شابٌ في مقتبل العمر، ضامر الجسد كغصن يابس، بجلد شاحب يميل إلى الرمادي وسوادٍ عميق يحفر خنادقه أسفل عينيه، كان يجلس على حافة رصيف حجري متآكل أمام بوابة "برج التطهير". كان يقبض بكلتا يديه على قطعة من "نخاع الصبار" المشوي - ليس النوع الرخيص المليء بالألياف الخشنة الذي يقتات عليه أمثاله من حثالة الأراضي المنسية، بل كان النوع "المقدس" المستخرج من مزارع مملكة تيلابيا المعلقة، ذلك الذي لا يتذوقه إلا القادة، وقد كلفه الحصول عليه جميع ما جمعه من بيع جلود الوحوش لعدة أشهر.
لكن في هذا المساء تحديداً، قرر "جين" أن يعامل نفسه كبشري ولو لمرة واحدة.
فبعد كل شيء، رحلته في الهرب من "النداء" قد وصلت إلى نهايتها.
مستمتعاً بالحرارة المنبعثة من النخاع الدهني، رفعه أمام عينيه كأنه يقدم نخب وداع لحياته السابقة.
ثم قضم قمة النخاع.. وتجهم وجهه في لحظة.
"تباً! إنه مالح لدرجة الغثيان!!"
ألقى نظرة سريعة على القطعة التي كلفت ثروته، ثم زفر بضيق وأجبر نفسه على مضغ المزيد. سواء كان مالحاً أم لا، سيمتص كل ذرة طاقة دفع ثمنها - لتذهب حليمات تذوقه إلى الجحيم.
'كان يجدر بي شراء سكين صيد جديدة بدل هذا الهراء. من كان يعلم أن طعام الأسياد مقزز هكذا؟ على الأقل سيعطيني القوة الكافية لكي لا ترتجف ركبتاي بالداخل.'
نظر إلى الأفق، حيث "جدار الغسق" العظيم يحجب الشمس، أحس برغبة في الاستلقاء والنوم للأبد، فصفع خده بقوة ليستفيق.
"تسك.. يالها من صفقة خاسرة."
بتمتمات غاضبة، أنهى جين طعامه ووقف. كان "الكهنة" وخدام المملكة ممن يسكنون البرج يمرون بجانبه مسرعين، يرمقونه بتعابير تترواح بين الاشمئزاز والشفقة. بدا منبوذاً في ثيابه المرقعة، وبجسمه الذي أنهكه الجوع وقلة النوم؛ كان جين بالتأكيد جسماً غريباً في هذا المكان المنمق. وبالإضافة لذلك، بدا الجميع أكثر ضخامة وصحة منه، كأنهم ينتمون لسلالة أخرى.
بينما يراقبهم بنظرة حسد صامتة، ألقى بقايا غلاف النخاع نحو حاوية النفايات.
"أظن هذا ما تفعله بك ثلاث قرابين يومية للشياطين."
أخطأ الهدف، وسقط الغلاف على الأرض القذرة.
حرك جين عينيه بسخط، واتجه نحو الغلاف والتقطه بتململ قبل أن يضعه بحذر داخل الحاوية. ثم، بتجهم مرير، قطع الطريق ودخل إلى "برج التطهير".
في الداخل، قام حارس يرتدي قناعاً ذهبياً بإعطائه نظرة خاطفة قبل أن تضيق عيناه خلف القناع بتقزقز.
"هل ضللت الطريق أيها الجرذ؟"
نظر جين حوله بفضول، ملاحظاً رموزاً شيطانية محفورة بالذهب على الجدران، ومجامر يخرج منها بخار أرجواني يخدر الحواس.
بدا الحارس متعجرفاً وبارداً، تماماً كعادة كلاب السلطة أينما وجدوا.
"هيه! أنا أتحدث إليك!"
قام جين بتنظيف حلقه بقوة، ثم سعل سعالاً جافاً كاد يمزق صدره.
"اوه، لا تهتم."
حك مؤخرة رأسه التي يغطيها شعر أشعث، قبل أن يضيف بنبرة باردة:
"بناءً على مرسوم 'تيلابيا' المظلم.. أنا هنا لأسلم نفسي لكوني حاملاً لـ 'جنين الشياطين التسعين'."
