"أقتلني" سمع الثلاثة بآن واحد صوت اودري ، صوت خافت و ضعيف بالكاد يمكن اعتباره همساً .

غرفة الزهور كانت حمراء بالكامل ، لون الدم يطغى على جدرانها ، و الورود التي زينت اركانها .

خيوط الاورا الشبيهة بالانابيب قد تدلت من كل انحاء جسد اودري ، كثيرة جدا لدرجة انها بدت من بعيد اشبه بفستان دموي واسع غطى مساحة كبيرة من الغرفة . لدرجة ان فراي و من معه قد اضطروا للمشي فوقه بمجرد دخولهم .

اودري اغلقت اعينها باحكام ، و كان هالة سوداء واسعة تحيط بعينيها ، و جزء من خديها ..

"أقتلني"

"أقتلني"

"أقتلني"

سمع الثلاثة صوتها الهامس المحتضر بشكل متكرر ، و بكل مرة يبلغ صوتها مسامعهم ، كانوا يدركون لاي درجة قد تعذبت الماثلة امامهم ، الى ان اصبح الموت رغبتها الوحيدة ، حيث يمكن ان تتوقف معاناتها .

اودري كانت مميزة ، حتى بين الخدم التابعين للكتاب .. و يعود ذلك لقدرتها الكاسرة لحدود العالم ، التي منحتها مخزون اورا لا نهائي ، ما يجعلها الوحيدة بجانب اودن القادرة على تسخير مخزون كهذا ...

اغاروث استغل قدرتها هذه ، و استخدمها لسد جوع الشياطين المهول ، جوع يجعلهم يلتهمون قوة الحياة و يغزون الكواكب .

فجعلهم يلتهمونها باستمرار بدلا من ان يلتهموا العالم .

"اودري محتجزة هنا منذ الحرب الاولى التي شهدت صعود اغاروث الحقيقي ، عندما قام بهزيمة لورد الضوء الاول ... حدث هذا من وقت طويل جدا ، لدرجة انني لا أستطيع اعطاء رقم صحيح لعدد السنوات التي مرت ." توهجت انظار ماسكيث ناحية الخادمة التي شاركته خدمة الكاتب الاول ، و رغم كونهما شريكين جاءا من اجل المهمة ذاتها ، الا ان اعين العجوز لم تظهر اي شفقة ، ولا اسف تجاه زميلته الاصغر سناً .

"كانت امامك طوال الوقت ، لكنك لم تفعل شيئا ." إستوقفه فراي ، بنبرة اشد برودا من العادة .

ماسكيث شعر ببعض الغضب النابع من فراي بمجرد استماعه للصوت ، ما جعله يجفل قليلا ...

لكن و لحسن الحظ ، الغضب لم يكن موجها نحوه ، بل شخص آخر تماما .

"لم يكن بيدي حيلة ، فاغاروث كان يلازمها طوال الوقت ، و ما من طريقة تتيح لي هزيمة ذلك الشيء ." حاول ماسكيث التبرير ، ذاكرا اسم اغاروث مدركا ان غضب فراي كان على الأرجح موجها نحو ملك الشياطين البغيض .

فراي لم يقل شيئا للرد ، و كان عظيم الارض من تدخل مقاطعا حديثهما ، معربا عن مخاوفه ، و كان فراي بين عينيه .

"مالذي سنفعله الان ؟ فانا اخشى ان الصدمة عليها قوية و حتى لو حررناها .. هي لن تعود الى ما كانت عليه سابقا فقد استشعرت اضطرابا شديدا لا يمس جسدها لوحده ، بل كيانها بحد ذاته ."

اضاءت اعين عظيم الأرض ، و قد رأى من خلال تلك الاعين اشياء يعجز فراي و ماسكيث عن رؤيتها .

قدرته تتيح له النظر بالعقول ، و التلاعب بالذكريات ..

فضولا ، هو حاول النظر بعقل اودري .. لكن ما رآه لم يكن بالشيء الذي يمكن النظر فيه .

