حدث كل شيء بسرعة .
انهار كل شيء بسرعة .
'أخذ بناء كل هذه القوة ابد الدهر ، لكنه انهار بلمح البصر .. بهذه السهولة !' إرتجف اغاروث ، غير قادر على رفع رأسه امامها ، ولا النظر بعينيها .
حضور كليا كان ساحقا جدا ، بشكل مرعب لم يختبر مثيلا له من قبل .
هو امضى وقتا طويلا مع فراي الذي كان قويا جدا بمنظوره ، و قابل عدة كتاب اخرين مثل اخوة فراي و والده .
لكن كليا كانت مختلفة ، كانت وحشا من نوع آخر تماما يختلف عنهم ، و كأنها النسخة الاقوى على الاطلاق التي قد يبلغها فراي لو تدرب بشكل جدي طوال حياته .
رغم ذلك، قوتها لم تكن أكثر ما ازعجه ، الغليان الذي شعر به بتلك اللحظة كان نابعا من شيء آخر تماما .
اغاروث الذي قضى وقتا طويلا ضائعا ، يواجه ازمة وجودية غير قادر على تحديد ما يكونه بالضبط ، و شعر بأنه ليس سوى كلمة واحدة كتبت على صحفة فارغة من بين مئات الصفحات ..
هو حصل على الامل ، و كاد يرى النتائج .
لكن الامل سلب منه سريعا .
'بسبب نبوءة واحدة .. نبوءة واحدة ! '
إما الموت ، او ان يختم قوته و يضحي بنموه . كان خيارا أفضله مر .
ولعل اسوء ما في الامر ، هو ان الخيار لم يمنح له رغم انه تعلق بمصيره ، بل منحته كليا لفراي .
معتبرة اغاروث مجرد اداة بيد الاخير ، كائن تافه و مجرد حبر ضائع علب ورق . كانت تلك الطريقة التي نظرت بها كليا اليه .
بل فراي نفسه قد يكون مشابها لها ، على حد قولها .
'لماذا يساعدني لكي اغادر هذا العالم ؟ لماذا يحاول جعلي قويا لهذه الدرجة ؟'
كانت هذه اسئلة طرحها اغاروث على نفسه كثيرا ، حتى قبل وقوع الحادثة و قدوم النبوؤة ، لكنه تجاهل الامر دوما محاولا اقناع نفسه ، بان فراي حقا لم يضمر اي نوايا خفية تجاهه .
لكن الواقع كان يشير لحقائق أخرى تماما ..
'لكي اقاتل سادة الضباب ..'
على حد قول كليا ، كان اغاروث مخلوقا يحمل قوة مضادة لتلك الخاصة بسادة الضباب ، قوة تتيح له التسبب بضرر حقيقي لهم .
فراي كان يساعده ليس حبا فيه ، بل طمعا باستخدام تلك القوة ضدهم بعالم الاثير .
بينما تجادل فراي و كليا امامه ، و وقف عاجزا عن القيام بأي رد فعل يذكر ... شعر اغاروث بذهنه يبلغ الحافة .
'ما هي الحرية ؟'
هو تساءل ..
'اانا حر ؟ على ماذا عشت حياتي حتى الان ؟ هل القرارات التي اتخذتها كانت نابعة مني ؟ ام ان غيري قد قررها نيابة عني سلفاً ؟'
'هل وجودي تافه ، لدرجة ان نبوءة واحدة تكفي لتعيد كتابة مصيري بالكامل ؟’
توهجت اعين اغاروث الحمراء بشكل خافت ، بينما ظهرت عليه ملامح الغضب ، اليأس ... و المرارة .
رغم امتلاكه لاثنين من اقوى القدرات البصرية القادرة على رؤية المستقبل و التلاعب بالمصير ، الا انه عجز دوما عن رؤية مصيره الخاص .
فراي برر ذلك بأن مصير اغاروث قوي لدرجة انه لا يمكن توقعه اطلاقا ، لكن هل كانت هذه هي الحقيقة ؟
فقد استطاعت العرافة رؤية مصيره ، و بناءا على ذلك .. اصبح مجبرا على الاختيار ..
"سأتوقف ... سأختم قوتي و اوقف نموي ." اتخذ اغاروث قراره بنفسه على الاقل ، مستجمعا كل ما لديه من قوة فقط للادلاء بهذه الكلمات .
