1 - الفصل الاول-الانتقال(الجزء الاول)

كان شاب يمشي ببطء في طرف الطريق، عندما لمح العجوز.

كانت منحنية الظهر، تمسك مجموعة أوراق كثيرة، تتلفت يمينًا ويسارًا بعينين متعبتين.

اقترب منها دون تردد.

“هل تحتاجين مساعدة يا جدتي؟”

رفعت رأسها بصعوبة، وابتسمت ابتسامة مهزوزة.

“آه… شكرًا لك يا بني… هل يمكنك مساعدتي في البحث عن حفيدي؟”

ناولته الأوراق.

كانت صورًا لفتى في مقتبل العمر.

قالت وهي تشير إلى الصورة المرتجفة بين أصابعها:

“إنه اختفى… منذ مدة… لا بد أنه تائه… لا بد أنه ينتظرني…”

نظر إلى الصورة طويلًا.

كان يعرف الحقيقة.

الفتى في الصورة… مات منذ شهرين.

لكنه لم يقل شيئًا.

خفض رأسه قليلًا.

“لا بأس يا جدة… سأساعدك.”

مشى معها لبعض الوقت، يريها الوجوه، يسأل المارة، رغم أنه يعرف أن لا أحد سيجيبها بما تريد سماعه.

كانت تبتسم له كلما التفت إليها.

وفي النهاية قالت بلطف:

“شكرًا لمساعدتي على البحث عن حفيدي.”

أومأ برأسه.

“لا بأس يا جدة… حسنًا، إلى لقاء.”

ابتعد عنها ببطء.

تنهد.

“إنها حقًا تحزنني… لقد مات حفيدها… لكن بسبب مرض الزهايمر تظن أنه اختفى… أنا أساعدها فقط بدافع الشفقة.”

نظر إلى الأوراق التي ما زالت في يده.

توقف.

ثم مزقها ورماها في سلة قريبة.

“في النهاية… إنه شخص ميت. لستُ مجنونًا كي أبحث عن شخص ميت.”

استدار ليعبر الطريق.

وفي تلك اللحظة—

ضوء قوي اندفع نحوه.

صوت رجل يصرخ.

شاحنة قادمة بسرعة.

اتسعت عيناه.

“لا… لا لا… لا يمكن… لا يمكن أن أموت بهذه الطريقة!”

تجمدت قدماه.

الصوت يقترب.

“لقد كنت فتى صالحًا… لماذا إذن أموت بهذه الطريقة؟!”

كل شيء أصبح بطيئًا.

صوت الفرامل.

ضوء أبيض يغمر رؤيته.

ثم—

ظلام.

“… ماذا… أين أنا؟”

كان الظلام يحيط به من كل جانب.

ثم—

بدأ خيط رفيع من الضوء يتسلل عبر العتمة.

فتح عينيه ببطء.

سقف خشبي قديم، ألواحه غير متناسقة، تتدلى منه خيوط غبار خافتة.

رائحة خشب رطب ممزوجة ببرودة صباح قارس.

حاول أن يتحرك—

فصدر من السرير صوت صرير حاد، كأنه يحتج على أقل حركة.

تجمد مكانه.

نظر حوله.

غرفة خشبية رثة.

جدران غير مطلية.

نافذة صغيرة تسمح بدخول ضوء شاحب.

بطانية سميكة لكنها خشنة الملمس.

“ليست من عصرنا…”

جلس ببطء، وكل حركة تصدر صوتًا مزعجًا من السرير.

تغير وضع نومه قليلًا، فعاد الصرير يتردد في أرجاء الغرفة.

تسارعت أنفاسه.

“هل هذا حلم؟ … لا… لا يمكن أن يكون حلمًا.”

رفع يده أمام عينيه.

ليست يده.

أصابع أطول.

بشرة مختلفة.

خشونة واضحة على المفاصل.

“لكن… ماذا أتى بي إلى هذا المكان الغريب؟”

وفجأة—

ضرب رأسه ألم خفيف.

ثم بدأت الصور.

ذكريات ليست له.

حادث.

عربة محطمة.

