تزامنا مع بداية الحرب الثالثة بين الكتاب و سادة الضباب ، كان فراي قد بدأ بكتابة الاحرف الاولى من كتاب أرض البقاء .
وقتها لم يكن قد انهى سوى بضع صفحات ، اما الباقي ففارغة تترك له المجال للابداع . و كأنها لوحة فنية من بياض يمكن له رسم ما يشاء عليها.
فراي كان يسارع دوما لدخول عالمه كلما انهى عمله بعالم الاثير ، و كثيرا ما قضى ايامه يتجول داخل ارض البقاء يملأ العالم بمختلف الكلمات ... كلمات دبت بها الحياة .
هو لم يفعلها لوحده رغم ذلك ، فقد رافقه صديق قديم برحلاته و لازمه اكثر من اي شخص آخر .
اغاروث كان حاضرا ، ينتظر فراي كلما غادر هذا الاخير عائدا لعالم الاثير .
و كالعادة ، بمجرد دخول فراي لعالم أرض البقاء ، كان اغاروث بالانتظار .
"اغاروث ... انت لا تنفك تبهرني بكل مرة " لمست اقدام فراي أرض احد الكواكب العشوائية حيث كان اغاروث بانتظاره . " كيف تتوقع مكان نزولي بهذه الدقة ؟"
عندما يدخل فراي ارض البقاء ، جسده يظهر داخل العالم بمكان عشوائي يختلف بكل مرة ، و حتى هو نفسه لا يعلم اين سينزل بالضبط .
لكن اغاروث كان يتوقع المكان دوما دون خطأ ، ما يثير اعجاب فراي بكل مرة .
"الامر ليس بتلك الصعوبة ، فالاعين التي منحتني اياها مميزة ." اجاب اغاروث .
هذا الاخير لم يكن الكيان نفسه الذي سيُعرف ذات يوم بملك الشياطين .. الوحش الذي يبتلع كل شيء .
هو لم يكن قد حصل بعد على تلك الهالة المهددة التي سيعرف بها لاحقا ، و وجوده بدلا من ان يكون طاغيا .. يمكن وصفه بالغامض .
كان هادئا ، صوت منخفض النبرة قليلا ، لكن مسموع جيدا . ملامحه كانت مشابهةً جدا لتلك الخاصة بالكتاب ، و هذا امر مفهوم بما ان فراي استوحى اشكال معظم المخلوقات منهم و من نفسه .
و هذا السبب وراء شبه اغاروث بهم ، و سائر الملخوقات التي جاءت لاحقا مثل البشر و حاملي الضوء ... و غيرهم الكثير .
اغاروث امتلك اعيناً مميزة منذ البداية ، احداهما كانت عين الملك ، و الاخرى غامضة بقدرة مماثلة .
العلاقة بين فراي و اغاروث لم تكن علاقة سيد و خادم ، بل اشبه بعلاقة اخوة ، و قد عامل الاثنان بعضهما البعض على هذا الأساس .
اغاروث كان اول مخلوق كتبه فراي ، بسن صغير جدا و استمر بمنحه المزيد و المزيد من الاشياء على مر السنين .
تربى رفقته بتوجيه من والد فراي ، آبراهام ، و كان احد الاطفال الستة الذين عاملوا بعضهم البعض كأخوة .
فراي ، سيث ، آرليكينو ، اودري ، اغاروث ... و لِيا .
من بينهم جميعا ، اغاروث هو الوحيد الذي لم يستطع ابدا التواجد بعالم الاثير ، لانه مقيد تماما بعالم ارض البقاء ولا يستطيع التواجد خارجه أبدا ، ما جعل فراي يبني منزلا كبيرا كأول قطعة ارض حقيقية داخل عالم البقاء ، و عاش فيه ستتهم رفقة آبراهام لعدة سنوات .
كانوا قريبين جدا من بعضهم البعض ، لكنهم بدأوا يغادرون الواحد تلوا الاخر تدريجيا ، و سرعانما عاد معظمهم للعالم الواقعي بعدما نالوا كفايتهم من عالم فراي ، الذي بدا لمعظمهم اشبه بحلم جميل .