"اغاروث .." نطق فراي اسم المخلوق الذي صنعته يداه ، غير قادر على قول اي كلمة اضافية .
نظرة اغاروث كانت حادة ، و مرعبة جعلته غير قادر على مواجهته ، لكن الكاتبة الاولى كليا قد كانت مختلفة .
"مذهل ... لقد تمكنت من الحديث رغم انني لم اتهاون بالضغط عليك ." مدت كليا يدها ناحية اغاروث . " قواك ليست بالتي يجب ان يملكها مخلوق مكتوب ."
بحركة واحدة ، تضاعف الضغط على اغاروث بشكل مروع ، لدرجة انه سقط ارضا غير قادر على الوقوف بعد الان ، و بدأ كيانه بحد ذاته يرتعش .
"لربما كان إبني متساهلا معك ، لدرجة انك نسيت مقدار نفسك ." ثنت كليا اصابعها ، متحكمة بالضغط المسلط على اغاروث ." انت لا تملك الحق للاختيار ، مثل اي مخلوق اخر بهذا العالم المكتوب ، يفترض بك ان تعيش داخل هذه القوقعة ، و ترضى بمصيرك ... لكنك تحاول الهرب منها و تتجاوز حدودك ."
بنظر كليا ، كان اغاروث وجودا شاذا تماما ، فالمخلوقات التي تنتمي للكتب لا تعلم بوجود الكتاب من الأساس عادةً ، الا ان اغاروث كان مختلفا ، فهو يعلم كل شيء عنهم لدرجة انه يحاول بلوغ نفس العالم الذي يعيشون فيه .
هذا لوحده كان سببا كافيا لقتله بالنسبة لها ، لكن فراي تدخل بالنهاية واقفا بوجهها محيداً الضغط عن اغاروث .
"هذا يكفي ، لقد قمت بما فيه الكفاية ." قال فراي بنبرة حادة و نفاذ الصبر باد عليه . "حصلتُ على النبوءة بالفعل ، لذا فالتغادري عالمي ."
بغض النظرة عن النبرة المهددة بصوته ، كليا لم تبدو متأثرة .
"إستفق يا فراي ، فتعلقك الزائد بمخلوقات عالمك لن يعود عليك سوى بالمآسي ." حذرته كليا بجدية .
"اشعر بطريقة مختلفة ." رد فراي باقتضاب ، و أومأ كليا .
"ارى .." هي اغمضت اعينها قليلا مطلقة تنهيدة عميقة ، قبل ان تفتح اعينها مرة اخرى . " لكن الكلمات غير كافية ." هي اقتربت ببطء .
"احتاج لختم قواه بنفسي لضمان خضوعه ." هذه المرة كليا لم تكن تسأل .
فراي كان يعرف والدته جيدا ، و علم انه لن يستطيع فعل شيء لمنعها مما كانت توشك على القيام به . فهي لم تكن تمزح بهكذا اشياء .
واقفةً امام اغاروث ، قامت كليا باستحضار الاثير الخاص بها مازجةً اياه مع الاورا ، فإذا بسلاسل قوية جدا تلتف حوله خانقةً اياه .
بثوان معدودة ، شعر اغاروث بقواه تتبخر ، و الوهن نال منه سريعا غير قادر على فعل شيء .
كليا انتهت سريعا ، و تم تقييد اغاروث بالكامل ما انهى عملها بالفعل داخل عالم فراي .
قبل ان تغادر ، هي التفت ناحية ابنها مرة اخرى .
"الحرب ضد سادة الضباب ستدخل مراحلها العميقة بالفعل ، لذا فالتكن جاهزا ، فانا بحاجتك ." هي قالت بصوتها الهادئ المعتاد ، قبل ان يبدأ جسدها بالتبدد تدريجيا متحولا لغبار نجمي و تغادر عالم ارض البقاء .
كليا كانت قوية جدا ، لدرجة ان فراي لم يستطع منعها من دخول عالمه قط .
و بهذه البساطة ، تلاشى كل ما قام به هو و اغاورث و تبدد تماما .
بمجرد ذهابها ، الضغط على اغاروث زال أخيرا ما جعله قادرا على الحراك بحرية مرة اخرى ، فراي توقع رد فعل عنيف .
