الفصل الثاني: القواعد

استيقظت إيليانا بيلمون قبل أن يرن المنبّه

لم يكن ذلك من عادتها، لكنها في إيل ميراج كانت تسمع الصمت بطريقة مختلفة، صمت لا يعني أن لا أحد موجود، بل يعني أن كل شيء يعمل من غير أن يرفع صوته

نهضت ببطء من السرير، ونظرت حولها

الجناح الذي خصصته لها الجدة داخل نطاق ڤيريتاس كان هادئًا أكثر مما ينبغي، جدران بلون دافئ، ستائر سميكة، طاولة صغيرة عليها زهور بيضاء في مزهرية زجاجية، وبجانبها بطاقة مكتوبة بخط أنيق

برنامج اليوم الثاني

لم تتذكر أنها رأت أحدًا يضعها، ومع ذلك كانت هناك

تقدمت وأمسكت البطاقة

جلسة تعريف بالمرافق، ساعة في الصالون الاجتماعي، ثم تدريب جماعي مع المدربة ماديسون، وفي المساء فعالية صغيرة في البهو

وتحت كل سطر، وقت محدد بدقة

كأن الجزيرة لا تعيش بالعفوية، بل بالمواعيد

تنفست إيليانا ببطء، ثم فتحت الحقيبة الجلدية التي سلموها لها عند وصولها

الهاتف الجديد كان ممتلئًا بأرقام لا تعرفها، أغلبها أسماء موظفين أو أقسام، الاستقبال، المرسى، خدمات النزلاء، والبرنامج الخاص

توقفت عند رقم واحد بلا وصف

ثم تذكرت أن الجدة قالت لها في الليلة الأولى، ببرود لطيف

"إن احتجتِ شيئًا، لا تطلبي كثيرًا، فقط اطلبي مرة واحدة"

لم تفهم النصيحة يومها، لكنها الآن بدت كقانون

ارتدت ملابس بسيطة، اختارت لونًا هادئًا، لأن الألوان الصارخة تشبه طلب الانتباه، وهي لا تريد أن تطلبه، يكفي أنها موجودة

خرجت من جناحها

الممرات في هذا الجزء من ڤيريتاس كانت مختلفة عن البهو، أقل زينة وأكثر هدوءًا، كأنها ممرات لخدمة شيء لا يرونه الناس

سارت وفق اللوحات الصغيرة حتى وصلت إلى المصعد

في الداخل كان هناك مرآة، لم تكن كبيرة، لكنها كافية لتريك وجهك في لحظة لا تتوقعها

تأملت إيليانا نفسها سريعًا

شامة قريبة من عينها، وعينان تحاولان أن تبدوا شجاعتين، رغم أن قلبها لم يتوقف عن القفز منذ أمس

حين فتحت أبواب المصعد، عاد الضوء، وعاد الناس

في البهو، كان المكان مزدحمًا قليلًا مقارنة باليوم الأول، ليس ازدحامًا حقيقيًا، بل كثافة محسوبة، كأنهم اختاروا عددًا يجعل المكان حيًا دون أن يفقد أناقته

رأت جريس أولًا

كانت تقف قرب طاولة صغيرة، تضع شريطًا حريريًا حول معصمها، وتضحك مع امرأتين

وحين لمحت إيليانا، رفعت يدها بتحية واسعة، كأنهما صديقتان منذ سنين، لا منذ يوم

قالت جريس

"ها أنتِ"

اقتربت إيليانا بسرعة خفيفة، شعرت للوهلة الأولى أنها سعيدة برؤية وجه مألوف

قالت

"صباح الخير"

جريس ابتسمت

"هنا لا يقولون صباح الخير كثيرًا"

ثم أضافت وهي تلتفت حولها

"يقولون صباحًا… ثم ينظرون، والذين ينظرون يعرفون أكثر من الذين يتكلمون"

لم تفهم إيليانا تمامًا، لكنها ضحكت بخجل، لأنه بدا كأنه مزاح ونصيحة في الوقت نفسه

قالت جريس

"هل نبدأ الجولة"

أومأت إيليانا

تحركتا عبر البهو إلى ممر جانبي

كانت جريس تمشي بثقة شخص يعرف المكان ويعرف كيف يبدو فيه، وإيليانا تتبعها كما تتبع طالبة دليلًا في مدينة جديدة

قالت جريس

"أول قاعدة في ڤيريتاس"

