أحياناً أتساءل، هل يمكن للإنسان أن يعتاد الألم؟ هل يمكن أن تصبح المعاناة جزءاً من حياته، كأنها شيء طبيعي، لا يمكن الهروب منه؟ أظن أن الإجابة هي نعم. الألم هنا ليس شيئاً عابراً، إنه مثل الهواء الذي أتنفسه، مثل الجدران التي تحيط بي. أعيشه كل يوم، أراه في عيني والدي المنهكتين، وأسمعه في أنفاس أمي المتعبة، وأشعر به في قلبي الذي يحترق على كل شيء لا أستطيع تغييره. في عالمٍ ماديّ يعيش غنيه ويتألم فقيره.
اسمي حسن. أبلغ من العمر خمسة عشر عاماً، لكني أشعر أني عشت عمراً أطول مما ينبغي. أعيش مع والديّ في منزل بالكاد يُسمى منزلاً، جدرانه متشققة وسقفه يكاد ينهار فوق رؤوسنا. أبي، رجل كادح تجاوز الخمسين، يعمل في ورشة قديمة لدى أحدهم لإصلاح المعدات. أصابعه صلبة كأنها خشب قديم، لكنها ترتجف كلما حمل مطرقة أو مسماراً. أراه كل يوم وهو يحاول أن يخفي آلامه، لكنه لا يستطيع.
أما أمي، فهي امرأة ضعيفة المظهر، لكنها قوية كجبل. تخرج كل صباح تحمل صندوقاً من الخضار لتبيعه في السوق. تسير لمسافات طويلة، تقف لساعات في الحر أو تحت المطر، وتعود في المساء بابتسامة مرهقة وكلمات مليئة بالحب. دائماً تقول لي: "المهم أن تكمل دراستك، يا حسن. أنت أملنا الوحيد."
لكن، كيف أكون أملهم وأنا أشعر بالعجز كل لحظة؟ كيف يمكنني التركيز في دراستي بينما أراهم يكافحون ليلاً ونهاراً من أجلي؟ أحياناً أكره نفسي لأنني لا أستطيع مساعدتهم، لأنني لا أملك شيئاً أقدمه سوى أحلامي التي تبدو بعيدة مثل النجوم.
الحياة بالنسبة لنا ليست سوى سلسلة من الصراعات. كل يوم يحمل معه تحدياً جديداً، وكل ليلة أحاول أن أغفو على أمل أن يكون الغد أقل قسوة. لكن القسوة دائماً ما تكون حاضرة، تذكّرني أن حياتنا لا مكان فيها للراحة أو الفرح.
أنا حسن، ابن لرجل أرهقه الزمن، وامرأة تُذَوِب عمرها كل يوم من أجلي. أحمل اسمي وكأنه عبء، وحلمي كأنه ذنب. كلما حاولت أن أرفع رأسي، أجد سقف بيتنا المتهالك يذكرني أن الحياة لم تترك لنا مساحة حتى لنحلم. كم هو مؤلم أن تعيش وأنت تخشى أن ينهار العالم من حولك، بينما كل ما تملكه هو أمل هش، تحاول أن تُبقيه حياً وسط كل هذا الركام.
أعلم أني لا أملك رفاهية الانهيار. صوت أمي ما زال يتردد في رأسي: "أنت أملنا، يا حسن." كيف يمكنني أن أخيب ظنها؟ كيف يمكنني أن أُبدّد كل هذا التعب الذي تحمله هي وأبي من أجلي؟
كل مرة أفتح فيها كتاباً وأحاول أن أركز، أرى أمامي صورة أبي المنحني على أدواته في الورشة، ويد أمي التي تفرز الخضار في السوق تحت الشمس الحارقة، لا، لا يمكنني التوقف. حتى وإن كان قلبي مثقلاً بالهموم، سأكمل الطريق. ليس لأجلي فقط، بل لأجلهما، لأن كل خطوة أخطوها نحو مستقبلي هي امتداد لجهودهما، وهي الطريقة الوحيدة لأُعيد لهما يوماً جزءاً من كل ما قدماه لي.
