الجزء الأول: خلف كنفديا الشاهقة

منذ أن وُلدنا، والأسوار هي حدود عالمنا، وهي السماء الثانية التي تحمينا.

نحن نعيش في كنفديا؛ المملكة المعزولة الشاسعة التي يحيط بها سور عظيم لا يُعرف له أول من آخر. بالنسبة للمواطن العادي في كنفديا، فإن الحياة تدور في حلقة آمنة وبسيطة، طالما ظل هذا السور الحجري الشاهق قائماً. لكن بالنسبة لنا في جيش الدفاع، وبخاصة في كتيبة "أصلاح الأفق"، فإن هذا السور ليس رمزاً للأمان، بل هو وحش هرم يحتاج إلى رعاية وتثبيت مستمرين.

التشققات في السور أمر معتاد؛ فالزمن والرطوبة والضغط المستمر من الجانب الآخر تصنع دائماً ثغرات صغيرة تتسلل منها مخلوقات كريهة يُطلق عليها الجميع هنا اسم "الوحوش".

"إيلان! تحرك أسرع، العربات جاهزة للانطلاق!"

جاء الصوت حازماً وهادئاً من مقدمة العربة رقم 6. كان هذا صوت هاكون، قائد فرقتنا. هاكون رجل في الثلاثينيات من عمره، يتميز بذكائه الشديد وهدوئه الأسطوري في أحلك الظروف، وهو الرجل الذي يثق به الجميع عندما تتعقد الأمور.

"قادم يا قائد!" صرخت وأ أنا أتحرك بسرعة حاملاً حقيبة أدواتي الثقيلة.

أنا إيلان هالفدان، فتى في السابعة عشرة من عمري، مندفع، متهور في نظر الكثيرين، ومجند مبتدئ في فرقة إصلاح الأفق. عملنا بسيط ولكنه انتحاري: عندما يتشقق السور، ننطلق في عربات يجرها حصانان بسرعة فائقة لإغلاق الشق بالمواد المدعمة قبل أن تنتبه الوحوش وتنفذ إلى الداخل. لا نملك قوى خارقة، ولا دروعاً سحرية؛ كل ما نملكه هو سواعدنا، المطارق، الإسمنت، والسرعة.

انطلقت عربتنا رقم 6 ضمن ثلاث عربات، في كل منها أربعة من جنود إصلاح الأفق وقائدهم. كانت وجهتنا اليوم ثغرة طفيفة عند القطاع الشمالي.

الوصول كان سريعاً. انتشرت الفرقة بمهارة تحت توجيهات هاكون الهادئة.

"إيلان، ثبت الركائز المعدنية. البقية، ابدأوا بسكب الخليط السريع." تغلغل صوته وسط غبار الصخور.

بينما كنت أطرق الإسمنت بقوة لأسد الشق، لم أستطع منع عينيّ من الالتفات نحو اليمين. على بعد مئتي متر، كانت كتائب الاستطلاع والحراس الملكيين يشتبكون مع وحش صغير تسلل قبل وصولنا. كانوا يطلقون المدافع، يلوحون بالسيوف، ويطلقون البندقيات بحركات منسقة ومهيبة.

شعرت بحرارة تسري في جسدي، وبابتسامة لا إرادية ترتسم على وجهي. يا لروعتهم... يوماً ما، لن أكون الشخص الذي يرقع الحجارة خلفهم، بل سأكون هناك في الخط الأمامي أقضي على تلك الوحوش بضربة واحدة.

"إيلان! ركز في عملك، أمامنا دقائق قبل أن تجف هذه الطبقة وعلينا المغادرة فوراً!" نبهني هاكون بحدة طفيفة ممسكاً بكتفي. نحن أضعف فرقة في الجيش، والبقاء هنا بعد إصلاح الجدار هو انتحار محتم.

أنهينا المهمة بنجاح، وعدت في المساء إلى بيتنا المتواضع. جلست على شرفة منزلي الصغير مستنداً بمرفقي، متخيلاً نفسي ألوح بسيف ضخم وأقهر الوحوش، وعيناي تلمعان بالحماس الطفولي الذي لم ينطفئ بعد.

الجزء الثاني: طوفان الطفيليات والوحش الأعمى

في الصباح التالي، لم تكن الأبواق تعلن عن تصدع عادي. كانت الصيحات تدوي في كل ممرات الثكنات العسكرية.

تم استدعاء عشر عربات كاملة من فرقة إصلاح الأفق دفعة واحدة! لم يحدث هذا في تاريخ خدمتي القصير قط. خمسة شقوق كبيرة ومتباعدة ظهرت فجأة في القطاع الشرقي، والوحوش تتدفق نحوها بكثافة.