توقفت لحظة، ثم قالت وكأنها تعطي درسًا بسيطًا

"لا تسألي عن الأشياء التي لا يذكرها الناس"

رفعت إيليانا حاجبيها

"مثل ماذا"

قالت جريس

"مثل الألقاب"

ثم أشارت بعينيها نحو رجلين يمران، أحدهما يهمس للآخر ثم يصمت

"ستسمعين كلمات لا تفهمينها"

"لا تسألي عنها في اللحظة نفسها"

"لأن السؤال هنا يُسجل"

إيليانا شعرت بقشعريرة خفيفة

"ومن يسجل"

جريس رفعت كتفها

"الجميع"

ثم ابتسمت بسرعة، كأنها لا تريد أن تخيفها

"لا تقلقي، الأمر ليس مخيفًا، فقط… مختلف"

دخلتا غرفة واسعة تشبه صالونًا هادئًا، أرائك فاتحة اللون، مكتبة صغيرة، موسيقى بالكاد تُسمع

قالت جريس

"هنا الصالون الاجتماعي"

"الأعضاء يأتون ليظهروا كأنهم لا يفعلون شيئًا"

ثم مالت نحو إيليانا وهمست

"لكنهم يفعلون كل شيء"

جلست إيليانا على طرف أريكة

كانت هناك امرأة في الأربعين تقريبًا تضحك ضحكة قصيرة وتتكلم ببطء، وحولها شخصان يستمعان كأنها تُلقي رأيًا لا يُرد

لمحت جريس نظرة إيليانا فقالت بصوت منخفض

"تلك سيلست"

"لا تقفي طويلًا قربها في الأيام الأولى"

إيليانا سألت

"لماذا"

جريس قالت

"لأنها إن رأتكِ مبكرًا… ستضع لكِ اسمًا"

إيليانا قالت

"أليس لدي اسم"

جريس ابتسمت

"ليس الاسم الذي تقصدينه"

ثم نهضت

"تعالي، هناك شيء أريد أن أريكِ إياه"

سارتا إلى ممر زجاجي يربط جناحين

من خلال الزجاج ظهر جزء من الجزيرة، حديقة داخلية، ثم خلفها مبنى صغير يشبه قاعة تدريب، وخلفه طريق يهبط إلى المرسى

قالت جريس

"هذا هو المرسى"

"الذي يصل أولًا يظن أنه يرى مجرد قوارب"

ثم أضافت

"لكن المرسى هنا مثل باب خلفي للعالم"

كانت هناك حركة هادئة، عمال ينقلون صناديق صغيرة، ورجل يقف قرب سيارة كهربائية يتحدث مع شخص من بعيد، ثم يومئ ويختفي

قالت جريس

"ثاني قاعدة"

"لا تنظري طويلًا"

إيليانا سحبت نظرها بسرعة

"لماذا"

جريس قالت

"لأن بعض الناس يظنون أن النظر مطالبة"

ثم ضحكت بخفة

"وأنتِ لا تريدين أن يظن أحد أنكِ تطلبين شيئًا"

توقفت إيليانا عند كلمة أنتِ

"لماذا الجميع يعتقد أنني أطلب"

جريس نظرت إليها، ثم قالت بصدق لطيف

"لأن عضويتك ألماسية"

"وهذه ليست خطوة تدريب"

"هذه إعلان"

شعرت إيليانا بأن قلبها هبط ثم ارتفع

"إعلان عن ماذا"

جريس قالت

"عن أنكِ لستِ عابرة"

ثم استطردت بسرعة قبل أن تتجمد إيليانا

"لنترك هذا الآن"

"اليوم عندك تدريب مع ماديسون"

"وأنا لا أريد أن تأتي وأنتِ متوترة"

لم تجب إيليانا، لكنها شعرت أن التوتر سيأتي سواء أرادته أم لا

قبل موعد التدريب، أخذتها جريس إلى غرفة صغيرة فيها خزانة للمياه وقطع فاكهة

قالت جريس وهي تعطيها كوبًا

"ثالث قاعدة"

"اشربي الماء دائمًا"

إيليانا ابتسمت

"هذه قاعدة صحية"

جريس قالت

"بل اجتماعية"

"الذي يحمل كوب ماء هنا يبدو كأنه يملك وقته"

ضحكت إيليانا رغم نفسها، كان في كلام جريس شيء يُضحك لأنه صادق بشكل غريب

حين اقترب وقت التدريب، سارت إيليانا وحدها إلى القاعة التي تحمل اسم الآداب الاجتماعية