لكن الحلام جميعها تنتهي بالنهاية ، و هكذا ... لم يتبقى من احد سوى اغاروث لا غير ، و اصبح فراي الوحيد الذي يأتي لرؤيته كلما سنحت له الفرصة .
الاثنان امضيا الكثير من الوقت معا ، اغاروث كان المراقب الذي شاهد عالم ارض البقاء ينمو يوما بعد يوم ، يروي لفراي من حين لاخر الطريقة التي اخذ بها العالم يتطور من تلقاء نفسه بعيدا عن ايدي فراي .
و هذا الاخير كان يحكي دوما لاغاروث عن العالم الخارجي ، عن عالم الاثير و مدى ضخامته ، و عن القوى العظمى التي تحكمت فيه ، و الاراضي الغامضة التي لم يستكشفها احد بعد .
و هذه الحكايات اخذت وقتا طويلا جدا من لقاءاتهما ، لدرجة ان فراي كان المتحدث بمعظم وقتهما معا ، و اغاروث استمع له بشغف ، مبديا اهتماما كبيرا .
و بينما اخذ عالم ارض البقاء يكبر أكثر و أكثر ، كان شيء آخر يكبر داخل اغاروث هو الاخر . كما ازدادت قوته بنفس القدر تقريبا .
لقد كان قادرا على استخدام الاورا بحرية تامة و فعالية كبيرة ، بالمقابل لم يستطع تسخير الاثير مهما حاول .
"همممممم .. هذا غريب ، لقد استخدمت كماً عظيما من الاثير الخاص بي اثناء بناء قوتك ، لذا يفترض بك ان تكون قادرا على استخدامه." حائرا ، كان فراي غير قادر على فهم آلية عمل الاثير بالكامل اثناء مراقبته لاغاروث .
هذا الاخير امتلك قوة عظيمة ، بحيث استطاع التهام معظم انواع القوى التي تقع بين يديه ، لكن الاثير لم يكن منها .
"الاثير يختلف عن الاورا ، فهنالك سبب يجعل الجميع قادرا على استخدام الاخيرة ، بينما الاثير يقتصر على الكتاب و الخدم ، الذين ينحدرون من السلالة ذاتها ." كان هذا ما استنتجه اغاروث ، و وافقه فراي الرأي مومئا .
"الاورا موجودة بكل مكان من حولنا ، لكن الاثير يتشكل من داخل جسد الكاتب ، و ينبعث من خلاله الى الخارج ..." غرق فراي بتفكير عميق بينما سار بدوائر من حول اغاروث .
"اجد الاثير لغزا عويصاً .. انت مميز يا اغاروث ققد حاولت جعلك مشابها للكتاب قدر المستطاع ، الا ان شيئا ما ناقص و لا اعلم ما هو .."
بعدما شعر بالصداع من التفكير بالامر ، مد فراي يده ناحية اغاروث مقررا الذهاب مع اول فكرة خطرت بباله .
"جرب التهام الاثير الخاص بي بواسطة قدرتك ، لعل ذلك يفلح ."
ردا ، ابتسم اغاروث قليلا مع لمحة من السخرية ..
"هذا لن ينجح ، فقد سبق لي امتصاص الكثير من الاثير الخاص بك ، و الخاص باخوتك بالماضي ، و فشل الامر ."
"اه .. معك حق .." تنهد فراي منزعجا ، بينما حدق به اغاروث بصمت لبعض الوقت باعينه الحمراء العجيبة .
كان فراي لا يزال بصدد التفكير بحل ما ، و الجدية بادية عليه .
"لماذا ؟.." سأل اغاروث بصوت خافت ، فاستدار فراي الفطن ناحيته .
"هل قلت شيئا ؟" هو سأله بدوره ، فواجهه اغاروث بوجه جاد .
"لماذا .. تحاول جعلي أقوى؟"
بتلويحة واحدة من يده اليسرى ، اطلق اغاروث موجة اورا عظيمة محت كل ما تواجد على يساره ، و انفجرت بالافق البعيد .
"لقد زادت قوتي كثيرا ، و اصبحت قادرا الان على مقارعة الخدم ، و هزيمتهم حتى ... لكنك لا تبدو راضيا بعد ..."
"مالذي تأمله مني بالضبط ؟"
"مالذي اريده ؟” إبتسم فراي قليلا ..