وقبل أن ننطلق، تسرب تقرير مرعب من مكتب الملك؛ تم رصد نوع جديد من الوحوش الضخمة، مخلوقات عديمة الرؤية لكنها تمتلك حاسة شم خارقة للدماء والأنفاس، وصُنفت فوراً على أنها من المستوى C الخطير.

تم تقسيم العربات العشر؛ كل شق متباعد مخصص له عربتان. كانت عربتنا رقم 6 وعربة الفرقة 5 مسؤولتين عن الشق الثالث الأوسع.

عندما وصلنا، كان المنظر مرعباً. الشق كان عريضاً وينفث هواءً بارداً وموحشاً.

"لن نستخدم الإسمنت العادي، سيأخذ وقتاً طويلاً ليجف والوحوش قادمة!" صرخ قائد الفرقة 5.

"الفولاذ!" رد هاكون بسرعة وذكاء، "سنضع الركائز الفولاذية أولاً، ثم نستخدم كأجراء احتياطي الإسمنت الخاص المخلوط بماء الجير لتعجيل جفافه في الفراغات."

عملنا كجسد واحد مع الفرقة 5، وبسرعة مذهلة تمكنا من سد الشق وإحكامه بالفولاذ الممزوج بماء الجير الذي جف سريعاً بفضل فكرة هاكون. تنفست الصعداء وأنا أمسح العرق عن جبيني.

لكن الصدمة جاءت من الشق المجاور الذي تشرف عليه الفرقتان 7 و8.

تعرقل عملهم تماماً بسبب هجوم مفاجئ من مستوطنات "النمل العملاق"؛ وحوش من الفئة D بحجم إنسان، ذات فكوك قاطعة. ورغم أنهم تمكنوا من إغلاق الشق في النهاية تحت الضغط الفوضوي، إلا أن الإغلاق لم يكن محكماً ومثبتاً كفاية ليصمد أمام وحوش الفئة C الكبيرة التي كانت تضرب الجدار من الخارج.

وفجأة... دوى صوت انفجار مرعب اهتزت له الأرض تحت أقدامنا.

لقد انهار سد الفرقتين 7 و8 بالكامل.

اقتحمت ثلاثة نمال عملاقة من الفئة C الثغرة المدمرة. وفي ثوانٍ معدودة، سُحقت الفرقتان 7 و 8 تماماً، وتناثرت دماؤهم المسفوكة على الأرض في مشهد تجمعت له الدماء في عروقي من الصدمة والرعب.

وتحت أنظارنا المرتعبة، وجهت النمال رؤوسها السوداء الضخمة نحونا... نحو الفرقتين 5 و 6.

لكن الكابوس الحقيقي لم يبدأ بعد.

من خلف غبار الجدار المدمر، زحف مخلوق طويل، بهيئة بشرية مشوهة وضخمة للغاية، يفتقر تماماً للأعين في وجهه الشاحب، وله لسان طويل يلعق به الهواء باحثاً عن رائحة الأحياء. إنه وحش أعمى من الفئة C، بل إنه يقترب بقوته وحجمه من الفئة B!

بضربة واحدة من يده الطويلة، دمر هذا الوحش عربة الفرقة 5 تماماً، ساحقاً من فيها أمام ناظري وناظري هاكون.

"انسحاب! انسحاب فوراً!" صرخ هاكون بأعلى صوته محركاً لجام الحصانين لتدور العربة رقم 6 وتفر إلى الخلف بكل سرعتها.

كنا خمسة أشخاص في العربة: أنا، هاكون، وثلاثة مجندين آخرين يرتجفون من الرعب. بينما الحصانان يركضان بأقصى طاقة، قفزت نملة من الفئة D فجأة أمامنا. توقف الحصانان من شدة الخوف متجمدين في مكانهما.

ومن خلفنا، ظهر الوحش الأعمى (الذي أطلقت عليه في سري لاحقاً اسم "اللاقط"). بضخامته المرعبة، أمسك بالحصانين كأنهما لعبتان، وبمشهد مرعب دمر القلوب، بدأ يلتهم الحصانين وهما يصدران أصوات احتضار فظيعة.

قفزنا جميعاً من العربة هاربين في كل اتجاه. لكن "اللاقط" كان أسرع بكثير؛ بلسانه الطويل ويديه الممتدتين، بدأ يمسك بزملائي واحداً تلو الآخر، يلتهمهم بدم بارد وسط صرخاتهم التي لا تزال تصم أذني، حتى لم يتبقَ من العربة 6 سوى أنا وهاكون.

