الفصل الثاني | الرحلة بلا عودة

كان الليل لا يزال يغطي القرية.

ثم—

دووووووم!

انفجار هائل هز الأرض.

اهتز المنزل.

وتناثرت الأطباق.

صرخت الأم.

استيقظ إزاجي مذعورًا، وسأل:

— ماذا يحدث؟!

ركض الأب نحو الحائط.

انتزع سيفه القديم.

ثم فتح النافذة.

وتجمد.

كانت القرية تحترق.

أعمدة الدخان تصعد إلى السماء.

النيران تلتهم البيوت.

الناس يركضون في الشوارع.

صرخات.

بكاء.

وإطلاق نار.

قالت الأم بصوت مرتجف:

— لقد وصلوا...

استدار الأب إليها.

لم يكن في وجهه أي تردد الآن.

وقال بحزم:

— خذي إزاجي وأخته واذهبي إلى السفينة في الميناء.

نظرت إليه الأم بخوف، وسألته:

— وأنت؟

أجاب الأب:

— سأوقفهم.

قالت الأم:

— لا!

اقترب منها الأب وقال:

— هناك ستنجون.

ثم جثا أمام إزاجي.

كان الطفل يرتجف.

نظر إزاجي إلى والده وقال:

— أبي...

أخرج الأب ورقة صغيرة من جيبه، ووضعها في يد ابنه.

وقال له:

— عندما تشعر أنك ضعيف... افتح هذه الورقة.

نظر إزاجي إلى الورقة وسأل:

— ماذا فيها؟

ابتسم الأب وقال:

— ستعرف عندما يحين الوقت.

ثم وضع يده على رأسه، وقال:

— وتذكر شيئًا واحدًا.

رفع إزاجي عينيه إليه وسأل:

— ماذا؟

أجاب الأب:

— لا تتوقف.

نهض الأب.

مد يده نحو سيفه، فارتجفت أصابعه للحظة قبل أن تشتد قبضته حوله.

لم يرَ أحد ذلك.

علق سيفه على ظهره.

نظر إلى زوجته.

ثم إلى ابنه.

كانت ابتسامته هادئة، رغم أن شيئًا خلف عينيه كان يقول إنه خائف مثلهم تمامًا.

قال الأب:

— يبدو أن الماضي عاد أخيرًا.

ثم فتح الباب.

وقبل أن يخرج، التفت.

نظر إلى إزاجي مرة أخيرة.

ثم رحل.

---

ركضت الأم في الشوارع وهي تمسك بيد إزاجي، وتحمل طفلتها بذراعها الأخرى.

كانت الانفجارات تقترب.

والدخان يملأ السماء.

صرخت الأم وهي تشد يد إزاجي:

— إزاجي! لا تفلت يدي مهما حدث!

سأل إزاجي بخوف:

— أمي... أين أبي؟!

ترددت الأم للحظة.

ثم أجابته:

— سيعود.

سألها إزاجي:

— متى؟

شدت يده أكثر وقالت:

— سيعود... فقط لا تفلتني.

كان الناس يتدافعون نحو الميناء.

والجنود يصرخون:

— إلى السفن!

ثم صرخ أحدهم:

— أسرعوا!

وصاح آخر:

— لا تتوقفوا!

ركضت الأم وسط الحشود.

وفجأة—

فشخ!

اخترق رمح طائش ساقها.

توقفت.

صرخت من الألم.

كانت صرختها تحمل أكثر من الألم.

كانت تحمل خوفًا واحدًا:

ألا تصل.

سقطت على ركبة واحدة.

صرخ إزاجي:

— أمي!

اندفع نحوها.

وقال بخوف:

— أمي!

نظرت الأم إلى ساقها.

كان الدم يسيل منها.

لكنها نهضت بعزيمة لم يعرف إزاجي أن أمه تملكها.

قالت:

— أنا بخير.

نظر إزاجي إلى ساقها وقال:

— لكنك تنزفين!

أجابته:

— لا يهم.

ثم واصلت السير.

خطوة.

ثم أخرى.

كانت تتعثر.

تستند إلى الجدران.

ثم تتابع.

حتى ظهر الميناء أمامها.

والسفينة.

توقفت.

نظرت إلى السفينة.

ثم نظرت إلى إزاجي.

فهم الطفل.

وهز رأسه ببطء، وقال:

— لا...

نظرت إليه الأم وقالت:

— إزاجي...

أجابها وهو يبكي:

— لا.

قالت له:

— اسمعني.

هز رأسه وقال:

— لا أريد!

أنزلت الأم الطفلة الصغيرة من ذراعها، ووضعتها بين ذراعي إزاجي.

ثم قالت:

— لم أعد أستطيع الاستمرار.

صرخ إزاجي:

— لا!

قالت الأم:

— أنت يجب أن تكمل.

أجاب إزاجي:

— لا أريد!

أخرجت الأم قلادتها الخضراء، تلك التي لم تخلعها منذ يوم زفافها.

نزعتها من عنقها.

ثم وضعتها في يد إزاجي.

كانت لا تزال دافئة من جسدها.

نظر إزاجي إلى القلادة وسأل:

— لماذا؟

ابتسمت الأم رغم الألم، وقالت:

— احتفظ بها.

