الفصل الثاني عشر: الاسم
لم تنتهِ الفعالية حين انسحب ريون
على العكس، كأن انسحابه فتح بابًا آخر، الباب الذي يدخل منه الناس حين يشعرون أن الهواء صار آمنًا للفضول
بقيت إيليانا بيلمون في طرف القاعة كما أرادت، لكنها أحست أن الطرف نفسه صار مركزًا، لأن العيون التي كانت تراقب الوسط بدأت تلتفت نحوها، لا بعنف، بل بفضول هادئ، فضول من يظن أن الهدوء دعوة
قالت جريس بصوت منخفض
"لا تتحركي كثيرًا"
إيليانا همست
"أنا لا أتحرك"
جريس قالت
"لكن وجهك يتحرك"
ثم ابتسمت لتخفف
"ابتسمي نصف ابتسامة فقط"
حاولت إيليانا، فشعرت أنها تبدو غبية، لكنها تذكرت أن الغباء هنا ليس في الابتسامة، بل في أن تظهري ما لا تريدين
اقترب أدريان مونترو، بكأس ماء في يده، وجهه يحمل ذلك اللطف الذي يبدو طبيعيًا حتى حين يكون مدروسًا
قال
"هل أنتِ بخير"
قالت إيليانا
"نعم"
أدريان نظر نحو ريون من بعيد
"هو لا يعرف كيف يهدأ"
ثم نظر إليها
"ولا يعرف كيف يصدق أن أحدًا لا يريد أن يأخذ منه شيئًا"
إيليانا سألته بحذر
"هل تعتقد أنني أريد"
أدريان ابتسم
"أنا لا أعتقد"
ثم أضاف
"لكن الاعتقاد ليس هو الذي يحكم هنا"
قالت إيليانا
"إذن ما الذي يحكم"
أدريان رفع كتفه قليلًا
"الانطباع"
ثم قال بصوت أخفض
"والاسم الذي سيعطونه لك"
سمعت إيليانا كلمة اسم مرة أخرى، وكأن الجزيرة كلها تتواطأ على تكرارها
اقتربت سيلفي دون أن تقطع الحديث، وقفت إلى جانب إيليانا كأنها تسند المسافة حولها
قالت سيلفي بهدوء
"سيلست تنظر"
رفعت إيليانا عينيها
كانت سيلست بالفعل تراقب من بعيد، لا تقترب، كأنها تمنح المشهد وقتًا كي ينضج
قالت جريس، وهي تضحك ضحكة صغيرة مصطنعة لتبدو الأمور طبيعية
"حسنًا، سنبقى في الطرف"
ثم أضافت
"لن ندخل في أحاديث عميقة"
نيكو وصل متأخرًا كالعادة، لا لأنه لا يهتم، بل لأنه يحب أن يدخل حين يظن أن الجميع اكتفوا
وقف قربهم وقال بصوت مرح
"ما الذي فاتني"
إيلارا نظرت إليه
"فاتك أنك كدت تصبح سبب كارثة"
نيكو وضع يده على صدره
"أنا سبب متعة، لا كوارث"
ثم التفت إلى إيليانا
"هل طلب منكِ أحد الوقوف في المنتصف"
احمر وجه إيليانا قليلًا
"نعم"
نيكو قال بجدية مفاجئة
"ولا تفعلي"
ثم عاد إلى مزاحه
"المنتصف للناس الذين لا يعرفون أين يذهبون"
لم تكمل إيليانا ابتسامتها لأن الجدة اقتربت
مدام دي لافونتين لم تقترب من حفيدتها لتحتضنها أو تطمئن عليها، اقتربت لتضبط المشهد، كأنها تمسك بخيوط لا تراها إيليانا
قالت الجدة لجريس وأصدقاءها
"اتركوها لي دقيقة"