"اريدك ان تصبح حراً ." هو اجاب ، و كانت اجابة فاجأت اغاروث .
"حر ؟" كرر الكلمة الاخيرة التي قالها فراي ، بطريقة بدت اشبه بالبصق ، ثم بدأ يضحك .. ضحكة ثقيلة .
"و ما الحرية بالضبط ؟" هو سأل بنبرة اكثر خشونة ، تحمل بعض الاضطراب .
فراي حدق به لثانية ، قبل ان يجيبه .
"الحرية .. لتكون ما تريد ، لتصبح الشخص الذي تريد ..." قال فراي ما لديه بصدق ، متفهما اغاروث اكثر من اي شخص آخر . " إذا ما استطعت التحكم بالاثير ، فستصبح قادرا على مغادرة عالم ارض البقاء بحرية تامة .."
"و هل هذا تعريفك للحرية ؟" قاطعه اغاروث .
"اجد الامر مثيرا للسخرية قليلا ، فرغم انك خلقتني بنفسك و منحتني كل هذه القدرات ، الا انك تعجز عن منحي هذه الحرية التي تتحدث عنها ."
اغاروث وجد نفسه غير قادر على ان يفهم ، ففراي الماثل امامه كان وجودا قادرا على بناء عالم كامل من الصفر ، بكواكبه و نجومه ، و المخلوقات التي عاشت فيه .. بل اغاروث بنفسه أيضا .
لكنه عجز عن اخراجه من داخل صفحات الكتاب .
بل و جميع الكتاب الاخرين لم يقدروا على ذلك . و سرعانما ادار الجميع ظهره بالنهاية ما عدا فراي .
ارليكينو كان اول المغادرين ، و تبعه الاخرون الواحد تلوا الاخر بعدمل ملوا جميعا من عالم فراي .
اغاروث لم يكن سوى مجرد كلمة مكتوبة بصفحة عشوائية واحدة من بين ملايين الصفحات الاخرى .
فراي جعله قويا جدا ، و اغاروث لم يكن غبيا فهو ادرك تماما ان هنالك غاية من وراء ذلك ، رغم ان فراي لم يبح بها له لحد تلك اللحظة .
بل هو فكر .. ان ما يفعله فراي لربما نابع من احساسه بالذنب تجاه صنعه لاغاروث ليكون اشبه بالاداة .
اغاروث كان ضائعا ، لا يعلم ما يكونه بالضبط .. ولا ما يجب ان يصبح عليه ..
"حتى لو اعطيتني الحرية لفعل ما اشاء ، فمالذي يضمن انني املك حرية الاختيار ؟ مالذي يضمن انك لست انت من يختار بدلا مني ؟"
"حتى رغبتي هذه لرؤية العالم بالخارج .. هي نابعة بالكامل من القصص التي حكيتها لي ، هي رغبة جاءت منك ، كما جاء كل شيء اخر . فأين هي الحرية بالضبط ؟" شد اغاروث قبضته ببطء ، بينما قاطعه فراي محاولا التخفيف من معضلته ..
"لا يا اغاروث ، انت مخطئ ... فانا لم اصنعك من العدم ، نحن الكتاب لا نملك قوة كهذه و الا لاصبحنا آلهة لا يستطيع احد بلوغنا ."
مشكلا الاثير ببطء حول ذراعه ، هو اخبره بالحقيقة .
"انا غير قادر على خلق شيء من اللاشيء ، كل ما افعله هو اعادة توجيه الاثير و الاورا الموجودين سلفا ، و منهم تنبثق حياة جديدة بكل مرة ."
"انت مخلوق حي حقيقي تماما .. اغاروث ، مثل اي مخلوق اخر بعالم الاثير .. لست مجرد حبر فوق ورقة ، بل كائن حي مكتمل ."
مستمعا لهذا ، اشاح اغاروث بنظره بعيدا ..
"إذا كان هذا صحيحا ، إذا ما كان لحياتي معنى ، فما هو ؟ لماذا اعيش ؟ مالذي يجب ان افعله ... لاثبت انني حر ؟" كان سؤالا حساسا ، لخص كل ما شعر به اغاروث تجاه وجوده بحد ذاته .