كانت نفس القاعة التي دخلت إليها بالأمس، الطاولة الطويلة، الأدوات اللامعة، المرآة الكبيرة

لكن اليوم كانت القاعة ممتلئة أكثر

فتيات وشبان يجلسون بهدوء، يتحدثون همسًا، ينظرون إلى بعضهم، ثم يبتسمون وكأنهم يتذكرون أن الابتسامة جزء من القواعد

دخلت ماديسون

صمتت القاعة فورًا

قالت ماديسون

"اليوم لا نبدأ بالجلوس"

"اليوم نبدأ بالوقوف"

وقفت إيليانا مع الآخرين

ماديسون مرت بينهم ببطء، تدقق في الأكتاف والذقون والأيدي، لا تلمس إلا إذا اضطرت، وحين تفعل يكون لمسها سريعًا كأنه تصحيح لا تقرب

توقفت أمام إيليانا لحظة

نظرت إليها من أعلى إلى أسفل، ثم قالت

"أنتِ"

تجمدت إيليانا

"نعم"

ماديسون قالت

"أنتِ لا تعرفين كيف تخفين ارتباكك"

شعرت إيليانا بالحرج

قالت بصوت منخفض

"أحاول"

ماديسون قالت

"لا تحاولي"

ثم أضافت

"توقفي عن الاعتذار بعينيك"

لم تفهم إيليانا كيف تعتذر بعينيها، لكنها شعرت أنها تفعل شيئًا فعلًا

قالت ماديسون

"سأعطيكِ تمرينًا بسيطًا"

ثم أشارت إلى المرآة

"اذهبي، انظري لنفسك عشر ثوانٍ"

"ثم عودي إلى مكانك"

سارت إيليانا إلى المرآة

وقفت

رأت وجهها، رأت شامة عينها، رأت فمها المرتبك

حاولت أن تثبت نظرتها كما طلبت ماديسون

عشر ثوانٍ بدت لها أطول من دقيقة

عادت إلى مكانها، وقبل أن تتكلم، قالت ماديسون

"جيد"

كانت كلمة قليلة، لكنها سقطت على صدر إيليانا كهدية صغيرة، لأنها لم تتوقعها

ثم بدأت الجلسة، تعليمات عن المصافحة، عن اختيار الكلمات، عن الصمت المناسب، عن كيف تضحك دون أن تبدو كأنها تريد أن تُحب، وكيف تصمت دون أن تبدو كأنها تتحدى

كانت الأمور كثيرة، لكنها مفهومة حين تُقال بهذا الشكل

وعند النهاية، قالت ماديسون

"غدًا سيكون هناك تقييم صغير"

"لا لتفشلي"

"بل لتفهمي ماذا يعني أن تُقاس"

خرج الجميع بهدوء

خرجت إيليانا وهي تشعر أن رأسها ممتلئ، لكن قلبها أقل اضطرابًا من الصباح

عادت إلى البهو، تبحث بعينيها عن جريس، كأنها تريد أن تقول لها إنها نجت من اليوم الثاني

لكن قبل أن ترى جريس، لمحت ريون من بعيد

كان واقفًا قرب نافذة تطل على المرسى، يتحدث مع رجل لا ترى وجهه، ثم التفت كأنه شعر بنظرها

لم يبتسم

فقط نظر إليها لحظة طويلة، ثم حرّك شفتيه بكلمة واحدة دون صوت

كلمة فهمتها إيليانا رغم أنها لم تسمعها

"متصنعة"

تصلبت في مكانها

ولم تعرف لماذا شعرت بالغضب لأول مرة منذ وصولها

وفي اللحظة نفسها، مرّ موظفان من جهة الممر الخلفي، كان أحدهما يحمل جهازًا صغيرًا، والآخر يهمس له بسرعة

لم تسمع إيليانا إلا آخر كلمة، قبل أن يبتلعها الضجيج الخفيف في البهو

"كوستوس"

رفعت إيليانا رأسها تلقائيًا

لم ترَ أحدًا

لكنها أحست، للمرة الثانية، أن هذه الكلمة ليست مجرد لقب

بل مفتاح لجزء من الجزيرة لا يعرفه الأعضاء

وأنها، بطريقة لا تفهمها، تقترب منه خطوة خطوة

2026/02/23 · 1 مشاهدة · 1284 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026