الفصل الرابع عشر: القناع

لم تنم إيليانا بيلمون فورًا بعد الرسائل

لم يكن الخوف وحده، بل ذلك الإحساس بأنها صارت جزءًا من شيء يتحرك حولها دون أن يُرى، وأن الهاتف الذي أعطته لها الجدة لم يعد مجرد هاتف، بل باب صغير يمكن أن يطرقه من يعرف الأبواب كلها

أبقت الضوء مطفأ كما قيل لها

تحت الغطاء كانت تستمع إلى الصمت، وتحصي أنفاسها، وتحاول أن تقنع قلبها أن الوعد كان وعدًا، لا فخًا

مرّت دقائق ثم ساعة، ثم خفّ ثقل الفكرة

وحين استسلمت أخيرًا للنوم، حلمت بالماء

لا غرقًا هذه المرة، بل ماء ساكن، وحافة حوض، ويد ترفع ذقنها ثم تختفي

استيقظت على طرق خفيف على الباب

فتحت عينيها بسرعة

طرقة ثانية

ثم صوت جريس من الخارج

"إيليانا، هل أنتِ مستيقظة"

نهضت بسرعة، شعرت أن جسدها ما زال بطيئًا

فتحت الباب

دخلت جريس بخطوات مستعجلة، تحمل حقيبة صغيرة، وعلى وجهها قلق لا تحاول أن تخفيه هذه المرة

قالت فورًا

"هل حدث شيء الليلة"

تجمدت إيليانا

"لماذا"

جريس رفعت هاتفها

"لأن سيلست كانت تسأل عنكِ"

"قالت إنكِ خرجتِ من الفعالية وكأنكِ سمعتِ خبرًا"

ابتلعت إيليانا ريقها

لم تُرد أن تذكر الرسائل

لكنها لم تُرد أن تكذب أيضًا

قالت ببطء

"اتصل رقم مجهول"

جريس وقفت لحظة

"ورددتِ"

إيليانا هزت رأسها

"لا"

تنفست جريس كأنها نجت من مصيبة صغيرة

"جيد"

ثم قالت بسرعة

"اسمعي"

"اليوم لدينا تدريب جماعي قصير"

"ومساءً فعالية أصغر من أمس، لكنها أخطر"

سألت إيليانا

"أخطر لماذا"

جريس قالت

"لأنهم اليوم سيبتسمون أكثر"

ثم أضافت

"والابتسامة هنا قد تكون غطاء لشيء آخر"

جلست إيليانا على طرف السرير

كانت ما زالت تشعر بثقل الليل في عظامها

قالت جريس وهي تفتح الحقيبة

"لا أريدك أن تظهري مرهقة"

"تعالي"

أخرجت علبة صغيرة فيها كريم خفيف، وعطرًا بسيطًا، ورباط شعر أنيق

قالت جريس وهي تقترب من وجه إيليانا

"جلدكِ أبيض جدًا، أي أثر يظهر بسرعة"

ثم ابتسمت بلطف

"وهذا ليس عيبًا"

"لكنهم سيقرؤونه"

جلست إيليانا ساكنة

سمحت لجريس أن تضع لمسة خفيفة من كريم حول عينيها، لا لتجمّلها، بل لتعيد لها ما فقدته الليلة الماضية من نوم

قالت إيليانا بصوت خافت

"لماذا تفعلين هذا"

جريس توقفت لحظة، ثم قالت ببساطة

"لأنني لا أريد أن تكوني وحيدة هنا"

ثم ضحكت لتخفف

"ولأنني أحب المشاريع التي تنجح"

ابتسمت إيليانا رغم نفسها

لكنها تذكرت الرسالة الأولى

لا تجيبي

وتذكرت أن هناك من يراقب حتى رنين هاتفها

قالت فجأة

"جريس، هل ڤيريتاس يراقب…"

توقفت

جريس فهمت السؤال قبل أن يكتمل

قالت بصوت منخفض

"ڤيريتاس لا يراقب كما تتخيلين"

"هو فقط يعرف"

ثم أضافت

"وهناك فرق"

شعرت إيليانا بقشعريرة

"من الذي يعرف"

جريس لم تجب مباشرة

قالت

"دعينا نذهب إلى التدريب"

"الأسئلة الكبيرة لا تُطرح في الغرفة"

غادرتا الجناح

في الطريق إلى القاعة، التقتا إيلارا وسيلفي

سيلفي كانت هادئة كالعادة، لكن عينها كانت تسأل أكثر مما يقول فمها

قالت سيلفي لإيليانا

"هل نمتِ"

إيليانا قالت

"قليلًا"

إيلارا قالت

"يكفي"

"اليوم يجب أن تكوني حادة"

سألت إيليانا

"حادة كيف"

إيلارا قالت

"حادة مثل حد السكين، لكن داخل غمد"

