1 - ألاستيقاظ... لكن لماذا أشعر أنني صغير

"آه..."

أنّيتُ بضعفٍ وأنا بالكاد أستطيع تحريك جسدي. كانت كل حركة بسيطة تترافق مع ألمٍ غائر، أشبه بوجعِ ما بعد عملية جراحية معقدة؛ ألمٌ طغى على ما تبقى من تأثير المخدر في عروقي.

فتحت إحدى عينيّ بصعوبة، وجسدي يرتجف لسببٍ أجهله.

بصرتُ من خلال رؤيتي الضبابية غرفةً غريبة، تضيئها أضواء شمسية باهته، لكن ما أثار دهشتي كان تلك الدماء. ورغم تشوش رؤيتي وتخدر حواسي، تمكنت من تمييز تلك البقع الحمراء الداكنة المتناثرة حولي.

وفجأة...

"آآآآآ..."

صرخةٌ مزقت حنجرتي. اجتاحني تشنجٌ عنيف، وبدأ جسدي يلتوي بطريقةٍ مرعبة. شعرت بأطرافي تتشنج وكأن عظامي تُسحق، وكنت بكامل وعيي لأشعر بكل تفصيلٍ من هذا العذاب. أدركت حينها أن جسدي كان يعاني هكذا حتى وأنا فاقد للوعي، لكن الآن، وبعد أن استعدت حواسي، بدأ الإلم الحقيقي.

لم أقوَ على فعل شيء سوى الصراخ، بينما انهمرت الدموع من عينيّ لا إرادياً من شدة الألم الفظيع.

وبعد ما بدا وكأنه دهرٌ من العذاب... توقف كل شيء.

سكن الألم، وانقطع الصراخ، وجفت الدموع. تجمد جسدي في مكانه وأنا ما زلت عاجزاً عن استيعاب ما يجري. وما زاد الطين بلة، أن ذلك الفراغ الموحش الذي كان ينهش قلبي منذ الأزل، عاد أقوى من ذي قبل، وكأنه يثبت وجوده. ثم، وبطريقة غامضة، خفّ شعور النقص المنبعث من ذلك الثقب المظلم، وكأنه التأم قليلاً.

بينما كنت ألهث محاولاً التقاط أنفاسي بعد موجة الألم، بدأت الأفكار تتزاحم في رأسي: "كيف ما زلت حياً؟ أنا متأكد أنني متّ في ذلك الانفجار المهول!"

وفي خضم أفكاري، تردد صدى صوتٍ غريب داخل رأسي.

[لقد استيقظت أخيراً!]

حاولت رفع رأسي والالتفاف لأرى المتحدث، ظاناً أنني أهذي، لكن مهما حاولت، لم أرَ سوى الدماء المجمدة والكثير من لأجساد صغيرة لأطفال ، ممدة بلا حراك... لم أدرِ إن كانوا أحياء أم أمواتاً.

[أنا فعلاً داخل رأسك.]

"ماذا؟!" لم أستطع استيعاب الصدمة قبل أن يلقي بقنبلته التالية.

[لا تتفاجأ، أنا هنا لمساعدتك.]

"من أنت؟" سألته وأنا لا أزال في حالة نكران.

[.....]

[لا أعرف.]

ساد صمتٌ ثقيل في الغرفة، لم يقطعه سوى صوت طقطقة معدنية قادمة من مكان مجهول.

"ماذا بحق السماء؟ كيف لا تعرف من أنت؟" كان الأمر يفتقر لأي ذرة من المنطق.

[أنا حقاً لا أعرف من أنا، لكنني أعرف من أنت.]

نقرت على لساني بنفاد صبر، وسخرت من كلماته: "رائع... رائع حقاً كيان غريب يعيش داخل رأسي، لا يعرف من هو، لكنه يعرفني! شيء مذهل."

[أعلم أن الأمر يبدو غير منطقي بالنسبة لبيئتك، لكن عليك أن تصدقني. أنا فعلاً أجهل هويتي، لكني متأكد من قدرتي على مساعدتك.]

لم أدرِ بماذا أجيب. في الواقع، لم أفهم حتى سبب هدوئي النسبي. بعد برهة من التفكير، زفرت قائلاً: "حسناً، هل تعرف إذاً لماذا لا أزال حياً؟ أو لنطرح السؤال بطريقة أفضل: كيف لم يقتلني ذلك الانفجار؟"

[نعم... لكن السؤال هو: هل ستصدقني إن أخبرتك؟]

"وهل لدي خيار آخر؟ أنت الكيان الوحيد الذي يمكنني سؤاله الآن، وسواء أعجبني الأمر أم لا، عليّ تصديقك في الوقت الراهن."