دماء على الطريق.

رجل وامرأة… لا يتحركان.

ثم طفلان يبكيان.

تدفقت الذكريات أكثر.

شاب فقد أمه وأباه في حادث.

لم يتبق له سوى أخيه.

اسم يتردد داخل عقله.

إيمون ديفاليا.

“… اسمي… إيمون ديفاليا.”

همس بها ببطء.

بحسب الذاكرة… صاحب هذا الجسد طالب في أكاديمية.

والذي ينفق عليهما هو صديق والدهما.

وله أخ أكبر.

يجب علي الخروج أشعر بعدم راحه وانا على هاذا سرير.

“حسنًا… سأخرج.”

وضع قدميه على الأرض.

وما إن وقف—

اهتزت الأرضية الخشبية تحت ثقله، وأصدرت صوتًا خافتًا.

نظر إلى الأسفل.

“ما هذا المنزل القديم حقًا… أكان علي أن أجد نفسي إنسانًا فقيرًا فقط؟ لو دخلت جسد ابن عائلة غنية…”

صمت.

“لكن ماذا أفعل الآن…”

وقبل أن يكمل فكرته—

فُتح الباب فجأة.

استدار بسرعة.

شاب طويل يقف عند المدخل.

شعر أسود داكن.

عينان زرقاوان صافيتان.

ملامح متناسقة بشكل مذهل.

حضور هادئ… لكنه حاد.

في لحظة، أدرك الحقيقة.

جيمس.

الأخ الأكبر لهذا الجسد.

نظر إليه جيمس بعيون ثابتة، ثم قال:

“هل استيقظت أخيرًا؟”

تردد قليلًا، ثم أجاب:

“آه… نعم.”

توقفت للحظة، ثم أضافت:

“هل هناك شيء تريده قوله؟”

راقبه جيمس بهدوء، ثم قال بنبرة خفيفة لكنها مباشرة:

“هل ادعيت المرض من أجل تجنب الاختبار؟”

الاختبار…

الكلمة فجرت ذكرى جديدة.

بحسب ذاكرة الجسد الأصلي—

هذا اختبار يُقام لتحديد إن كان الشخص من المختارين…

أو بالأحرى، من أصحاب القوى الخارقة.

يذهبون إلى المعبد.

يقومون بطقس ما.

وإذا تم اختيارك… تحصل على.

لكن التفاصيل… غير واضحة.

تشتتت أفكاره.

وفجأة—

“هل تتجاهلني؟”

صوت جيمس اخترق أفكاره.

هز رأسه بسرعة.

“لا… كنت فقط غارقًا في التفكير.”

تنهد جيمس بخفة.

“حسنًا. يجب أن نذهب. لا يجوز أن تتعب العم سايمون أكثر من ذلك.”

صمت لحظة، ثم تابع:

“هو من قام بتربيتنا بعد وفاة أمي وأبي. حتى إنه من دفع ثمن الاختبار… رغم أن المعبد لا يعطيه الكثير من المال، رغم عمله الجاد.”

ثبت نظره فيه.

“لذا كن حريصًا على ألا تخيب ظنه.”

ثم استدار وغادر.

أُغلق الباب.

بقي واقفًا في مكانه.

جيمس… مختلف تمامًا عن إيمون.

جيمس حصل على قوة بالفعل.

أما إيمون—

فكان عبئًا.

دائم الشجار.

دائم المشاكل.

يتعب العم سايمون بلا سبب.

خفض نظره إلى الأرضية المهتزة تحت قدميه.

“بهذا المعدل… لن أستطيع التعايش معهم إن بقيت كما كان إيمون.”

رفع رأسه ببطء.

“أول ما يجب علي فعله… أن أتعرف جيدًا على هذا العالم.”

لكن في تلك اللحظة—

أصدرت معدته صوتًا واضحًا.

تجمد مكانه لثانية، ثم وضع يده على بطنه.

“أوه… حقًا؟ هل أنا جائع الآن؟”

تنهد بخفة.

الإحساس كان حقيقيًا جدًا.