ابتعدوا فورًا دون اعتراض، حتى نيكو الذي لا يحب الأوامر
بقيت إيليانا وحدها أمام الجدة
قالت الجدة بصوت منخفض
"جيد"
إيليانا شعرت أن كلمة جيد صارت لها قيمة كبيرة في هذا المكان
قالت بصدق
"ريّون حاول…"
الجدة قاطعتها
"أعرف"
ثم نظرت إلى وجه إيليانا
"وقلتِ لا"
أومأت إيليانا
الجدة قالت
"هذا أهم من كل شيء في هذه الليلة"
ثم أضافت
"الآن، سيحاولون أن يعرفوا ما وراء لا"
سألت إيليانا
"ومن هم"
الجدة قالت
"أشخاص يبتسمون وهم يبيعون"
ثم نظرت نحو طرف القاعة حيث يقف رجل وامرأة يتحدثان مع سيلست
"وأشخاص يبتسمون وهم يشترون"
ابتلعت إيليانا ريقها
قالت الجدة
"سأغادر الآن"
إيليانا تفاجأت
"الآن"
الجدة قالت
"وجودي هنا يخلق حولك ظلًا"
"وأنتِ تحتاجين أن تتعلمي الوقوف بلا ظلي"
شعرت إيليانا بوخزة خوف
قالت
"لكن…"
الجدة نظرت إليها نظرة واحدة أغلقت كلمة لكن
ثم قالت
"أوغست سيبقى عشر دقائق"
"ثم سيغادر أيضًا"
"وستبقين مع دائرتك"
سكتت إيليانا
الجدة قالت قبل أن تبتعد
"لا تشرحي نفسك"
ثم توقفت لحظة، وأضافت بنبرة مختلفة قليلًا، نبرة أقل صلابة
"وإن خفتِ… تذكري أن الخوف لا يعيبك"
ثم مضت
بقيت إيليانا في مكانها لحظة، تشعر أن الأرض اتسعت فجأة، وأن الهواء صار أقل حماية
اقترب أوغست بعد رحيل الجدة مباشرة
وقف بجانبها، لا أمامها، وكأنه يتعمد ألا يضعها في مواجهة جديدة
قال
"لا تنظرِي إليهم كثيرًا"
إيليانا قالت
"كل ما أفعل هو النظر"
أوغست قال
"إذن انظري إلى شيء واحد فقط"
سألته
"إلى ماذا"
أوغست قال
"إلى الباب الخلفي"
تجمدت إيليانا
"لماذا"
أوغست لم يشرح
قال فقط
"ستفهمين لاحقًا"
ثم أضاف
"ريّون لن يتوقف"
"لكن لا تدعيه يجرك إلى مستوى صوته"
إيليانا سألت باندفاع صغير
"لماذا يكرهني"
أوغست نظر إليها للحظة، ثم قال بصدق بارد
"هو لا يكرهك"
"هو يخاف أن يصبح أقل"
ثم استدار ليغادر
وقبل أن يبتعد، قال جملة واحدة
"إذا سألك أحدهم من أنتِ، قولي اسمك فقط"
ثم مضى، وكأنه لا يريد أن يعطيها أكثر من ذلك
عادت جريس وشلتها بسرعة، كأنهم كانوا ينتظرون إشارة غير مرئية
قالت جريس وهي تقترب
"هل أنتِ بخير"
إيليانا أومأت
سيلفي قالت
"ستبدأ الأسئلة الآن"
إيلارا قالت
"ونحن هنا"
نيكو قال
"وأنا هنا لأحول الأسئلة إلى نكات، إن لزم الأمر"
اقتربت امرأة أنيقة، شابة، ابتسامتها هادئة لكنها لا تبدو بريئة
قالت
"آنسة بيلمون"
ثم أضافت
"أنا لافينيا"
لم تُذكر عائلتها، وكأن اسمها وحده يكفي
قالت إيليانا بأدب
"تشرفت"
لافينيا قالت
"لقد سمعت أنكِ دخلتِ ڤيريتاس بسرعة"
