الفصل الثالث عشر: الهمس
لم تغادر إيليانا بيلمون القاعة فورًا بعد حديث سيلست
جلست دقيقة إضافية فقط، دقيقة تبدو عادية لمن يراها، لكنها كانت في داخلها محاولة لترتيب نبضها، لتعيد وجهها إلى هدوئه الطبيعي، لأن الغضب هنا لا يُصرخ به، يُستعمل ضدك
جريس كانت تتكلم مع أدريان عن شيء خفيف، تحاول أن تعيد الجو إلى طبيعته، وسيلفي تنظر إلى البحر من خلف الزجاج كأنها تراقب فكرة لا موجًا، وإيلارا تتابع الوجوه بعين ثابتة
أما نيكو، فكان يحاول أن يُضحك رجلًا لا يضحك، ويبدو أنه يستمتع بالمهمة
قال نيكو بصوت مرتفع قليلًا
"أنت لا تضحك لأنك لم تجرّب أن تخسر"
الرجل رد ببرود
"أنا لا أخسر"
نيكو قال فورًا
"إذن أنت لا تعيش"
ضحكت جريس، وضحكت امرأة قريبة، وانكسر جزء من الرسمية
لكن إيليانا لم تضحك
كانت تسمع كلمة الثلج تتردد في رأسها كأنها حبل يلتف، وكانت تسمع في الخلفية كلمة كوستوس، تلك الكلمة التي تعود كلما حاولت أن تنساها
نهضت أخيرًا
قالت لجريس بصوت منخفض
"أريد أن أذهب"
جريس فهمت دون شرح
"حسنًا"
ثم التفتت إلى البقية
"نحن أيضًا"
لم يعترض أحد
حتى أدريان الذي يحب البقاء، اكتفى بابتسامة وقال
"أحيانًا المغادرة هي أفضل حضور"
خرجوا من القاعة قرب الماء إلى الممر الطويل المؤدي إلى قلب ڤيريتاس
في الخارج كان الليل قد اكتمل، والشموع الصغيرة التي كانت تزين الطريق صارت نجومًا قريبة على الأرض، والهواء باردًا بما يكفي ليجعلك تتذكر جسدك
قالت جريس وهي تمشي بجانب إيليانا
"سأقول شيئًا… ولا تغضبي"
إيليانا قالت
"قولي"
جريس قالت
"سيلست حين تعطي لقبًا، لا تعنيه كدعابة"
إيليانا قالت بحدة خفيفة
"أنا قلت لها اسمي"
جريس أومأت
"وهذا جيد"
ثم أضافت
"لكنها ستستمر"
سألت إيليانا
"لماذا"
جريس قالت
"لأنها تريد أن تراكِ تختارين بين أن تكوني لطيفة أو أن تكوني قوية"
إيليانا قالت بصوت خافت
"وهل لا يمكن أن أكون الاثنين"
جريس ابتسمت
"يمكن"
ثم مالت نحوها
"لكن ليس أمام سيلست"
إيلارا قاطعت بنبرة عملية
"غدًا سيكون أسوأ"
سألت إيليانا بسرعة
"لماذا غدًا"
إيلارا قالت
"لأن اليوم كان تعارفًا"
"وغدًا… عمل"
توقفت إيليانا
"أي عمل"
أدريان أجاب هذه المرة، بصوت منخفض
"محادثات"
"اتفاقات"
"اختبارات صغيرة"
ثم نظر إلى إيليانا
"سيختبرون قدرتك على أن تبقي بريئة دون أن تكوني سهلة"
شعرت إيليانا بوخزة، لأن الجملة تصفها بدقة
وصلوا إلى البهو
كان المكان أقل ضجيجًا الآن، لكنه لم يكن فارغًا
في الزاوية رأوا سيلست تتحدث مع رجلين، أحدهما يحمل ملفًا جلديًا، والآخر يبتسم كثيرًا أكثر مما ينبغي، ابتسامة رجل يحاول بيع شيء لنخبة لا تشتري إلا بثمن مختلف