تعثرت بقدمي وسقطت على الأرض الصلبة. وفي اللحظة التالية، كانت أصابع الوحش الضخمة والباردة تلتف حول جسدي وترفعني عن الأرض نحو فمه المفتوح.

انتهى الأمر... سأموت هنا...

"اترك إيلان، أيها المسخ!"

تعالى صوت هاكون وهو يرمي الحجارة بكل قوته على وجه الوحش الأعمى محاولاً تشتيته. لكن فجأة، ومن دون أي مقدمات، حدث شيء لم يكن في الحسبان.

شعر الوحش بهالة مرعبة... هالة خفية، ثقيلة، ومخيفة انبعثت فجأة من جسدي المرتعش بفعل غريزة البقاء الكامنة في أعماق جيناتي. كانت الهالة مظلمة وطاغية لدرجة أن الوحش "اللاقط" ارتعد جسده بالكامل، وأفلتني فوراً ليسقط جسدي على الأرض.

التفت الوحش برعب وهياج نحو مصدر الخطر الظاهري أمامه؛ نحو هاكون الذي كان يقف مذهولاً.

ظننت في تلك اللحظة، وأنا على شفير الموت، أن شجاعة هاكون ورميه للحجارة هي من أنقذتني، ولم أدرك أن قوتي الكامنة هي من أرعبت الوحش.

تحرك "اللاقط" بسرعة خاطفة، وأمسك بهاكون من رأسه قبل أن يتمكن من التراجع. وتحت أنظاري المصعوقة، وبحركة باردة، فصل الوحش رأس هاكون عن جسده، ليتدفق دمه الدافئ على الأرض، ثم التهمه.

لم يحتمل عقلي هول المشهد. دارت بي الأرض، وارتطم رأسي بالصخور الغارقة بدمائهم، قبل أن يغمرني ظلام دامس وأفقد الوعي تماماً.

الجزء الثالث: الصدمة في كنفديا

عندما فتحت عينيّ، لم أكن في حفرة الموت.

كنت مستلقياً على نقالة طبية، يحيط بي جنود الاستطلاع يرتدون عباءاتهم المهيبة، وفي مقدمتهم القائد الأول لجنود الاستطلاع، وأحد أشهر فرسان المملكة: آرثر.

كان آرثر يقف صامتاً، ينظر إليّ بنظرة ممزوجة بالذهول والشك الشديد.

عندما وصل آرثر وجنوده إلى مكان الكارثة عند الشقين 7 و8، كانوا يتوقعون العثور على مجزرة مروعة ووحوش تجتاح المدينة. لكن المشهد الذي رأوه جعل عقولهم تتوقف عن التفكير:

جميع الوحوش التي دخلت... النمال الثلاثة من الفئة C، ونمال الفئة D، وحتى الوحش الأعمى الضخم "اللاقط" الذي شق طريقه للداخل... كُلها كانت جثثاً هامدة ممزقة ومسحوقة تماماً على الأرض، تغطي المكان بدماء بنفسجية لزجة.

وفي وسط هذه المجزرة للوحوش، كنت أنا، إيلان، الفتى البشري العادي من فرقة إصلاح الأفق، مستلقياً مغمى عليّ ومغطى بكامل جسدي بدمائهم البنفسجية.

لم يكن هناك أي منطق يفسر كيف لفرقة إصلاح ليس لديها أي معدات دفاعية أو تدريب قتالي أن تسحق وحوشاً من الفئة C و B بهذه السهولة والوحشية.

"خذوه إلى زنزانة التحقيق في القلعة الملكية فوراً،" قال آرثر بصوت حازم ورزين للجنود، "هناك سر هنا يجب أن نفهمه."

لم أكن أعلم ما حدث، ولم أكن أعرف أن الهالة التي انبعثت مني في لحظة موتي هي التي مزقت تلك الوحوش إرباً دون وعي مني.

وفي تلك الأثناء، داخل الحي المتواضع الذي نعيش فيه... وصل الخبر إلى والدي هالفدان.

لم يتردد لثانية واحدة. غيّر ثيابه، جمع بعض أشيائه القليلة، واختفى تماماً من المنطقة هرباً إلى بقعة أخرى مجهولة داخل المملكة، تاركاً وراءه منزلاً فارغاً، وغرفة غامضة مقفلة بإحكام، وضع عليها قفلاً غريباً وترك رسالة كتب عليها:

(هذه الغرفة لا يدخلها إلا إيلان).

يتبع في الفصل القادم...

2026/07/17 · 6 مشاهدة · 1372 كلمة
نادي الروايات - 2026