سأل إزاجي مرة أخرى:

— لماذا؟

سكتت الأم لحظة.

ثم قالت:

— لأنك قد تنسى وجهي يومًا.

تجمد إزاجي.

وقال بسرعة:

— لن أنساك.

تابعت الأم بصوت مرتجف:

— وقد تنسى صوتي.

أجاب إزاجي:

— أبدًا.

بدأت دموعه تسيل.

قالت الأم:

— وقد تنسى حتى كيف كنت أضحك.

انفجر إزاجي بالبكاء، وصاح:

— لن أنساك!

وضعت الأم جبهتها على جبهته.

وقالت:

— إذن لا تنسَ هذه اللحظة.

ثم احتضنته بكل قوتها.

وبعد لحظات، ابتعدت قليلًا.

وقالت:

— احمِ أختك.

هز إزاجي رأسه وقال:

— لا أعرف كيف!

ابتسمت الأم وقالت:

— ولا أنا كنت أعرف كيف أكون أمًا مثالية.

مسحت دموعها، ثم أضافت:

— لكن عليك أن تذهب.

صرخ إزاجي:

— لا!

وضعت الأم يدها على وجهه، وقالت:

— إزاجي...

نظر إليها الطفل وقال:

— لكنني طفل!

ابتسمت الأم وهي تبكي، وأجابته:

— أعرف.

تساقطت دموعها.

ثم قالت:

— ولهذا أنا خائفة عليك.

وضعت يديها على كتفيه، ونظرت في عينيه.

وقالت:

— لكنني أعرف أنك ستفعل كل ما تستطيع.

دفعته برفق نحو الميناء، وقالت:

— اذهب.

ولا تنظر ورائك

توقف إزاجي.

ثم التفت إليها وسأل:

— لماذا؟

ابتسمت الأم رغم دموعها، وقالت:

— لأنني أريد آخر شيء تراه... أن يكون ابتسامتي.

ظل إزاجي يحدق بها.

ثم دفعه أحد الأشخاص وسط الحشد.

خطوة.

ثم أخرى.

ابتعد عنها.

صرخ:

— أمي!

حاول العودة.

لكن الحشود كانت أقوى منه.

اختفت الأم بين الناس.

صرخ مرة أخرى:

— أمي!

مد يده.

لكنه لم يجدها.

وقف للحظة وسط الزحام، تائهًا، بينما الوجوه الغريبة تمر من حوله كأنه غير موجود.

لم يكن هناك وقت للبكاء.

دفعه أحد الجنود من كتفه، وقال:

— تحرك يا فتى! الميناء من هذا الاتجاه!

فقط حينها تذكر إزاجي أخته بين ذراعيه.

---

وصل إزاجي إلى الميناء وهو يحمل أخته بقوة إلى صدره.

كان يبكي، وقال لها:

— لا تخافي...

ثم ضمها أكثر، وأضاف:

— أنا معك.

وفجأة اصطدم به أحد الأشخاص.

اختلت ذراعاه.

وسقطت الطفلة من بينهما.

تجمد إزاجي.

لم يتحرك.

لم يتنفس.

ثم اتسعت عيناه.

صرخ:

— أختي!

اندفع نحوها.

وصاح:

— أختي!

بدأ يبحث بين الأقدام والحشود.

وقال بصوت مرتجف:

— أين هي؟!

رأى قطعة قماش صغيرة على الأرض.

انحنى والتقطها.

كانت ملطخة بالدم.

توقفت أنفاسه.

حدق فيها.

ثم همس:

— لا...

رفع رأسه ونظر حوله.

وقال:

— أختي؟

لكن لم يجبه أحد.

صرخ بأعلى صوته:

— أختيييييي!

حاول العودة.

لكن الحشد دفعه بعيدًا.

ثم أمسكت به أيدٍ قوية.

صرخ أحد الرجال:

— أنت! اصعد!

قاوم إزاجي وصرخ:

— لا!

ثم قال وهو يحاول الإفلات:

— دعوني!

ركل بقدميه، وصاح:

— أختي هناك!

ثم صرخ بكل قوته:

— أمي هناك!

لكنهم رفعوه إلى السفينة.

أُغلقت الأبواب.

وبدأت السفينة تتحرك.

ركض إزاجي إلى الحافة.

مد يده نحو القرية.

كانت النيران تبتعد.

والدخان يخفي كل شيء.

صرخ:

— أمي!

لم يجبه أحد.

صرخ مرة أخرى:

— أختي!

لا جواب.

جلس إزاجي على أرض السفينة.

كان يمسك القلادة في يد.

والقطعة الملطخة بالدم في اليد الأخرى.

أما الورقة...

فكانت لا تزال مخبأة داخل ملابسه.

رفع رأسه.

لم تعد القرية سوى نقطة من الضوء في الأفق.

همس:

— لن أنساكم...

ثم شد قبضته، وقال:

— أقسم أنني لن أنساكم.

أغمض عينيه.

وبصوت خافت، قال:

— سأعود.

أقسم

استمرت السفينة في الإبتعاد

2026/09/02 · 5 مشاهدة · 1035 كلمة
نادي الروايات - 2026