لكن اغاروث استلقى على ظهره بدلا من ذلك ، فتاحا كلتا اذرعه باقصى درجة ممكنة .
اعينه الحمراء حدقت بالفضاء اعلاه ، فضاء و رغم فساحته و كل تلك النجوم التي زينته ، الا انه لم يراه سوى مجرد سقف عال قليلا ، لكن يمكن بلوغه بسهولة .
"هاي .. اخبرني .." وجه كلامه ناحية فراي ، دون النظر اليه .
فراي كان واقفا بالقرب ، و لم يتحرك من مكانه قط بل ظلت اعينه مستقرة على اغاروث الملقى ارضا .. منهزما .
"انتم يا ايها الكتاب ، ألهذه الدرجة ترون انفسكم اعلى من سائر المخلوقات ؟ أتحملون من الغرور ما جعلكم تحسبون ... ان لكم كامل الحرية لتقرير مصير غيركم ؟" هو سأل ، ثم بدأ يضحك .
ام فراي ، فظل ساكتا .
"نبوءة واحدة فقط ، هذا كل ما تطلبه الامر لتأتي الكاتبة الاولى بنفسها و تحكم علي .. هههههههه ، بأي حق ؟ الأنني مخلوق من صنيع ايديكم يا ايها الكتاب ؟ هل لانني ادنى منكم ؟" زادت الحدة بنبرة اغاروث .
"لا يا اغاروث .. لا ." رد فراي و الاضطراب و عدم اليقين باديان عليه .
"حتى و لو لم يكن انت .. حتى و لو كان كاتبا او حتى انا ... المجلس دوما ما ياخذ بالنبوءات على انها شيء مطلق و يعمل بها دون استثناءات .."
العرافة تعتبر اهم اسلحة الكتاب ، فنبوءاتها دوما ما تجنبهم الاسوء .
كل رؤية تراها دقيقة تماما ولا تخطئ أبدا ، و دوما ما يتم حماية العرافة باعمق نقطة بالمجلس ، و يلازمها دوما 3 كتاب ، يكون واحد منهم على الاقل كاتبا اول سابقا ، و الاخران معه من ضمن اقوى 5 نشطين حاليا .
بمعنى اخر .. حتى و لو لم يكن اغاروث ، كان كليا ستتصرف بالطريقة ذاتها ، هذا ما حاول فراي ايصاله .
لكن ضحكة اغاروث اشتدت لا غير .
"كان الامر ذاته ليحدث لو كان شخص اخر مكاني ؟ لا تعبث معي رجاءا ." نهض اغاروث ببطء . " إذا لماذا يحدث هذا لي انا ، و ليس اي شخص آخر ؟"
"لماذا قد تحاول هذه العرافة العظيمة .. لِيا ، تقييدي من بين الجميع ؟!!"
"انا ... لا اعلم ." اجاب فراي ، فتنهد اغاروث .
"لا تعلم اذا " هو نهض ملتزما الصمت لبرهة ، و دخل بتفكير عميق .
أصبحت قواه مقيدة ، و بات الطريق اصعب بكثير عليه الان فهو لم يعد لنقطة الصفر فحسب ، بل الى نقطة ابعد حتى بما انه حرم من اقوى قدراته .
رغم ذلك ، اغاروث لم يكن قد استسلم بعد و هذا ما ادركه فراي .. و الا ، لكان اختار الموت بدلا من تقييد قواه .
"لابد من طريقة اخرى .. لنحاول بطريقة مختلفة .." كسر فراي الصمت ، فقاطعه اغاروث .
"هلاّ تركتني بمفردي لبعض الوقت ؟ هنالك الكثير من الفوضى داخل عقلي الان ... انا ، انا بحاجة لبعض الوقت ." اغاروث لم ينظر لفراي قط ، و هذا الاخير تفهم الموقف .
فأومأ قليلا ، قبل ان يعطيه ظهره .
"سأعود قريبا ." هو ترك هذه الكلمات التي لم تحصل على رد ، و غادر فورا عالم ارض البقاء تاركا اغاروث خلفه .
...
بتلك اللية ، عاد فراي الى عالم الاثير و زار المجلس الكبير .