تعابير الحارس تغيرت في لمح البصر من الاستعلاء إلى الرعب المحض. تراجع خطوة للخلف وهو يضع يده على مقبض سيفه.
"هل أنت متأكد؟ متى بدأت 'الأطراف' بالنبض؟"
هز جين كتفيه بلا مبالاة.
"منذ أسبوع؟ ربما أكثر."
أصبح وجه الحارس شاحباً خلف ذهب القناع.
"يا للهول.."
وبحركة مرتجفة، ضغط على زر بلوري في مكتبه وصرخ:
"انتباه! الرمز 'كولابس' في القاعة! أكرر! الوعاء المحرم قد وصل!"
ظهرت "لعنة الأطراف" في هذا العالم قبل قرون، مع سقوط أول جمرة من سماء تيلابيا.
في ذلك الوقت، كان العالم يحاول لملمة جراحه بعد حروب الآلهة التي لم تبقِ شجراً ولا حجر.
البداية كانت بظهور أوشام غامضة على أجساد المواليد، تتسبب في آلام لا تطاق ونبضات تحت الجلد، لكن الحكومات اعتبرتها مجرد تشوهات ناتجة عن التلوث السحري. لكن بعدما بدأت تلك الأوشام تنفتح كأفواه جائعة، وتخرج منها أطراف سحرية تمزق أجساد أصحابها ومن حولهم، أدرك الجميع أن العالم قد انتهى فعلياً.
عندما تحول المصابون إلى "أوعية" للشياطين القديمة وهم أحياء، سقطت المدن الواحدة تلو الأخرى. لم يكن أحد مستعداً لمواجهة كوابيس حية تمشي على قدمين.
لم يعلم أحد كيف يوقف اللعنة، حتى ظهر "المطهرون" - أولئك الذين استطاعوا ترويض تلك الأطراف وصهرها في أجسادهم دون أن يفقدوا عقولهم. هم من بنوا جدار الغسق وأسسوا النظام الذي يحكم اليوم.
لكن جين لم يكن يهتم بكل هذا التاريخ. بالنسبة له، كانت مجرد قصص تُحكى لتخويف الأطفال. لكن الأمر تغير قبل أيام، عندما بدأ يحس بشيء يتحرك داخل عموده الفقري، يهمس له بلغة لم يسمعها من قبل.
بالنسبة للنخبة في تيلابيا، الإصابة باللعنة هي تذكرة للخلود والقوة. يتعلم أبناؤهم كيفية "الارتباط" بالشياطين في أكاديميات خاصة، ويحصلون على أدوية باهظة لتسهيل عملية نمو الأطراف.
العائلات الغنية تشتري "قرابين بشرية" لتغذية أطراف أبنائها، ليزدادوا قوة وترقية في مراتب "المقدسين".
لكن لجين، الذي قضى حياته يبحث عن فضلات الطعام في الرماد ولم يدخل مدرسة قط، أن يتم اختياره من قبل اللعنة لم يكن شرفاً. بالنسبة له، كانت حكماً بالتمزق حياً.
بعد دقائق، كان جين يتثاءب بينما يقوم أربعة حراس بتقييد يديه وقدميه بسلاسل من "معدن الغسق" الذي يخمد السحر. وضعوه على كرسي حديدي ضخم في قبو البرج، يبدو كأنه مزيج بين طاولة تشريح وأداة إعدام.
الجدران كانت مبطنة بدروع عازلة للطاقة، والباب كان من الفولاذ السميك الذي لا يفتحه إلا كبار الكهنة. وقف الحراس بجوار الجدران ممسكين برماحهم، وعيونهم لا تفارق جسد جين النحيف، والتقزز يملأ وجوههم.
جين لم يعطهم أي اهتمام. كان يشعر بخدر لذيذ، وكل ما تمناه هو أن ينتهي هذا الصداع لينام.
أخيراً، انفتح الباب وظهر منه رجل يرتدي رداءً أسود طويلاً، شعره أشيب وعيناه تبدوان كجمرتين خامدتين. كان يبدو كشخص شرب من كؤوس الألم حتى الثمالة. تفقد الأصفاد، ثم نظر إلى ساعته قبل أن يواجه جين:
"ما اسمك يا وعاء؟"
رمش جين عدة مرات محاولاً التركيز، ثم تململ في قيوده.