ليس كجوع عابر في حلم… بل فراغ حقيقي، مؤلم قليلًا.

“حسنًا… يجب أن آكل. بعد الطعام سأبحث لاحقا عن عن تاريخ هذا العالم العريق.”

مسح وجهه بكفيه، كأنه يهيئ نفسه.

“حسنًا… أظن أني الآن جاهز.”

اتجه نحو الباب، أمسك المقبض، وفتحه.

وفي اللحظة التي خرج فيها—

توقف.

العالم أمامه لم يكن يشبه عالمه القديم.

شارع مرصوف بالحجارة غير المتناسقة.

أصوات حوافر تضرب الأرض بإيقاع ثابت.

عربات خشبية تجرها أحصنة تمر ببطء، وصوت عجلاتها يحتك بالحجارة.

الهواء يحمل رائحة مختلطة…

خبز طازج، تبغ خفيف، وغبار طريق.

نظر حوله ببطء.

رجال يرتدون معاطف طويلة بسيطة.

نساء بفساتين محتشمة وأغطية رأس.

أطفال يركضون بين الأزقة الضيقة.

كان مختلفًا تمامًا عن عالمه.

“مذهل… نوعًا ما.”

لم يكن متطورًا، ولم يكن يحمل تلك اللمسة الحديثة التي اعتادها…

لكنه كان حيًا.

عينيه توقفتا على متجر صغير في الجهة المقابلة.

واجهة خشبية داكنة.

نافذة زجاجية بسيطة خلفها أرغفة مرتبة بعناية.

“ماذا كان جميلًا… ذاك المتجر الذي يبيع الخبز… بحسب ما أتذكر.”

أغمض عينيه لحظة، يسترجع ذاكرة الجسد.

“حسنًا… أظن أنه هو.”

عبر الشارع بحذر، متجنبًا عربة مرت ببطء.

عندما فتح باب المتجر، رن جرس صغير معلق أعلى الباب.

رائحة الخبز الدافئ ضربت أنفه فورًا.

دفء لطيف يختلف عن برودة الخارج.

المكان بسيط، لكن منظم.

أرفف خشبية تحمل أرغفة بأحجام مختلفة.

سلة تفاح في الزاوية، لونها أحمر باهت لكنه مغرٍ.

اقترب من الطاولة الأمامية.

خرجت سيدة في منتصف العمر من خلف الستار الداخلي.

ملامحها هادئة، عيناها تحملان تعب العمل اليومي.

“أيمكنني أن أعرف ما تريد؟”

نظر إلى الأرغفة لحظة.

“أريد رغيفًا من الخبز.”

توقف قليلًا، ثم أضاف:

“لا ضير في تفاحة… يبدو لذيذًا. أريد تفاحًا أيضًا.”

ابتسمت بخفة.

“حسنًا، تفضل.”

وضعت الرغيف في كيس ورقي خشن، ثم اختارت تفاحة بعناية ووضعتها معه.

مد يده إلى جيبه.

أخرج عملات فضية باردة.

ناولها لها.

أخذت القطع، أصدرت صوتًا معدنيًا خفيفًا وهي تصطدم ببعضها.

“شكرًا لشرائك.”

أومأ برأسه.

“شكرًا.”

خرج من المتجر، والجرس يرن خلفه مرة أخرى.

وقف جانب الطريق.

فتح الكيس قليلًا.

البخار الخفيف يتصاعد من الخبز.

كسر قطعة صغيرة، وتذوقها.

الطعم بسيط…

لكن دافئ.

نظر إلى ما تبقى من نقوده.

عدّها بهدوء.

“عشرون قطعة فضية…”

تأملها لحظة.

“إنها أكثر من كافية حتى أتدبر أموري.”

رفع نظره إلى الشارع من جديد.

شد على الكيس بيده.

الخطوة التالية واضحة في ذهنه—

الكتب.

التاريخ.

الفهم.

لأنه إن كان سيعيش هنا حقًا…

فلن يعيش جاهلًا.

2026/02/26 · 5 مشاهدة · 1156 كلمة
Ahmdd Ahmed
نادي الروايات - 2026