ردا ، ابتسم فراي قليلا
"انا لا اعلم .. و لكن .. انت تملك كل الوقت لتفكر باجابة ، ربما ستجدها غدا ، او بعد سنة .. لكنك ستجدها بالنهاية"
كانت اجابة متفائلة جدا بالنسبة لاغاروث الذي لم يبدي اي رد فعل يذكر ، لكنه سرعانما تنهد مرة اخرى ، مفلتا قبضته و مخففا على نفسه .
"لنبدأ بمحاولة الخروج من عالم ارض البقاء اذا ... لربما الاجابة موجودة بالخارج هناك .. بعالم الاثير ."
"لربما هي كذلك " توسعت ابتسامة فراي ، بينما واصل الاثنان محاولة ايجاد حل يمكن اغاروث من استخدام الاثير .
و مضى الزمن سريعا .
أصبح الوقت الذي يقضيه فراي داخل عالمه الخاص اقل تدريجيا مع احتدام الحرب ضد سادة الضباب ، بحيث ان وجوده بات ضروريا بساحة المعركة . لكنه حرص على العودة متى ما استطاع ذلك .
بالمقابل ، اصبح اغاروث بمثابة المراقب ، الذي شاهد عالم ارض البقاء ينمو تدريجيا ، و حرص على ان يكون الجنة التي ارادها فراي ..
عالم يستحق القتال من اجله .. و بنفس الوقت ، هو لم يتوقف قط على البحث .. عن طريقة تجعله يغادر ارض البقاء .
بعد البحث لوقت طويل جدا ، لم يجد لا هو و لا فراي طريقة ... سوى استغلال القدرة الهائلة التي صنع بها .
قدرة الالتهام .
كانت قدرة قوية جدا ، لكنها امتلكت حدودا بذلك الوقت ، بحيث ان اغاروث لم يكن قادرا على امتصاص القوى بلا نهاية ، و كان جسده يمتلك حدا معينا يصبح مهددا بالانفجار إذا ما تخطاه .
رغم ذلك ، هو تحامل على نفسه جاعلا فراي يهاجمه بالاثير الخاص به ، ليتمكن من امتصاصه بفعالية اكبر .
كانت خطة محفوفةً بالمخاطر ، لكنها حملت نتائج غير متوقعة .
فبكل مرة ، كانت قوته تزداد كثيرا بفضل الاثير الذي امتصه من فراي ، الا ان ذلك لم يمنحه سيطرة عليه .
فاصبح يكرر الامر كلما جاء فراي ، مرة و مرتين ، و ثلاث و اربع ..
تحمل الاثير ، و شاهد جسده ينهار عشرات ، و مئات المرات في سبيل اكتساب تلك القوة الغامضة .
وفقاً لفراي ، هو صنع اغاروث بطريقة تجعله يشابه الكتاب كثيرا ، ما يجعل امتلاكه للاثير امرا ممكنا نظريا .
تلك النظرية اصبحت الحافز الوحيد الذي حثهم على الاستمرار ، معيدين الكرة بيأس ، دون استسلام نظرا لظهور النتائج بكل مرة .
اغاروث بدأ يصبح أكثر الفة مع الاثير تدريجيا ، و شعر ان جسده يتغير ليتحول الى شيء آخر تماما .
هو شعر بها جيدا ، أكثر من اي وقت مضى .
"انا قريب جدا .." ارتعش جسد اغاروث بحماس ذات يوم بعد انتهاءه من استعاب اثير فراي .
العملية تركته بحالة مزرية ، لكنه لم يهتم للضرر الذي تعرض له ، بل كان سعيدا بالنتائج ..
"اشعر بها يا فراي .. أشعر بها ، القوة التي تجري بعروق الكتاب ."
كانت قوة عظيمة ، قوة رأى اغاروث انه بواسطتها ، سيقدر على ان يصبح مخلوقا كاملا أخيرا ، و يكسر قيوده بالكامل .
"انا سعيد بهذا .. لكنك قد تموت قبل ان ترى النتائج يا اغاروث .. فجسدك بدأ يبلغ حدوده .." كان فراي قلقا من انهيار اغاروث جراء تعرض لكل ذلك الاثير .