لم يعجبها التشبيه، لكنه كان صادقًا

دخلن قاعة التدريب الجماعي

كانت ماديسون موجودة

وقفت أمام المرآة الكبيرة، وعلى الطاولة أدوات المائدة كما لو أن القاعة لا تعرف تدريبًا غير هذا

قالت ماديسون ببرود

"اليوم تدريب مختصر"

"ستتعلمون كيف تقولون نعم دون أن تعِدوا"

"وكيف تقولون لا دون أن تجرحوا"

لمحت إيليانا أن عدد الحضور أقل من المعتاد

برنامج التأهيل محدود كما قالت الجدة، ليس لأنهم يهتمون بالخصوصية فقط، بل لأن الاختبار يحتاج مساحة

بدأت ماديسون بتدريب بسيط

تقدم شخص وسأل سؤالًا متعمدًا، والآخر يجيب بجملة واحدة، ثم يبتسم ابتسامة محايدة

حين جاء دور إيليانا، وقفت أمام فتاة لا تعرفها جيدًا

قالت الفتاة بحدة مهذبة

"هل صحيح أنكِ أتيتِ لتأخذي مكان ريون"

شعرت إيليانا أن السؤال صفعة ملفوفة بورق

تذكرت تدريب كايل

جملة واحدة

قالت إيليانا بهدوء

"أنا أتيتُ لأتعلم"

الفتاة ابتسمت ابتسامة تشبه السخرية

"هذا ليس جوابًا"

إيليانا لم تتحرك

قالت مرة أخرى، بنفس الهدوء

"هذا جوابي"

صمتت القاعة لحظة

ماديسون قالت من الخلف

"جيد"

كانت كلمة صغيرة، لكنها جعلت إيليانا تشعر أن ظهرها استقام أكثر

انتهى التدريب بسرعة كما وعدت ماديسون

خرجوا

وفي الممر، قبل أن تفترق إيليانا عن جريس، التفتت جريس وقالت بصوت منخفض

"هناك شيء آخر"

إيليانا نظرت إليها

جريس قالت

"أمس، بعد خروجك، سيلست سألت عن مدربك"

تجمدت إيليانا

"كايل"

جريس أومأت

"قالت إنه لا يظهر في الضوء"

ثم أضافت

"وسألت سؤالًا غريبًا"

سألت إيليانا بسرعة

"ماذا"

جريس قالت

"قالت، هل هو قناع"

ابتلعت إيليانا ريقها

لم تفهم، لكنها شعرت أن السؤال أثقل من أن يكون نميمة

قالت إيليانا

"وماذا قلتِ"

جريس ابتسمت ابتسامة صغيرة متعبة

"قلت إنني لا أعرف"

ثم نظرت إلى إيليانا بجدية

"وهذا هو أفضل جواب أستطيع قوله الآن"

في المساء، عادوا إلى القاعة قرب الماء

لكن هذه المرة كانت أصغر، أقل شموعًا، أقل ضيوفًا، وأكثر همسًا

وقفت إيليانا مع دائرتها في الطرف كما اتفقوا

كانت تظن أن الأسوأ انتهى بالأمس

لكنها الآن فهمت

الأمس كان الضوء

أما اليوم فكان الظل

اقتربت سيلست مرة أخرى، وحدها هذه المرة

قالت لإيليانا بابتسامة ناعمة

"أعجبتني طريقتك اليوم في القاعة"

إيليانا قالت بأدب

"شكرًا"

سيلست قالت

"لا تشكري كثيرًا"

ثم مالت قليلاً

"سأعطيكِ نصيحة مجانًا"

إيليانا لم تطلب، لكنها أومأت

سيلست قالت

"لا تثقي بمن يحميكِ في الظل"

تجمدت إيليانا

سألت بصوت خافت

"من تقصدين"

سيلست ابتسمت كما لو أنها لم تقل شيئًا

"لا أحد"

ثم قالت وهي تنظر إلى عيني إيليانا السوداوين

"لكنني أراقب"

ثم ابتعدت

وقف القلب في صدر إيليانا لحظة، لأنها تذكرت رسالة الليلة الماضية

لا أحد يصل إليك الليلة

هل كانت حماية

أم سيطرة

رفعت نظرها نحو الستارة في الطرف، الممر الخلفي

لم ترَ كايل

لم ترَ أحدًا

لكنها أحست أنه هناك، مثل العادة، في المكان الذي لا يدخل الضوء

وفي تلك اللحظة، وصلتها رسالة على هاتفها، دون رنين

سطر واحد فقط

"ارجعي الآن"

لم يُكتب اسم مرسل

لكن إيليانا عرفت، بطريقة لا تملك لها تفسيرًا، أنها ليست رسالة من الجدة

رفعت عينيها بسرعة

في نهاية القاعة، خلف حركة الناس، لمحته للحظة

كايل

وقفته ثابتة

وجهه لا يبتسم

وعيناه تقولان شيئًا واحدًا

تحركي

انتهى الفصل الرابع عشر

2026/02/23 · 1 مشاهدة · 952 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026