"وعيها مشوه ، و محطم الى شظايا عديدة متناثرة ، أشبه بمرآة تحطمت الى عشرات القطع ... " حاول عظيم الارض شرح ما رآه قدر المستطاع ، فراي إستمع له بصمت و لم يبدو متفاجئا ، بل بدا و كأنه قد توقع هذا مسبقاً ..

"ان يتم امتصاص الاورا منها بهذه الغزارة ، أمر اشبه بان يتم طعنها دون توقف بينما يُسحب الدم من عروقها بالوقت نفسه ... لربما يمكن تحمله لبعض الوقت .. لكنها ظلت هكذا لسنين طويلة جدا .."

"حتى انا لم اكن لاتحمل شيئا كهذا ، و لكان وعيي ليتحطم تماما ." مد فراي يده ، فإذا بفراشة حمراء اللون مشابهة لتلك الموجودة من حول اوردي تظهر من العدم امامه .

الفراشة تشكلت من اورا فراي ، و قد خرجت من خلاله ما جذب انظار كل من ماسكيث و عظيم الأرض ، و سرعانما ادرك كلاهما انها جزء من اودري تماما مثل سائر الفراشات .

فراي حدق بها بصمت ، بتلك الاجنحة الزاهية التي اعادت له ذكريات قديمة .

"كدت اموت بالماضي عندما واجهت ويسكر رفقة سنو .. و كانت اودري هي من انقد حياتي يومها ." اخبرهم فراي عن ذكراه البعيدة ، عندما خسر ضد شيطان الرتبة الرابعة .. و لم يكن يملك من القوة ما يتيح له مجابهة وحش كذاك .

"انا مدين لها بحياتي ، و لست بالرجل الذي ينسى ديونه ."

كان فراي قد حسم قراره بالفعل ، و لن يغادر هيلموند مالم ينقذ اودري و يحررها من سجن اغاروث ... سجن قضت سنين طويلة حبيسة بداخله .

ماسكيث حدق ذهابا و ايابا بين فراي و اودري ، و بعض الشك مرسوم على وجهه القديم ، ثم نقر بعصاه على الأرض بخفة ، طارحا سؤالا مهما ..

"و هل انقاذها امر ممكن من الاساس ؟ فإذا سألتني .. هي قد ضاعت بالفعل ."

ردا ، هز فراي رأسه .

"كلا ، هي لم تضع تماما ." اعطى رده ، ثم اشار للفراشة بين يديه .

"اودري كانت تعلم بانها لن تنجو ، لذا يائسةً .. هي فصلت وعيها و كيانها الى اجزاء ، تاركةً القليل من نفسها بكل واحد منهم ، و هذه الفراشة بين يدي احدهم. "

و كانت غرفة الزهور مليئة بالفراشات ، كل واحدة منها تمثل القليل من ذات اودري المحطمة .

و ذات يوم ... هربت احدى الفراشات من اغاروث ، و استطاعت بلوغ فراي و وجدته ، لانه كان هو الشخص الذي بحثت عنه منذ الازل .

"إذا .. ستجمع هذه القطع المتبعثرة ، و تحاول انقاذها ؟" سال ماسكيث ، بعدما فهم ما اراد فراي القيام به ، و قد اومأ هذا الاخير مؤكدا .

العجوز لم يعارض و لم يجادل ، فقد ادرك ان هنالك فرصة جيدة للنجاح ، يمكن القول انها كانت 50 - 50 .

اما ان تعود اودري ، او تصبح مجرد جسد دون عقل همها الوحيد هو الموت و الحصول على الراحة اخيرا .

فراي اقترب بخطوات ثقيلة ، راغبا بأن يبدأ فورا . لكنه تمهل عندما إستوقفه عظيم الأرض ..

"إنتظر .." مد العظيم يده ، لكنه لم يلمس فراي بل اعادها للوراء باللحظة الاخيرة .

"ألديك ما تود قوله؟" سأل فراي ، مشيرا للعظيم بأن يقول ما لديه بسرعة. و هذا ما فعله العظيم .

"الشياطين .. مالذي سيحدث بمجرد اختفاء ال .. المصدر الذي يمدهم بالاورا ؟"

ردا على هذا السؤال ، رد فراي مبتسما قليلا : "سيعود تعطشهم لقوة الحياة بطبيعة الحال ."