"اذا ما انهار هذا الجسد ، فهذا يعني انك لم تجعله قويا بما فيه الكفاية ، هذا كل ما في الامر ."
لم يبدو اغاروث متأثرا بحتمال انهياره ، فالموت اثناء محاولة تحقيق ما اراده حقا لم يكن بالمصير السيء بالنسبة له .
كان هذا افضل من عدم القيام بأي شيء ، خصوصا و انه كاد ينجح و بات على بعد خطوة واحدة فقط .
"خطوة واحدة فقط .. الى ان جاءت نقطة التحول الاولى .." تروي ادوري ، مؤمنة بأن كل شيء قد بدأ من تلك اللحظة .
عندما كاد اغاروث و فراي ينجحان ، تعرض الاثنان للمقاطعة .
كانت تلك احد الليالي الهادئة بعالم ارض البقاء .
فراي و اغاروث كانا لا يزالان ينفذان خطتهما الانتحارية ، حيث هاجم فراي نظيره بكم مهول من الاثير .
لكنه توقف عندما نزل ضغط مروع من العدم جعله يتجمد مكانه . اما اغاروث فكان بحالة اسوء بحيث انه بالكاد ظل واعيا .
"ارى انك لا ازال تهرب من الواقع ، مختبئا بعالمك الصغير ... فراي ." جاء صوتها البارد ، باعثا قشعريرة نحو ظهر فراي الذي استدار ناحيتها ببطء .
"امي .." هو تحدث بصوت خافت ، محدقا بالكاتبة الاولى ..
كليا كانت وجودا ثقيلا ، امرأة احبها فراي كثيرا ، و كان يخشاها بنفس القدر ايضا .
"لماذا انت هنا ؟" هو سأل ، بينما ادار اعينه ناحية اغاروث ، الذي بالكاد استطاع تحمل حضورها .
"اراك خائفا ، و قلقا ... على مخلوق تشكل من مداد كلماتك ."
اقتربت كليا ببطء من فراي .
"كنت اعلم بالفعل عن تعلقك الغريب بالعالم الصغير الخاص بك ، لكنني لم اتخيل قط انك قد تبلغ من الجرؤة ما يكفي لتحاول جعل كيان كهذا مشابها لنا ."
وجه فراي تصلب بمجرد سماع كلام والدته الاخير .
'هي تعلم ..' هو اندهش ، غير قادر على فهم كيف استطاعت والدته معرفة ما كان يفعله ..
فعالمه الخاص كان تحت سيطرته بالكامل ، و لم تكن هنالك من طريقة الا يعرف ان كليا تراقبه ، او انها دخلت ارض البقاء .
كليا رأت حيرته جيدا ، فطمأنته اخيرا .
"لا تقلق ، انا لم آتي لقتله . فلمات بالفعل لو كانت تلك نيتي ."
وجهت كليا نظرها ناحية اغاروث ، الذي بدأ جسده ينزف من شدة الضغط . و الصدمة بادية عليه ..
"إذا لماذا ؟" سأل فراي ، راغبا بمعرفة سبب قدوم كليا .
فكان له ما اراد .
"لقد جاءت العرافة .. بنبوءة جديدة " ثم وجهت اصبعها ناحية اغاروث " نبوءة تخصه هو ."
اعين فراي توسعت و كأن صاعقة قد نزلت على رأسه ..
"نبوؤة .. لِيا ؟"
تردد فراي ، ملتزما الصمت محاولا معالجة الامر ..
العرافة .. لِيا ، الفتاة الاخرى التي تربى برفقتها بالماضي البعيد .
كانت هي التي ولدت بالقدرة ، لتكون العرافة .
كانت هنالك الكثير من القدرات الكاسرة التي ترى المستقبل ، او تتنبأ به بدقة . لكن احيانا ، يتغير المستقبل عندما تتصادم تلك القدرات الكاسرة .
و بعض المخلوقات لا يمكن توقعها اطلاقا نظرا لقوة المصير الخاصة بها ، كليا خير مثال على ذلك .
او الخراب الشاحب اودن ..
لكن العرافة كانت مختلفة ، فهي تحمل الرون الذي يجعل رؤاها تصيب بشكل مخيف ، بنسة 100% .