"جين."
رفع الكاهن حاجبه.
"فقط 'جين'؟ اسم قصير لشخص يحمل تسعين نصلًا في ظهره."
حاول جين هز كتفيه، لكن السلاسل منعته.
"وما الحاجة لاسم طويل؟ في الأراضي المنسية، الأسماء ترفٌ لا نملكه. حصلت عليه لأن أمي كانت تناديني به قبل أن يأكلها الطفيل.. كانت ذات ذوق بسيط، كما ترى."
وبعد تثاؤب طويل، أضاف:
"هل سنبدأ؟ أم سأقضي ما تبقى من عمري في النظر إلى وجهك المتجهم؟"
شخر الكاهن بسخرية مريرة.
"هل تريد مني إيصال رسالة لأحد؟"
هز جين رأسه ببساطة.
"ليس لدي أحد ينتظرني. لنبدأ."
لمعت نظرة غامضة في عيني الكاهن لثانية، ثم استعاد بروده.
"حسناً يا جين، إلى متى تستطيع مقاومة 'الخروج'؟"
"أوه.. بدأ الجلد يتشقق بالفعل.. ليس لوقت طويل."
زفر الكاهن بعمق.
"إذاً ليس لدينا وقت للمراسم. حاول ألا تفقد عقلك واستمع إليّ بحذر. حسناً؟"
وبدون انتظار، أضاف:
"ما مقدار معرفتك بحقيقة الأطراف التسعين؟"
أعطاه جين نظرة خاوية.
"بقدر ما يعرفه الجميع؟ أخرجُ من هذا الكرسي كمسخ، أقتل بضعة جنود، ثم يأكل الشياطين روحي وأصبح مجرد جثة تسير لخدمة تيلابيا؟"
هز الكاهن رأسه ببطء.
"أنصت. عندما تبدأ المحاكمة الأولى، سيتم نقلك إلى 'غرفة الغسق' في عقلك. الأطراف هي تجسيد لخطاياك وقوتك. ستواجه وحوشاً هناك، وستقابل أشخاصاً من ماضيك.. تذكر: مهما بدا الأمر حقيقياً، فهم مجرد ظلال تحاول اختبار ثباتك."
"وكيف لك أن تعلم؟" سأل جين بفضول بارد. "لا أحد عاد من هناك ليخبرنا، أليس كذلك؟"
"قد تضطر لتمزيقهم يا فتى. لذا عاملهم كأوهام لكي لا يرتجف قلبك."
"أوه! فهمت."
انتظر الكاهن قليلاً ثم تابع.
"الأمر يعتمد على الحظ، لكن التعويذة تضع اختبارات، لا إعدامات. بنيتك ضعيفة، لكن من عاش في الرماد يملك غريزة بقاء لا يملكها أهل الذهب. لا تستسلم."
"تثاؤب.."
أصبح جين يشعر بثقل هائل في رأسه، وصوت الكاهن بدأ يتلاشى.
"بخصوص تلك الأطراف.. ستحصل عليها إن نجوت. قوتها تعتمد على ما تفعله في الداخل. تذكر: أول ما تفعله هو فحص 'أوشامك'. إذا تفتحت العيون على أطرافك بسرعة، فستكون الأمور أسهل. تصنيفات القوة الجسدية هي الأفضل لحالتك.. حاول أن تحصل على طرف 'الافتراس' أولاً."
أصبحت الغرفة مظلمة تماماً في عيني جين.
"إذا نجوت، ستكون أول 'ملك رمادي' نعرفه منذ دهر. إن فشلت.. فسيخرج الشيطان من جسدك هنا، وسنضطر لقتلك وتطهير المكان. لذا.. حاول ألا تموت رجاءً يا جين."
لامست الكلمات الأخيرة مسامع جين وهو ينزلق في غيبوبة عميقة.
"أو حاول ألا تموت بسرعة.. فالمطهرون لا يحبون تنظيف دماء الشياطين في وقت متأخر من الليل.."
"ماذا؟"
ومع هذه الفكرة الساخرة، غط جين في نومه العميق، وفي تلك الظلمة، رن صوت أجش وبعيد في أذنيه:
[أيها الحامل للخطيئة! مرحباً بك في عهد الرماد. فلتجهز أطرافك.. المحاكمة الأولى تبدأ الآن!]