هو لم يأتي ليقوم بدوره ككاتب ، او للمشاركة بمجالس الحرب الكثيرة التي اقيمت ، بل هدفه كان زيارة شخص معين .
"أريد رؤية العرافة ." هذا ما قاله لحراس المجلس ، الذين ترددوا فيما بينهم بعد سماع طلبه .
بالعادة ، يحظر تماما السماح لاي شخص برؤية العرافة ما عدا لقلة مختارة .
رتبة فراي بتلك اللحظة لم تكن تخوله مقابلتها ، لكن الجميع كان يعرف مدى اهميته ، بالإضافة لكونه ابن الكاتبة الاولى .
فحصل على الاستثناء و تم السماح له بالمرور شرط ان يرافقه اثنين من حراسها على الاقل .
المجلس كان عبارة عن عالم كامل بحد ذاته ، اشبه بمتاهة كونية عملاقة ، متعددة الاتجاهات و المسارات .. صممت عن طريق توحيد جهود عدد كبير جدا من الكتاب الاقوياء بالماضي البعيد .
تصميمها المعقد جعلها بمثابة حصن منيع و مناسبة جدا لحماية الاشياء الثمينة و التي لا يجب المساس بها .
العرافة خير مثال ، فمن اجل لقائها ... فراي اضطر للتعمق كثيرا داخل المتاهة ، و بالكاد استطاع الحفاظ على خيط الطريق الذي منحه له الحراس .
اي شخص اقل قدرة كان ليضيع الطريق بكل تأكيد .
بالنهاية ، وصل فراي و وجد نفسه امام المكان الذي تم الاحتفاظ فيه بالعرافة .
خلف باب عظيم جلس عند مدخله رجل قديم اشيب الشعر ، لكنه لم يبدو عجوزا قط ...
كانت اعينه مظلمة تشبه قليلا الخاصة بكليا ، ملامحه ابانت عن الحكمة و الذكاء . ملابسه كانت فاخرة ، بدلة جلدية سوداء اللون مفصلة بعناية على جسده .
هو لمح فراي بمجرد وصوله .
"ماذا لدينا هنا ؟ " هو رفع رأسه ناحية فراي " اليس هذا ابن الكاتبة الاولى ذائع الصيت ؟"
ابتسم فراي قليلا ازاء سماع هذا .
"ذائع الصيت ؟ يبدو ان الاخبار لا تصلك فقد سقطت رتبتي و شهرتي كثيرا ... يا ماسدور ."
ماسدور .. الكاتب الاول قبل كليا . كان هذا اسما اكثر شهرة من الخاص بفراي بكثير .
"اعذرني ، فانا لم اعد أشعر بمرور الزمن منذ ان وضعتني والدتك هنا ." تنهد ماسدور ، قبل ان يسأل " إذا ؟ ما سبب قدومك اليوم ؟ هل اشتقت للعرافة ؟"
أومأ فراي .
"اود رؤيتها لو سمحت "
هو كان يحادث ماسدور ، بينما تفطن بالفعل للكاتبين الاخرين الموجودين بالجوار ، يراقبونه من بعيد .
ماسدور كان الوحيد الذي كشف عن نفسه دون مبالاة ، و لم يظهر اي عداء لفراي فاتحا الباب امامه .
"ادخل لكن كن سريعا ، فالعرافة يجب ان تتجهز للنبوءة القادمة ."
ردا ، أومأ فراي .
نبوءات العرافة كانت دقيقة دوما ، لكنها احتاجت وقتا طويلا و جهدا عظيما من العرافة .
اثناء فترة استبصارها ، لا يسمح لاحد برؤيتها او مقاطعتها ولا حتى كليا بنفسها ، لكن فراي اختار وقتا جيدا بما انها اعطت نبوءة من وقت قريب ، و لم يكن من المرجح انت تبدأ بالتالية بعد .
بمجرد ان فتح الباب ، تقدم فراي و تجاوز ماسدور ، لكن الاخير قال بضع كلمات إضافية بمجرد مروره .
"تعال الي عندما توشك على المغادرة و خض معي نزالا ، و هذا هو ثمن سماحي لك برؤيتها. " بدا ماسدور القديم متحمسا قليلا لمواجهة ما يعرف بذروة الجيل الجديد ..