"سيصمدون بالبداية ، و سيحاولون البحث عن اماكن تعج بقوة الحياة ، من اجل امتصاصها .. اذا ما نجحو ، يطيلون فترة حياتهم قليلا، اما اذا فشلوا ..." اظلمت تعابير وجه فراي تدريجيا .

"سيموت الاضعف أولا ، بينما يعيش الاقوياء منهم لوقت اطول . لكنهم سيخسرون ضد الجوع بالنهاية و سينتهي بهم الامر لاكل بعضهم البعض ."

"ستكون نهاية مناسبة لهم ."

بسماع هذا ، فتح عظيم الارض فمه راغبا بقول شيء ما ، لكنه غير رأيه بالنهاية مغلقا اياه ملتزما الصمت ، سامحاً لفراي بأن يفعل ما اراد .

فراي تجاهل العظيم ، و اقترب من اودري الى ان بات امامها تماما ، ما اعطاه نظرة افضل على وجهها المتعب و المتألم .

"مرحبا .. اودري ." حياها فراي بابتسامة لطيفة ، ثم استدعى سيف سيادة الظلال تاركا قوته تغمر السيف .

هالة فراي غيرت من الضغط المحيط بالمكان بالكامل ، و فرضت وجودا مرعبا ، لدرجة ان اعين اودري المغلقة منذ سنين طويلة قد فتحت قليلا ، و حدقت بصعوبة ناحيته .

اعينها الخضراء بدت ضبابية تخلو من الحياة ، و لم تستطع التعرف على الماثل امامها ابدا .

كل ما ادركته ، هو انه شخص قوي جدا ، شخص لربما يملك من القوة ما يكفي لتلبية امنيتها .

"اقتلني ... ارجوك ." هي ترجته بصعوبة ، بالكاد قادرةً على تحريك فمها بشكل صحيح ، بل تحدثت من خلال الاورا نفسها .

"الألم .. لا يحتمل ، لم اعد أستطيع التحمل ."

"ارجوك .. اقتلني ." ترجته مرة اخرى ، فتعمقت ابتسامة فراي .. ابتسامة متكلفة ..

"لك ما اردت ."

سيف سيادة الظلال تحرك تزامنا مع كلامه ، بل اسرع حتى .. و توسعت اعين كل من ماسكيث و عظيم الأرض عندما شق السيف صدر اودري و تبعثرت الدماء الحمراء بكمية كبيرة يمينا و يسارا ، للاعلى و للاسفل .

الدماء تطايرت ، و اودري اخرجت شهقة دافئة ، قبل ان يتردد جسدها للخلف و تحدق اعينها نحو الاعلى .

بتلك اللحظة، و رغم فظاعة المشهد ... هي لم تشعر بأي ألم .

بل شعرت .. بالدفئ . فأغمضت اعينها بهدوء ، و زحف وعيها بعيدا .

دماءها تناثرت بالغرفة ، و هربت الحياة من جسدها .. فإذا بخيوط الاورا التي زرعها اغاروث بها ترتعش . و شيئا فشيئا ..

بدأت الخيوط تنطفئ و تفقد بريقها تدريجيا ، فتحولت من اللون الاحمر الزاهي الذي نبض بالحياة ، الى الرمادي القاتم الخالي منها .

الرمادي زحف ببطء ، و اختفى الاحمر تماما امام اعينهم . و كأن احدهم رمى بدلو طلاء رمادي فوق لوحة عظيمة قديمة .

فراي غرس سيف سيادة الظلال عميقا داخل صدرها تاركا اياه بداخلها ، تشع من خلاله قوة الاثير العظيمة . ثم مد يده ببطء ، تاركا الفراشة الحمراء التي رافقته لوقت طويل تغادر عائدة الى منزلها ، و سرعانما اختفت بداخل جسد اودري .

بمجرد حدوث ذلك ، بدأت الفراشات الاخرى المتفرقة تطير الواحدة الاخرى تتبع خطى الفراشة الاولى .

