا غريبة غمر مساحة شاسعة جدا من هيلموند ، بل هيلموند باكملها .
آيزليث شعرت به بوضوح ، ما جعل قلقها يزيد ليس إلا ، فانفجرت بوجه الوحيد الذي بدا و كأنه يعرف ما يحدث .
"مالذي فعلته ؟!" هي استجوبت بصوت عال ، خائفة مما سيحدث من بعد تردد صدى القوى المهول ذاك .
فراي هز اكتافه ردا ، و كأنه بريء من ذلك .
"لم أفعل اي شيء ، فهذه القوة ليست من صنعي ."
و هو لم يكذب بذلك .
في البداية ، كان فراي و آيزليث رفقة جسد يوسيفكا المدمر و اسموديوس الوحيدين الموجودين بساحة المعركة التي ملأها الدمار و الخراب .
لكن سرعانما سمع جميعهم صوت خطوات ثقيلة كثيرة جدا قادمة من بعيد ، مصحوبة بعدد مهول من الهالات .. ضعيفة ، لكن كثيرة .
آيزليث ادار رأسها يمينا و يسارا ، فإذا بها ترى تدفق جحافل الشياطين التي جاءت تركض من بعيد ، و من كل مكان .
كانوا هم الشياطين الذين تم ابعادهم عن عمد ، الشياطين التي سكنت هيلموند .
كثير منهم ليسوا سوى وحوش همجية ، اخرون بمظاهر نبيلة شبيهة بالشياطين العليا .
عددهم كان كبيرا ، فالشياطين مشهورون باعدادهم المهولة ، و هم جنس محارب بطبعه ، جميعهم قادرون على القتال .
آيزليث لم تفهم سبب قدومهم جميعا فقد تم أمرهم بالبقاء بعيدا و الا الموت هو كل ما ينتظرهم .
اعتقدت لوهلة انهم جاؤوا للمساعدة و القتال لجانبها هي و الاخرين .
لكنها اعتقادها هذا دمر تماما ، عندما حاصروهم جميعا .. و بدأوا ينزلون الواحد تلوا الاخر على ركبة واحدة .
من كل الجهات ، ركعت الشياطين و انزلت رؤوسها بطاعة امام رجل واحد فقط .
سبق و حدث شيء كهذا ، فهم ركعوا لاغاروث كثيرا بالماضي .
لكن هذه المرة، هم لم يركعوا لاغاروث ، بل شخص اخر تماما .. و ليس اي شخص ، فهذا كان عدو ملكهم المباشر الاكبر .
الشياطين ، ركعت لفراي ، معطين اياه ولاءهم بمشهد صادم جعل تعابير وجوه الشياطين العليا تتحول للظلام و الشحوب .
من فوق فراي ، ظهر شخص اخر يطير بالسماء .. ببشرة شاحبة و ملابس بيضاء فضفاضة ..
عظيم الأرض انهى مهمته بنجاح .
"إنتهيت من التلاعب بعقولهم جميعا ، و جعلتهم ينسون سيدهم .. لقد نسو اغاروث جميعهم ." اعلن العظيم ، موجها اعينه ناحية فراي .
"من الآن فصاعدا ، انت هو ملك الشياطين الجديد ."
و كان هذا هو ما اراد فراي سماعه .
بكل مكان بهيلموند ، كانت الشياطين لا تزال تركع الواحدة تلوا الاخرى.
قدرة عظيم الأرض لم تعمل على امثال آيزليث ، فالتلاعب بعقولهم استوجب وقتا اطول بكثير ، لكنه كان كافيا لجعل الضعفاء جميعا منصاعين . و هذا ما اراده فراي .
الشياطين خضعوا له ، و اصبحوا تحت رحمته بالكامل .
"بهذا .. فقد اغاروث اتباعه ، و حرمت الكاتبة الاولى من المخلوقات التي صنعتها يداها ."
بلمح البصر ، تم تحقيق اثنين من اهداف فراي بالفعل .