فراي ابتسم ردا .
"لك ما تريد ."
هو خمن ان ماسدور اختار توقيت المغادرة لكي لا يجعله يبدو مستنزفا امام العرافة ، فمعركة ضد الكاتب الاول السابق كانت ستتطلب الكثير من فراي و قد ادرك هذا جيدا .
واضعيا اياه خلف ظهره ، ركز فراي على ما كان امامه خلف الباب العظيم الذي انفتح له كاشفا عما تواجد بالداخل .. و كان ما رآه مذهلا تماما .
كانت حديقة فسيحة شديدة الجمال ، سماؤها عبارة عن فضاء كامل مرصع بالنجوم ، اعلاها ارجوحة كبيرة ذهبية اللون احتوت على كرسي واحد جلست عليه فتاة ترتدي حجابا اسود و فستانا مماثلا باللون .
ملابسها بدت شبيهة بكليا ، لكن شعرها كان ازرق اللون ، و تحت عينها اليمنى توهجت 3 نجوم صغيرة براقة . بدت عابسة دون اي تعابير تذكر ، و كأن الملل نال منها تماما .
اعينها كانت غريبة ، زرقاء تتوهج قليلا و نجوم مرسومة بداخلها ...
"ليا .." ناداها فراي ، فاستدارت ناحية صوته .
بمجرد رؤيتها له ، انقلب وجهها رأسا على عقب و شقته ابتسامة واسعة ، بينما قفزت من الاعلى و ركضت نحوه .
هي ارتمت عليه فورا ، جاعلة وجهها يغرق بصدره بينما عانقته بحرارة .
فراي هو الاخر لف ذراعيه خلف ظهرها مبادلا اياها العناق .
"مر زمن طويل .. ليا " همس فراي بجانب اذنها . "سعيد برؤية وجهك بعد كل تلك السنين "
بتلك اللحظة ، ابعدت ليا وجهها عنه و الاستياء باد عليها بعدما كانت سعيدة للتو ..
"آه ! كيف تتركني وحيدة كل هذا الوقت دون زيارتي ولا مرة !" وجهت ليا لكمة ناحية صدر فراي ، و تركها هذا الاخير تصيبه لكنها لم تسبب اي ضرر له .
ردا ، هو ابدى وجها معتذرا ممسكا بيدها .
"تعلمين انني لا أستطيع القدوم متى ما اردت ، فانت بالغة الاهمية الان ولا يسمح لي برؤيتك ."
ليا تنهدت مديرة رأسها جانبا . "أكره كوني العرافة .. فكل ما افعله هو رؤية تلك النبوءات المخيفة باستمرار .. بينما تضيع سنوات حياتي بسرعة " لوهلة ، هي بدت حزينة .
لكنها عادت لابتسامتها السابقة سريعا "لكنك هنا الان و يمكننا امضاء بعض الوقت معا اخيرا !!"
هي بدت متحمسة ، مذكرة فراي بسلوكها الطفولي الذي لطالما تميزت به .
"لن اطيل البقاء ، لكن يمكننا الجلوس معا كما اعتدنا بالايام الخوالي لبعض الوقت على الاقل ."
ليا أومأت بحماس ، ما جعل الاثنين يقضيان الساعة الموالية باكملها يتجولان حول الحديقة النجمية .
العلاقة بينهما كانت قوية جدا ، فلطالما كان فراي اخا اكبر تتطلع له ، اما هو فرآها كالاخت الصغرى التي لطالما اعتنى بها .
كانت احد العلاقات القليلة التي فضلها فراي لانها كانت واضحة جدا دون اي تعقيدات .
ليا تحدثت بسرعة مرعبة ، تبصق 10 كلمات بالثانية الواحدة و تسأل عن كل شيء ..
و فراي اجابها بصبر بكل مرة ... سألته عن نفسه ، و اخوتهم الاخرين ، العالم .. كل شيء .
كانت فضولية جدا ما ذكر فراي .. بانها و رغم قدرتها المدهشة على رؤية المستقبل، الا انها جاهلة تماما بما يحدث في العالم بالخارج بسبب الحماية المفرطة المخصصة لها .
بعد الاصغاء لها لوقت طويل و اجابة كل اسئلتها ، راى فراي ان الدور قد حان ليطرح هو الاسئلة عليها هذه المرة .