"إياك و الموت بين يدي يا اودري ، فالرمادي لا يناسبك بتاتا ." همس فراي بجانب اذنها ، تاركا سيفه يستقر بداخل صدرها غامرا اياها بكل ما لديه من اثير ..

"فهمت .." اغمض ماسكيث اعينه بعدما راقب بما فيه الكفاية ، بينما استدار عظيم الأرض ناحيته معطيا اياه نظرة فضولية .

"ماذا ؟ اتريد ان تعرف ؟" ادار العجوز ناحية العظيم بابتسامة ساخرة ، فسكت العظيم قبل ان يتنهد .

"أنت تعلم انني قادر على الولوج الى عقلك فحسب و اكتشاف كل شيء بنفسي ؟"

ماسكيث تجمد ازاء سماع هذا ، ثم غادر منزعجا بينما تحدث بصوت غير مسموع تحت انفه ..

"يالها من قدرة مزعجة .."

عظيم الأرض ابتسم قليلا محدقا بظهر ماسكيث ، قبل ان يعود الى فراي و اودري .

بعد النظر بعقل ماسكيث عندما فقد الاخير حذره دون وعي .. عظيم الأرض فهم ما كان يحدث حاليا .

فعلى عكس ماسكيث الذي دخل عالم أرض البقاء بنفسه ، اودري لم تستطع فعل الامر ذاته بالطرق العادية و اضطرت للتخلي عن جسدها من العالم الاثيري ، و ولدت بدلا من ذلك كمخلوق ينتمي الى عالم ارض البقاء ، كواحدة من حاملي الضوء .

قيامها بهذا جعلها تواجه مخاطر جمة ، نظرا لامكانية فقدانها لنفسها بالكامل اثناء تلك العملية ، لكنها اختارت القيام بها طواعية ، راغبة بالدخول و ايجاد فراي الذي ضاع بداخل عالمه .

لربما كانت ضربة حظ ، لكن ولادتها كمخلوق ينتمي لارض البقاء قد جعل فراي قادرا على استخدام قدراته عليها على عكس ماسكيث ، و هذا ما منحه الفرصة لانقاذها الان .

فراي يستطيع صنع الوعاء المناسب ، لكن ذلك لن يشكل سوى نصف العمل ، و النصف الاخر سيكون على عاتق اودري فهي من سيملؤ ذلك الوعاء .

"سيكون عليها مواجهة محنتها الخاصة و تخطيها بنفسها... إذا ما ارادت النجاة ."

عندما حدق بالفتاة النائمة ، و الرجل الذي غرس سيفه بصدرها .. عظيم الأرض وجد نفسه يتساءل ..

"يا ترى ، مالذي تراه تلك الفتاة الان ؟ اي نوع من الذكريات تعيش ؟" هو كان فضوليا .

لكنه لم يستطع الولوج لعقلها ، ولا عقل فراي الذي كان متفطنا له طوال الوقت ، ما جعل سؤاله دون اجابة .

في تلك اللحظات الحاسمة داخل غرفة الزهور القديمة .. اودري قد دخلت نفقا مظلما قد لا يملك مخرجا ابدا ..

الفتاة تخبطت كالشبح الهائم ، لا تعرف طريقها ولا تألف المكان الذي وجدت نفسها فيه ، فلم يكن لها من خيار سوى السير الى الامام أملا بايجاد نهاية .

كان النفق طويلا و باردا ، و الفتاة الشبح بدت مضطربة ، لا يبرز منها شيء سوى اعينها الخضراء الضبابية ، عيون بالكاد ابرزت ضوءا .

بعد المشي بصمت ، ترنحت الفتاة قليلا اعينها تحمل نظرة بعيدة ..

"منذ متى و انا عالقة هنا ؟"

هي تساءلت ، صوتها يدل على التعب ... فاودري كانت تمشي ضائعة منذ وقت طويل جدا .

عندما نظرت للخلف ، هي كانت واثقة من انها تخلت عن الكثير على طول الطريق .