وكانت الرؤى الخاصة بها احد اهم اسلحة الكتاب ، الذين يتجنبون الاسوء من خلالها .
العرافة .. رأت شيئا ما يخص اغاروث من بين الجميع .
"ليا .. العرافة ، مالذي تنبأت به ؟" سأل فراي بحذر .
"لقد حذرت ، من ان اغاروث لا يجب ان يصبح اقوى مما هو عليه بالفعل ، و الا سيتحول الى خطر عظيم بالمستقبل ... كارثة هائلة تساوي اسياد الضباب ."
"مالذي تتحدثين عنه بحق الجحيم ؟!" كان رد فعل فراي عنيفا ..
محدقا بوالدته ، ثم اغاروث الواقف خلفه .. قبل ان يعود اليها مرة اخرى ..
حاول قول شيء ما للانكار ، لكنه لم يستطع تكوين جملة واحدة حتى ، لمعرفته التامة بأن رؤى العرافة لا تخطئ ابدا ..
"اغاروث .. كارثة ؟ لكن .." صر فراي على اسنانه ، بينما ضغطت امه اكثر .
"انه مخلوق صنعته يداك ، لذا مسؤولية التعامل معه تعود عليك ، فهذا عالمك انت .. "
"سأمنحك الخيار ، اما ان تتوقف عن اعطاءه الاثير و تسلبه القدرة على زيادة قوته .. او تقتله الان ."
اعين كليا المظلمة الشبيهة بالفضاء بدت أكثر سوادا بذلك اليوم ، معطية إياه الخيار .
لكن كل خيار كان اسوء من الاخر ، و فراي لم يستطع اجبار نفسه على ان يختار .
الاول عنى تخلي اغاروث عن الهدف الذي وضعه لنفسه وذلك اشبه بالموت له ، و الثاني يعني الموت بشكل حرفي .
عندما رأته يتردد ، اقتربت كليا خطوة أخرى .
"لا تدعي انك تهتم به يا فراي ، ولا تحسب انني لا اعلم الحقيقة ." اضافت كليا .. " انت لا تراه سوى كسلاح ، و تريد استخدامه ضد سادة الضباب ، اليس كذلك ؟" ابتسمت كليا ، مظهرةً بعض الفخر بابنها .
"لقد صنعته ليكون مضادا لهم ، لهذا السبب تريد احضاره لعالم الاثير بهذه الشدة، و تساعده بهذه الطريقة ... رغم انك تحاول انكار ذلك ، لكنك لا تراه سوى كأداة لا غير ." قالت الكاتبة الاولى ما لديها ، على مسامع اغاروث الذي كان الاكثر صدمةً بما سمعه ، لدرجة انه رفع رأسه بصعوبة مقاوما الضغط ، محدقا بفراي بتلك الاعين الحمراء القاتمة ، و زوبعة من المشاعر تبرز من خلاله .
"تفترضين ما تشائين من تلقاء نفسك ... الهذه الدرجة تريديني ان تكون شبيها بك ؟" رد فراي ، مواجها والدته .
"اتنكر إذا؟" هي سألته ، فسكت فراي . فالكذب على امه لم يكن ممكنا .
و مع استمرار ذلك الصمت ، كليا دفعته أكثر ليتخذ قراره .
لكن الشخص الثالث الحاضر بينهما تكلم أخيرا، بعدما استجمع كل ما لديه لقول بضع كلمات ..
"سأتوقف .. سأختم قوتي و أوقف نموي ." تحدث اغاروث بصعوبة شديدة و الدماء تسيل من اعينه و فمه .. رامقا فراي و كليا بنظرة مظلمة مرعبة ..
"اغاروث .." استدار فراي ناحيته ، و المرارة بادية عليه .
اغاروث أصبح مضطرا للتضحية بكل ما بناه ، و العودة الى نقطة الصفر .
لكنه على الاقل .. قرر تقرير مصيره بنفسه ، بدلا من ترك غيره يقرره ، رغم انه شعر بالقهر ، و المرارة كما لم يفعل يوما .
فبسبب نبوءة واحدة ، تحطم كل شيء .
و بدأ مسار آخر أكثر ظلاما يتكون ببطء ..