"ليا ، لقد رأيتي نبوءة تخص اغاروث مؤخرا ، اليس كذلك ؟"
بمجرد ذكر اسم اغاروث ، تغير ملامح ليا مرة اخرى ، هي بدت متأسفة قليلا .. و خائفة بنفس القدر بينما أومأت .
"هذا صحيح .."
فراي اصبح اكثر جدية بعد ذلك ، سائلا اياها ..
"اريدك ان تخبريني بكل تفاصيل ما رأيته ، ولا تهملي شيئا "
ردا ، أومأت ليا بتردد ، قبل ان تتوهج النجوم بعينيها تدريجيا . فروت له ما رأته بالكامل .
"لقد رأيت .. وحشا . وحش كبير جدا مظلم اسود اللون ، يكبر و ينمو دون توقف مبتلعا كل شيء بطريقه . رأيت الكثير من الأشخاص يموتون بسببه ، بينما يواصل طريقه لالتهام كل شيء .. رأيتك هناك ، تنزف كثيرا بينما توشك على الموت ، و رأيت ضبابا كثيفا يقترب من بعيد ."
استمع فراي لما قالته ليا باهتمام ، بينما ترددت هي لقول ما تبقى من النبوءة بما انه كان سرا خطيرا ، لكنها قررت الثقة بفراي ، و لم ترد اخفاء شيء عنه .
"من الضباب ، انبعث وحش شاحب يضاهي الاسود قوة و حجما ، و بدا و كأنهما يقاتلان بعضهما البعض .. بينما ينزف العالم من حولهما ."
جاء الشق الاخير حاملا معه صدمة عارمة لفراي ، الذي بالكاد استطاع ربط الخيوط .
الوحش المظلم كان اغاروث ، ولا شك بذلك نظرا لقدرة الالتهام لديه و لو انها لم تكن قوية بما يكفي للتسبب بما قالته ليا .
لكن الشق الثاني ..
"الوحش الاخر .. الشاحب ، اهو ؟"
عم الصمت لوهلة ، قبل ان تومئ ليا بحذر .
"سيعود الخراب الشاحب قريبا ."
و كان هذا هو الشطر الاكثر اهمية من النبوءة .. الشطر الذي قلب المجلس رأسا على عقب .
الخراب الشاحب .. اودن .
كان اسما معروفا بالفعل ، يثير الرعب بقلوب كل مخلوق ... الاشد قوة من بين كل سادة الضباب على مر التاريخ .
لكنه لم يكن حاضرا بالزمن الذي عاش به فراي .
"اسطورة الحرب الاولى ... المعركة ضد الخراب الشاحب .."
كان هنالك اسطورة قديمة ، حول اودن .. حيث قاد حربا مدمرة ضد الكتاب بالماضي البعيد ، و تم صده بالكاد عندما واجهه 7 ابطال قدامى من اقوى الكتاب على الاطلاق .
جميعهم كانوا بمستوى يتيح لهم حمل لقب الكاتب الاول حينها ..
بالنهاية هم فازوا ، لكن لم ينجو منهم سوى ثلاثة و هلك اربعة بالمعركة .
كما مات اثنان من بين الثلاثة لاحقا متأثرين بالاصابات التي تعرضوا لها و لم ينجو سوى واحد .
"لكنهن نجحوا بايقاف اودن .."
كانت هذه هي الاسطورة .
"اودن لا يمكن قتله ، فهو يعود دوما ." قالت ليا بصوت كئيب .
اودن .. الخراب الشاحب اشبه بلعنة .
الاسطورة حول السبع ابطال الذين واجهوه لم تكن الاولى ، و لا الثانية .
هو كارثة تظهر بكل عصر ، يتسبب بدمار لا حصر له ثم يتم التعامل معه بطريقة ما بعد عدد مروع من التضحيات .
لكنه يعود على اي حال بعد مرور قدر معين من الزمن ، و اصبح معروفا بأنه لا يمكن قتله .. جملة مشؤومة تصفه بدقة .
وفقا لنبوءة ليا ، الخراب الشاحب كان على وشك معاودة الظهور قريبا ، ما جعل فراي يشعر بصداع شديد .
"هذا أكثر تعقيدا مما ظننت ..."