كلما تشعر بالتعب ، ترمي جزءا من نفسها بعيدا لتواصل السير بعد ذلك بخفة اكبر ، ثم ترمي المزيد كلما شعرت بالثقل ، الى ان لم يتبقى سوى شبح بدون ملامح .

هي نسيت معظم ما كانت تحارب من اجله ، و نسيت السبب الذي جعلها تمضي للامام .

كل ما كانت تعلمه ، هو انها لا يجب ان تتوقف .

رحلتها استمرت لوقت طويل جدا ، سنين و سنين من العذاب الابدي ، الى ان خارت قواها اخيرا . و سقطت فوق الطريق المظلم البارد اخيرا غير قادرة على الاستمرار .

فباتت غايتها الوحيدة الراحة ، راحة لن تدركها سوى من خلال الموت ، لكن الموت لم يأتي ابدا . هي ظلت على قيد الحياة .

و بدلا من الموت ، جاء الالم .. الكثير منه ، فتألمت بصمت باعماق الهاوية الباردة .

اودري ظنت انها ستعاني من هذا المصير للابد ، فهي فقدت الامل بمرحلة ما ، ونظرا لعدد السنين الكثيرة التي قضتها عالقة ، ظنها لم يبدو خاطئا .

لكن شيئا ما تغير ذات يوم ، و لاول مرة منذ الازل ... انبعث شعاع من الضوء ، ضوء اضاء الهاوية المظلمة و جلب دفئا غريبا لم تشعر اودري بمثيله منذ زمن طويل ..

الضوء غسل جسدها ، ثم جاءت فراشات حمراء اللون تحلق من حولها ، تحثها على مواصلة المضي قدما .

عندما نهضت اودري من جديد ، هي رأت نهاية قريبة للنفق المظلم الكئيب ، و الفراشات مهدت الطريق من اجلها .

"علي .. الذهاب "

اودري استجمعت كل ما لديها من قوة ، و نهضت من جديد اعينها الخضراء مستقرة على الطريق الذي صنعته الفراشات من اجلها .

النهاية كانت قريبة ، قريبة جدا .

بالواقع ، هي لم تكن بعيدة قط ، بل كانت نصاب اعينها منذ البدابة ، لكن اودري فشلت برؤيتها .. كانت اشبه بالاعمى الذي لا يستطيع ايجاد طريقه دون مساعدة خارجية .

و قد اتت المساعدة اخيرا ، فركضت الفتاة ، بل طارت كالشبح ناحية الضوء ، متمسكة باخر خيوط الامل دون وعي منها .. و بعد مسيرة طويلة .. هي بلغت نهاية رحلتها اخيرا .

الضوء كان قويا جدا ، معميا للابصار ، و حمل معه كافة انواع المشاعر التي افتقدتها اودري طيلة السنين .

كان معميا للابصار ، فلم يكن لها من خيار سوى اغلاق اعينها هربا من بريقه ، و بلحظة واحدة ... انقلب عالمها رأسا على عقب .

جسدها توهج ، و لاول مرة منذ زمن طويل ... ظهرت ملامحها القديمة تدريجيا بعدما لم يبرز منها شيء سوى اعينها الخضراء .

غير مدركة انها لم تعد بالنفق المظلم بعد الان .

بعد مضي ثوان معدودة ، بدأت اودري تسمع صوت ضوضاء عنيفة ، اصوات انفجارات مدوية ، و صرخات قاسية .

اودري فتحت اعينها ببطء ، و كانت السماء الرمادية الكئيبة اول ما رأته فوقها . فادركت انها كانت مستلقية ارضا على ظهرها .

غير قادرة على إدراك عالمها ، تحركت اصابعها الطويلة و سحبت بعض التراب الداكن من حولها .

كانت الأرض رطبة ، تكسوها اعشاب حمراء اللون تمتد على مد البصر لتشكل سهلا طويلا لا نهاية له .

يمكن القول ان هذا السهل الفريد من نوعه كان ليشكل منظرا جميلا بالعادة ، يسر اي عينين . لكن ليس اليوم .

اودري بالكاد نهضت ، جالسة مكانها .. الا ان الرعب تملكها عندما رأت ما تواجد امامها ..