لمحت سيلست إيليانا، ابتسمت، ولم تقل شيئًا
لكن ابتسامتها قالت، نحن لم ننتهِ
قالت جريس بسرعة
"سأصعد معك"
إيليانا قالت
"لا، لا بأس"
جريس توقفت
"هل أنتِ متأكدة"
إيليانا أومأت
لم تكن متأكدة، لكنها لم ترد أن تبدو كأنها تحتاج إلى من يمسك يدها في ممر
ابتسمت جريس بحنان سريع
"حسنًا"
ثم قالت
"سأراك صباحًا"
صعدت إيليانا وحدها
الممر في الطابق الأعلى كان هادئًا أكثر مما تحب، لأن الهدوء هنا يسمح للأفكار أن تتكلم بصوت عالٍ
وصلت إلى جناحها، فتحت الباب، دخلت وأغلقته خلفها
خلعت حذاءها ببطء، وضعت حقيبتها، ثم وقفت في وسط الغرفة لا تفعل شيئًا
ثم جلست على طرف السرير
فتحت دفتر الجدة مرة أخرى، وأرادت أن تكتب، لكنها لم تعرف ماذا تكتب
كتبت كلمة واحدة فقط
الثلج
ثم شطبتها فورًا بعصبية، كأنها ترفض أن تُسجل الكلمة في ورقها
نهضت، اقتربت من النافذة، فتحتها قليلًا
دخل هواء بارد، فشعرت بارتياح
وفي الأسفل، من خلال الأشجار، رأت خطًا من الضوء قرب المرسى
هليكوبتر تهبط بعيدًا، أو ربما تستعد للإقلاع
لم تسمع الصوت بوضوح، لكن الجزيرة كانت تومئ لها أن هناك حركة
قرارات
ظل
كوستوس
أغلقت النافذة ببطء
وفي اللحظة التي استدارت فيها نحو الغرفة، رن هاتفها
تجمدت
لم يكن رقم الجدة
ولا رقم جريس
كان رقمًا بلا اسم، نفس الرقم الذي رأته في اليوم الأول على هاتفها الجديد، رقم بلا وصف
وقفت تنظر إلى الشاشة
لم تتحرك
رن مرة ثانية، ثم توقف
ثم وصلت رسالة قصيرة، سطر واحد فقط
"لا تجيبي"
شعرت إيليانا بقشعريرة
من الذي يرسل لها لا تجيبي، وكيف يعرف أن هاتفها يرن
جاءت رسالة ثانية فورًا
"أغلقي الضوء"
رفعت إيليانا رأسها نحو المصباح
ترددت
ثم أطفأته
بقي ضوء خافت من خارج النافذة يكفي لتريك حدود الأشياء دون تفاصيلها
وفي الظلمة، جاءت رسالة ثالثة
"لا أحد يصل إليك الليلة"
توقفت أنفاس إيليانا لحظة
لم تكن الجملة تهديدًا، كانت وعدًا
لكن الوعد في مكان مثل ڤيريتاس قد يكون أخطر من التهديد
رفعت الهاتف بيد مرتجفة
كتبت جملة واحدة، ثم مسحتها
أعادت الكتابة، ثم مسحتها
في النهاية لم ترسل شيئًا
لأنها تذكرت ما تعلمته اليوم
لا تشرحي نفسك
ولا تمنحي شخصًا مجهولًا سلطة أن يجرّك إلى منتصف خوفك
وضعت الهاتف على الطاولة، وجلست على السرير، والظلام حولها ليس مخيفًا بقدر ما هو واعٍ
وفي الأسفل، قرب الممرات الخلفية، تحرك ظلّ عاملين بسرعة، ثم توقفا، ثم اختفيا
وكأن الجزيرة نفسها نفذت أمرًا
وأبقت إيليانا، لأول مرة منذ وصولها، بلا صوت حولها إلا صوت قلبها
انتهى الفصل الثالث عشر