[حسنٌ جداً. أولاً، أنت لم تمت حرفياً هناك.]

"......"

"حسناً، أكمل، لماذا توقفت؟"

[لماذا تبدو غير متفاجئ من هذا؟]

"لا أعلم حقاً... أنا فقط أشعر بأن... لا أعرف كيف أصف ذلك، لكني شعرت بشعور أفضل. شعور غريب بالانتماء منذ أن استيقظت، إحساس مريح لم أعهده من قبل. ربما لهذا السبب خفت شعور الفراغ داخلي، ربما لا اعلم."

[.....]

سكت صاحب الصوت للحظة. هل كان متفاجئاً؟ حائراً؟ لا أحد يعلم.

[ههه... كما هو متوقع منك.]

لم أفهم ما يقصده، ولماذا قال تلك العبارة تحديداً.

[حسناً، كما قلت، أنت لم تمت هناك. بالعكس، لقد استطعت العودة إلى هنا حرفياً.]

"ها؟ وماذا يعني هذا بحق الجحيم؟"

تابع كلامة متجاهلاً سؤالي

[في الماضي، كانت تنتابك نوبات ألم حادة في منطقة الصدر، ورغم زيارتك لأشهر المستشفيات وأفضل الأطباء، لم يستطع أحد تخفيف تلك المعاناة، أليس كذلك؟]

لم أرد. لم أستطع. لا أعلم إن كنت مصدوماً من معرفته الدقيقة بتفاصيل حالتي، أم من جهلي بحقيقة معاناتي التي قادتني إلى هذا المكان.

[سأعتبر صمتك موافقة. بعد مهمتك الأخيرة، ضربك ذلك الألم في صدرك... لنقل إنه فتح قفلاً قديماً، بوابة متصلة بنسختك الأخرى، بشـ...]

وقبل أن يتمكن من إكمال جملته، انطلق صوت رنين قصير، ثم انزلق باب المختبر المعدني ببطء — ززز... ششـ — كاشفاً عن الممر المعقم خلفه.

لم يكن تركيزي منصباً على الممر، بل على الشخص الواقف أمام الباب.

كان رجلاً طويل القامة، بوجه رمادي شاحب كالموتى، يرتدي نظارات شمسية دائرية صغيرة تخفي عينيه تماماً. كان يرتدي معطف مختبر أبيض، أو على الأقل كان أبيضاً في يوم من الأيام؛ فقد التصقت به بقع داكنة تؤكد أن هذا المكان لم يُبنَ للشفاء أبداً.

كان يقبض بيده على شعر طفلة صغيرة، بينما كان جسدها النحيل يرتجف بعنف... ربما من الألم، أو من رعبٍ يفوق الوصف.

وقف هناك يحدق بي، وكأنه لم يتوقع رؤيتي مستيقظاً على الإطلاق.

ثم، وبحركة بطيئة، ارتفعت زوايا فمه لتشكل ابتسامة بشعة... ابتسامة لا تراها إلا على وجوه المجانين المهووسين بالتعذيب.

لم أرتح لتلك النظرة أبداً؛ كانت تنذر بشيء مروع فأنا تعاملت مع مثل هؤلاء المجانين كثيرا.

​"هـ... هذا رائع،" تمتم ذلك الطبيب بصوت خشن تشوبه الرهبة وهو ينظر إليّ.

​رفع يده متأملاً الفتاة الفاقدة للوعي بازدراء، ثم قبض بيده الأخرى على رقبتها النحيلة ورماها بإهمال كما يُرمى كيس قمامة. سقطت الفتاة بالقرب مني مستمرة بالزحف، وسمعت صوت احتكاك خافت، كأن جسدها انزلق لعدة امتار قبل أن يسكن تماماً.

​أعدت نظري نحو ذلك المجنون الواقف عند الباب. بدأ يخطو باتجاهي، وتلك الابتسامة البشعة لا تزال ممزقة على وجهه الشاحب.

​"هههههه... لا أصدق أنك مستيقظ أيها اللقيط!" توقف فوقي تماماً وهو يضحك بهستيريا.