كان الضباب يعم المكان ، ضباب كثيف جدا و ثقيل بشكل غريب ، يحجب الرؤية تارة ، و السمع تارة اخرى ، ثم يؤثر على حاسة عشوائية بكل مرة .

الضباب اعطى شعورا مشؤوما جعل اودري ترتعب ، و زاد رعبها تدريجيا عندما زادت حدة الانفجارات و الدمار من حولها .

فادركت اخيرا انها الان تجلس وسط ساحة معركة دامية ، بل حرب مدمرة سقط بها العمالقة كالذباب .

من بعيد ، ظهرت وحوش هائلة تمشي بخطوات ثقيلة ، اجسادها ضبابية و جميعها تمتلك عينا واحدة صفراء مضيئة توهجت من خلال الضباب .

من حول تلك المخلوقات ، زحف جيش من شاحب تحرك مع الضباب ..

تلك المخلوقات تصادمت من جيش اخر مغاير تماما ، رجال و نساء بدو مثلها تماما ، لكنهم كانوا مرعبين بنفس القدر ، قادرين على التسبب بكوارث عظيمة بتلويحة واحدة من اياديهم .

- الحرب الاثيرية الثالثة بين مخلوقات الضباب و كتبة التاريخ ، معركة الحقل الاحمر -

كانت معركة قديمة جرت غمارها منذ امد بعيد جدا ، على مستوى اخر تماما ، تماما مثل الحرب الاثيرية الاولى و الثانية .

وقتها ، كان الجبابرة يسقطون موتى يمينا و يسارا كالذباب ، و الاقوياء كانوا بكل مكان .

اودري وجدت نفسها وسط هذه الحرب ، و كان احد المخلوقات العظيمة امامها بالفعل ، على وشك الفتك بها ..

هي تجمدت امامه بالكامل ، امام تلك العين الصفراء التي رات من خلال روحها نفسها ، فلم تستطع القيام باي شيء ضده و كانت بلا حول ولا قوة ، تنتظر الموت بصمت و خوف .

لكن وحش الضباب لم يلمسها قط ، فهو محي من الوجود قبل ان يتسنى له ذلك ، بهجوم غريب لا يمكن صده ولا رده .

وحش الضباب اختفى بالكامل ، رفقة عشرات الوحوش المرافقة له .

لم يكن من الصعب الادراك انهم تعرضوا للابادة للتو ، من قبل قوة اعظم بكثير .

"اودري ! مالذي تفعلينه ؟! .. تراجعي فورا فانت بنطاق العدو !" هي سمعت اسمها من صوت مألوف ، فاستدارت لتجد شاباً يقف خلفها ، يمد يده ناحية مخلوقات الضباب ، فكانت المخلوقات تتعرض للمحو كلما اشار لاحدها .

كان طويلا ، يرتدي ملابس سوداء شبيهة بالبدلات ، شعره اسود طويل ، و اعينه قاتمة مظلمة ، و هالته قوية مرعبة .

طاقة رمادية تشكلت حول اصابعه ، و كانت كفيلة لهزيمة الكثير من مخلوقات الضباب بسرعة مرعبة .

عندما حدقت به ، وجدت اودري نفسها تتعرف عليه بشكل غريب ، فصرخت باسمه ..

"فراي !" بمجرد نطقها لاسمه ، جاءت الذكريات تجتاح عقلها ، فادركت أخيرا ما كان يحدث من حولها ..

'اه .. صحيح ، اسمي اودري .. انا خادمة الكاتبة الاولى ، مهمتي مرافقة ابنها الاكبر بالحرب الثالثة ضد سادة الضباب ..'

نهضت اودري بسرعة ، و تغيرت الهالة من حاولها بالكامل فتشكل سيف طويل من الاثير و الاورا على حد سواء ، فامسكت به ببراعة و بدأت تقاتل هي الاخرى بينما تراجعت ناحية فراي .

بالوقت الحالي .. هي لم تفكر بشيء سوى المعركة امامها ، متجاهلةً كل شيء اخر ..

2026/07/15 · 153 مشاهدة · 2987 كلمة
نادي الروايات - 2026