وفي كل صباح كان حسن يشق طريقه إلى ثانويته، حيث أنه في الصف الأول الثانوي، كان طريق حسن إلى ثانويته رحلة يومية محفوفة بالمشاعر المتناقضة. يعبر أحياءً تبدو وكأنها تنتمي إلى عالم مختلف عن عالمه، منازل كبيرة بحدائق مرتبة، شبان من ثانويته واطفال يخرجون منها بملابس نظيفة ووجوه مشرقة، ويذهبون للمدارس وللأعمال بسيارات رافهة. كان ينظر إليهم بصمت، لا حسداً وإنما بغصة لا يستطيع إنكارها. كان يتساءل في داخله كيف يمكن أن تكون الحياة بهذه السهولة لبعضهم، بينما هي صراع يومي للبقاء بالنسبة له؟
لكن الطريق لم يكن خالياً من الإهانة. بعض المارة ينظرون إليه بنظرات شفقة لم تكن أرحم من الهمسات الجارحة التي يسمعها:
"أمي، أليس هذا الولد الذي يسكن في الحي القديم؟"
"نعم، سمعت أنهم يعيشون في بيت بالكاد يقف على أعمدته."
"يا أمي، لماذا لا يشتري حقيبة جديدة مثلنا؟"
كانت كلماتهم تخنقه أكثر من صراخٍ مباشر، لأنها تحمل حقائق يعرفها ويهرب منها. أما الأمهات، فكانت نظراتهن كالسكاكين، ترافقها تعليقات خافتة بالكاد تُسمع:
"مسكين، كم يبدو منهكاً."
"لا أظن أن هذا الولد سيستمر طويلاً في الدراسة، الظروف أقسى من الأحلام."
كان حسن يخفض رأسه، يحاول أن يجعل خطواته أسرع، كأنه يريد أن يهرب من كل تلك الهمسات التي تلاحقه، لكنها كانت تبقى معه، تصاحب أنفاسه الثقيلة حتى وصوله إلى المدرسة.
وفي المدرسة، لم تكن المعاناة أقل وطأة. كان يجلس في زاوية الصف، محاولاً أن يركز على شرح المدرس، لكن عقله كان دائماً شارداً. أحياناً يتخيل والده يكدح في ورشته المتهالكة، يتصبب عرقاً وهو يحاول إكمال يوم عمل بالكاد يكفي للطعام. وأحياناً يرى صورة أمه في السوق، واقفة تحت شمس حارقة، تحاول بيع الخضار لمن يساومونها بلا رحمة.
كان الجوع أيضاً يسرق تركيزه. أحياناً كان يستمع إلى صوت معدته وهي تعترض بصمت على يوم آخر من الحرمان، واحياناً يخجل من فتح حقيبته أمام زملائه، لأنهم سيلاحظون غياب الطعام فيها.
كان حسن يحاول دائماً أن يجعل نفسه غير مرئي، يجلس في زاويته في الصف، يتظاهر بالاندماج مع دروسٍ بالكاد يستطيع التركيز فيها. لكن الحصة لم تكن أبداً ملاذاً له. في أحد الأيام، وقف المعلم أمام الصف وطلب من الطلاب إحضار أدوات مدرسية إضافية لمشروع. مرّت عيناه على الجميع قبل أن تستقر على حسن، وكأنها تبحث عن ضحية:
- أوه، حسن، لا بأس إن لم تحضر الأدوات. يمكنك أن تُشاهد فقط.
كانت نبرته ساخرة، لكنها تحمل قسوة من نوع آخر. ضحك بعض الطلاب، بينما خفض حسن رأسه، يكتم شعور الإهانة الذي تفجّر في داخله. صمت، كما اعتاد أن يصمت، لأن الكلمة الواحدة منه قد تعني مزيداً من التعليقات أو مزيداً من الضحك.
في الاستراحة، وبينما كان الجميع يلعبون ويتحدثون، حاول حسن أن يبتعد عن الأنظار. لكن أحد الطلاب المشاغبين قرر أن يجعل منه هدفاً. أمسك بدفتر حسن القديم، الذي بالكاد احتفظت أوراقه الممزقة بترتيبها، ومزق بعض أوراقه إلى نصفين أمام الجميع قائلاً:
- ما هذا؟ دفتر قديم؟ كنت سأشتري واحداً جديداً لك بدلاً من لمسك لهذه القذارة.
صوت الضحك ملأ المكان، أما حسن، فقد أخذ بقايا دفتره بصمت، وابتعد إلى زاوية فارغة. جلس هناك، يحاول إعادة لصق الأوراق، لكن يديه كانت ترتجفان. كانت الدموع قريبة من شدة القهر، لكنه أبى أن يسقطها أمام الجميع.