​فجأة، أمسكني من خصلات شعري ورفعني في الهواء بقسوة. لكن حدث أمر غريب...

​"ها؟!"

لماذا أشعر أنني... صغير؟ أنا متأكد أنني رجل طويل القامة. قد لا أكون بطول هذا المعتوه، لكنني بالتأكيد لست ضئيلاً لدرجة أن تتدلى قدماي في الهواء بمجرد أن يرفعني بيد واحدة!

​"أووه؟... ما الذي يفاجئك أيها الصغير؟ هل أدركت أخيراً أنك مجرد كائن بدائي قديم لم يشهد مثل هذا التطور؟"

​بماذا يهذي هذا المجنون؟ لم آبه لكلامه المعتوه، وحاولت تحريك عينيّ للأسفل لأتفحص جسدي، لكن زاوية رؤيتي لم تسعفني سوى برؤية فكه القبيح، المليء بغرز جراحية فجة.

​"هاا؟... هل تستمع إلي أيها الجرذ؟" قرب رأسه مني أكثر، حتى ضربت أنفي رائحة أنفاسه المتعفنة. وعندما وقع بصري على أسنانه المشوهة، اجتاحني غثيان عنيف من هول المنظر.

​نفد صبري من ثرثرته ورائحته المقززة، فبصقت الكلمات في وجهه باشمئزاز خالص:

"اخرس أيها اللعين! على الأقل ارتدِ كمامة تخفي شكل أسنانك المقزز هذا! أو الأفضل، جرب استخدام معجون أسنان... هناك أنواع كثيرة جيدة غير النعناع إذا كنت تعاني من الحساسية!"

​بعد كلماتي الساخرة وتعابير وجهي المحتقرة، ساد صمت ثقيل في الغرفة.

​[واو... هذا حقاً رائع.]

علق الكيان الغريب داخل رأسي بنبرة مستمتعة، وتخيلت أنني أسمع صوت تصفيق خافت يرافق كلماته.

​فجأة، أرخى الطبيب المخبول قبضته عن شعري، لأسقط بقوة على وجهي.

"آه..."

ارتطم وجهي بالأرضية الصلبة بشدة، حتى شعرت أن عظام أنفي قد تهشمت من قوة الضربة.

​"ماذا؟! أيها الجرذ اللعين! هل تعرف كم أنفقنا من مواردنا القيمة من أجل إخراجك من تلك الكريستالة؟ وها أنت ذا ترد الجميل بإهانتي؟! "

​صرخ بهستيريا وهو ينهال عليّ بالركل والضرب. كانت الضربات تمطر على رأسي وكامل جسدي، بينما كان يلهث بجنون مع كل ضربة يسددها. وتحت وطأة هذا الضرب المبرح، اجتاحني غضب عارم؛ فهذا المعتوه لا يبالي البتة إن كنت سأعيش أو أموت بين يديه.

​وفي ختام وصلة تعذيبه، وجه لي ركلة وحشية في جانب معدتي، أطاحت بي في الهواء نحو الجدار الحديدي. لكن، بدلاً من الاصطدام بالأرضية الباردة، هبطت فوق شيء أكثر... طراوة.

​فتحت عيني اليسرى بصعوبة، لأجد نفسي ملقىً فوق كومة من الأطفال. أطفال فارقوا الحياة. كيف عرفت؟ لأن الأجساد التي سقطتُ عليها كانت باردة، ساكنة تماماً، لا أثر لأي نبض أو حركة تنفس في صدورهم الصغيرة.

​"هذا اللعين... ماذا فعل بكل هؤلاء الأطفال؟" تمتمت بصوت متهدج، وأنا ألاحظ علامات التعذيب البشعة وأثر الموت الأليم المحفور على ملامحهم .

​"ابقَ هنا أيها الجرذ الوغد حتى أفرغ من عملي."

قال الطبيب وهو يتوقف ليلتقط أنفاسه. ثم ارتفعت زوايا شفتيه مجدداً لتشكل ابتسامة أشد قبحاً من وجهه نفسه، وأضاف:

"وأيضاً، سأحضر معي هدية صغيرة... متأكد أنها ستعجبكم."

​ألقى نظرة أخيرة عليّ، ثم على الفتاة الممدة، واستدار خارجاً من الغرفة ببساطة، وكأن شيئاً لم يكن.

(رأيكم في البداية؟)

2026/04/21 · 5 مشاهدة · 1288 كلمة
Another man
نادي الروايات - 2026