إيليانا قالت كما نصحها أوغست
"اسمي إيليانا"
توقف وجه لافينيا لحظة، كأنها لم تتوقع أن تُقطع الجملة بهذه البساطة
ثم ابتسمت
"جميل"
وقالت بنبرة ناعمة
"وأيليانا… ماذا تريدين"
قالت إيليانا بعد ثانية
"أريد أن أتعلم"
لافينيا ضحكت ضحكة قصيرة، ثم نظرت نحو سيلست من بعيد
"تعلم ماذا"
في هذه اللحظة تدخل نيكو بمرح مصطنع
"تعلم كيف تتحملنا جميعًا"
ضحكت لافينيا، وانكسر السؤال نصف كسر
جريس أمسكت يد إيليانا من تحت الطاولة لحظة، ضغطت ضغطًا خفيفًا كأنها تقول، جيد، نجوتِ من أول فخ
لكن سيلست لم تترك الفخ يضيع
اقتربت الآن
بهدوءها المعتاد، ابتسامتها اللامعة، وقفت أمام المجموعة
قالت بصوت دافئ يسمعه القريب والبعيد
"أحببت أنكِ قلتِ لا اليوم"
نظرت إيليانا إليها، لم تعرف ماذا تقول
سيلست أكملت
"هذا يعني أنكِ لستِ زينة"
ثم مالت قليلًا
"لكن لا يهم"
"سيختارون لكِ اسمًا على أي حال"
شعرت إيليانا ببرودة في صدرها
سألت بهدوء
"أي اسم"
سيلست ابتسمت، ثم قالت كأنها تقدم هدية
"الثلج"
تجمدت إيليانا
سيلست نظرت إلى بشرتها البيضاء جدًا، ثم إلى عينيها السوداوين
"بياض شديد"
"ونظرة لا تُقرأ بسهولة"
ثم قالت الجملة كأنها ختم
"الثلج"
نيكو قال فورًا وهو يضحك
"هذا اسم جميل"
إيلارا قالت بحدة
"ليس اسمًا، إنه قيد"
جريس حاولت أن تبتسم
"سيلست تحب الألقاب"
سيلست رفعت كتفها
"الألقاب تسهّل الحياة"
ثم نظرت إلى إيليانا
"هل تمانعين"
كان سؤالًا ظاهريًا، لكنه ليس سؤالًا حقيقيًا
شعرت إيليانا أن رأسها يمتلئ، تذكرت كلمات الجدة، إذا لم تعرف الأسماء سيضعون عليك اسمًا لا تختارينه
وتذكرت كلام أوغست، قولي اسمك فقط
قالت إيليانا بوضوح، بجملة واحدة
"أنا إيليانا"
صمتت القاعة لحظة قصيرة
ليس لأن أحدهم غضب، بل لأن أحدًا لم يتوقع أن تُقال الجملة بهذه القوة الهادئة
ابتسمت سيلست، ابتسامة لم تكن لطيفة تمامًا
قالت
"حسنًا"
ثم أضافت
"سنرى"
ومضت، تاركة خلفها همسًا يتجمع
تنفست إيليانا بعمق
جريس همست
"هذا كان… شجاعًا"
إيليانا همست
"أنا لا أشعر بالشجاعة"
سيلفي قالت بهدوء
"الشجاعة لا تُشعر"
إيلارا قالت
"تُفعل"
في تلك اللحظة، رأت إيليانا حركة عند الستارة في الطرف، عند الممر الخلفي الذي أشار إليه أوغست
لم ترَ الوجه هذه المرة
لكنها رأت ظلاً يختفي
وظلت كلمة واحدة في رأسها، ليس الثلج
بل كوستوس
لأنها بدأت تشعر أن الاسم الذي يحاولون إلصاقه بها ليس الأخطر
الأخطر هو الاسم الذي لا يجرؤ أحد أن ينطقه أمامها طويلًا
انتهى الفصل الثاني عشر