في وقت الغداء، فتح حسن حقيبته، ليس ليخرج طعاماً، بل ليخرج كتاباً. التظاهر بالانشغال بالقراءة كان أسهل من مواجهة حقيقة أن حقيبته خالية من الطعام. كان يشعر بنظرات البعض تلاحقه، حتى جاء أحد زملائه وأشار إلى حقيبته قائلاً بصوت عالٍ:
- أين غداؤك يا عبقري؟
تجاهله حسن، كما فعل دائماً، لكنه كان يعرف أن الجميع يراقبون. كل ضحكة كانت طعنة أخرى، وكل نظرة كانت ثقلاً إضافياً على كاهله.
وفي اليوم ذاته، جلس بجواره طالب من عائلة غنية. بدا الأمر عادياً في البداية، لكن بعد قليل، طلب الطالب من المعلم أن يُغير مكانه. رفع صوته قائلاً:
- أيها المعلم، المكان هنا ضيق... وهناك رائحة غريبة!
كان الجميع يعلمون ما يقصده، بما في ذلك حسن. لكنه لم يرفع رأسه، ولم يُبدِ أي رد فعل. اكتفى بالنظر إلى الطاولة أمامه، يحاول كتم شعور الإحراج الذي أحرق وجهه.
في كل مرة، كان حسن يخبر نفسه أنه اعتاد هذه المواقف، لكن في أعماقه، كانت الجراح تتكدس، والجدران التي يبنيها لحماية نفسه تصبح أضعف. كل ما كان يريده هو أن ينهي يومه الدراسي، ليعود إلى منزله، حيث وجود والديه هو العزاء الوحيد في حياته، رغم كل الألم الذي يحيط بهم.
بعد يوم طويل، عاد حسن إلى منزله وهو يجر قدميه المثقلتين بالإرهاق والخذلان. فتح الباب المتهالك الذي أطلق صوت أنينه المعتاد، ليستقبله دفء بسيط كان بمثابة حضن يبعد عنه قسوة العالم الخارجي.
كانت أمه جالسة في زاوية الغرفة تحمل كوب شاي دافئ بين يديها، وبمجرد أن رأته ابتسمت برقة، كأنها وجدت ما يخفف عن يومها الطويل قائلة:
- عدت يا بني!، كيف كان يومك؟
دفعت نحوه كوب الشاي الآخر الذي أعدته خصيصاً له. لم يجد حسن ما يرد به سوى ابتسامة خافتة تخفي وراءها كل ما يشعر به. جلس بجانبها وهو يشعر بشيء من الحنين، لكنه لم يملك إلا أن يصمت، يستمع إليها وهي تحدثه عن يومها في السوق، عن المواقف الصغيرة التي تجعلها تبتسم رغم كل التعب.
لاحقاً، وبينما كان الليل يلقي ظلاله الثقيلة على البيت، عاد والده من عمله. أثقلته ساعات العمل الشاق، لكن عينيه أظهرتا حباً وإصرارً لا يلين. جلس بجوار حسن رغم الإنهاك الذي يكاد يهزم جسده. سأله بابتسامة متعبة:
- أخبرني، ما الذي تعلمته اليوم؟
تحدث حسن قليلاً عن يومه، لكن صوته لم يخف حزنه الذي كان حاضراً في كل حرف. لاحظ والده ذلك، وربت على كتفه قائلاً:
- لا تحزن، الأيام الصعبة لا تدوم. المهم أن تبقى قوياً.
شعر حسن برغبة قوية في البكاء، لكنه استمر في الصمت، مكتفيًا بلمسة والده التي كانت كل الدعم الذي يحتاجه.
بعد العشاء البسيط الذي أعدته أمه بحرص بالغ لتوفير ما يكفي للجميع، اجتمعت الأسرة حول مصباح قديم يتوسط الغرفة. بدأت أمه تروي لهم قصة طريفة من طفولة حسن، ذكريات بسيطة أضاءت لحظات قصيرة من الضحك الخفيف، رغم التعب الذي كان واضحاً في عيون الجميع.
عندما انتهى حسن من طعامه، وقف ليساعد أمه في تنظيف الأطباق. بينما كانا يعملان في صمت، قطعت أمه الهدوء قائلة:
- لا تشغل بالك بنا، يا حسن، أنت لا تعلم كم السعادة التي نشعر بها عندما نراك مرتاحً. حلمنا أنا ووالدك أن نراك تحقق مالم نستطع تحقيقه في حياتنا.
نظر إليها حسن بصمت، لكن عينيه عكستا وعداً صادقاً يحمل كل التصميم والامتنان لكل ما قدماه له.
يتبع....