الفصل السادس عشر: المرسى
لم يكن الوصول إلى المرسى مثل الوصول إلى أي مكان آخر في ڤيريتاس
المرسى هنا لا يستقبل الناس، بل يفرزهم، يقرر من يدخل من أي بوابة، ومن يمر من أي ممر، ومن يراه الضوء أولًا، ومن يبتلعه الظل
خرجت إيليانا بيلمون مع جريس وسيلفي وإيلارا من البهو إلى ممر خارجي ضيق تحجبه الأشجار عن أعين معظم الأعضاء، في نهايته سيارة كهربائية تنتظر بلا صوت
قالت جريس وهي تجلس أولًا
"تذكري"
"اليخت اليوم يبدو كأنه حفلة"
"لكن في الحقيقة هو غرفة مغلقة"
إيليانا جلست بجانبها
"غرفة فوق الماء"
إيلارا قالت
"وهذا أسوأ"
سألت إيليانا
"لماذا"
إيلارا قالت
"لأنكِ لا تستطيعين أن تختفي خلف باب"
تحركت السيارة
كان الطريق ينزل تدريجيًا، يمر بين شجر كثيف، ثم ينفتح فجأة على الماء
هناك كان المرسى، مضاءً بإضاءة دافئة لا تعمي، لكنه يظهر كل شيء يكفي ليُرى، قوارب صغيرة مرتبطة بحبال مشدودة، ويخوت أكبر تقف كأنها مبانٍ عائمة، وعلى الجانب منصة خشبية واسعة وعليها شعار ڤيريتاس محفورًا في معدن داكن
كان اليخت الكبير موجودًا
ليس مجرد يخت، بل مساحة كاملة تتحرك، طابقان، سطح علوي مفتوح، نوافذ واسعة، وأضواء خافتة تجعل المكان يبدو كأنه وعد رومانسي، بينما هو في الحقيقة مكان يُستعمل لمفاوضات لا تُكتب
قالت جريس بصوت منخفض
"هذا هو"
ثم أضافت، وكأنها تشرح لنفسها
"يخت ڤيريتاس"
كانت هناك مجموعة صغيرة من الضيوف تصل في الوقت نفسه
رجلان ببدلات داكنة، امرأة بشعر مرفوع وابتسامة حذرة، وشاب يضحك ضحكة قصيرة ثم يخفضها فورًا حين يقترب من الجسر
وكأن الضحك هنا يحتاج إذنًا أيضًا
وقفت إيليانا لحظة عند أول لوح خشبي يؤدي إلى اليخت
شعرت أن الماء تحتها يغيّر إحساس الأرض
قالت سيلفي بهدوء، كأنها تسمع ما لا يقال
"لا تنظري إلى الأسفل"
ثم أضافت
"انظري إلى الأمام، دائمًا"
رفعت إيليانا رأسها
عند مدخل اليخت كان موظف يستقبل العضويات ويقارن الأسماء بقائمة، ابتسامته مهنية، عيناه ليستا فضوليتين، بل دقيقتين
قال الموظف
"آنسة إيليانا بيلمون"
ثم توقف لحظة قصيرة، كأنه يرى شيئًا في القائمة لا يراه الآخرون
وأضاف
"مرحبًا بكم"
لم يقل مرحبًا فقط، قالها بنبرة مختلفة، كأنه يعلن أن وجودها محسوب
أحست إيليانا بشيء يضغط صدرها
ابتسمت ابتسامة صغيرة كما علمتها جريس
وصعدت
داخل اليخت كانت الرائحة مزيجًا من خشب مصقول وعطر خفيف، موسيقى هادئة تأتي من مكان بعيد، لا تفرض نفسها، مثل معظم الأشياء هنا
كان السطح الرئيسي مفتوحًا، طاولات صغيرة، كراسٍ متفرقة، وشموع في زجاج
الناس يتحركون كما لو أنهم يتنزهون، لكنهم في الحقيقة يلتقطون الكلمات كما تلتقط اليد ورقة نقدية دون أن تظهر ذلك
قالت جريس
"سنقف أولًا هنا"
ثم أشارت إلى طرف قريب من الدرابزين، ليس في المنتصف
أومأت إيليانا
وقفت معهم، تحاول أن تثبت قدمها على سطح يتحرك قليلًا
في الطرف الآخر من اليخت، كان ريون
كان يرتدي بدلة فاتحة هذه المرة، وكأنها محاولة ليبدو أقل عدائية، لكنها لم تنجح، لأن عينيه كانتا ثابتتين بنفس القسوة
نظر إلى إيليانا، ثم تبادل نظرة مع رجل بالقرب منه
ثم ابتسم ابتسامة قصيرة جدًا
ابتسامة شخص يخطط ولا يحتاج أن يشرح
قالت جريس بصوت منخفض
"لا تذهبي إليه"
إيليانا لم تكن تخطط لذلك أصلًا
لكن في اللحظة نفسها جاءت سيلست
ظهرت كما تظهر دائمًا، من زاوية مريحة للضوء
قالت بابتسامة
"إيليانا"
ثم نظرت إلى الثوب الذي ترتديه
"اختيار جميل"
جريس ردت بسرعة، كأنها تحمي إيليانا من الحديث
"اخترنا ما يناسب المكان"
سيلست ابتسمت
"بل ما يناسب الانطباع"
ثم التفتت إلى إيليانا
"هل تشعرين بالبرد"
قالت إيليانا بصدق
"قليلًا"
سيلست قالت
"هذا طبيعي"
"الذين يدخلون الماء أول مرة يشعرون بالبرد حتى لو كانوا جافين"
كانت جملتها مبطنة بما يكفي لتفهم إيليانا أنها تلمح لأشياء لا تريد أن تلمح لها
وقبل أن ترد، اقترب أدريان مونترو
قال بابتسامة سهلة
"مساء الخير"
ثم نظر إلى إيليانا
"هل تحبين البحر"
ترددت إيليانا
قالت
"أنا… أتعلم"
أدريان ضحك بخفة محترمة
"أجمل جواب"
سيلست نظرت إلى أدريان نظرة قصيرة، ثم ابتسمت كأنها توافق على وجوده رغم أنها لا تحبه قرب إيليانا
في هذه اللحظة، تحركت خلفهم ضجة صغيرة عند السلم المؤدي إلى الداخل
صوت طفل
ضحكة صغيرة
ثم صوت امرأة تحاول أن تهمس ولا تنجح
"تيو، لا تركض"
تجمدت إيليانا، لأنها لم تتوقع أن ترى طفلًا هنا
ظهر تيو ڤيريتاس على السطح كأنه خرج من صندوق مفاجآت، عمره ثماني سنوات، شعره مرتب بشكل لا يصمد أكثر من عشر دقائق، عيناه تلمعان بحيوية
ركض خطوة ثم توقف فجأة حين رأى إيليانا
نظر إليها من أعلى إلى أسفل بفضول صريح
ثم قال بصوت واضح
"أنتِ هي"
تجمدت إيليانا
جريس كادت تختنق من الضحك
سيلفي رفعت حاجبها بهدوء
إيلارا تحركت خطوة، كأنها تجهز لمنع كارثة
سألته إيليانا بحذر
"من أنا"
تيو قال ببراءة حاسمة
"الفتاة التي يتحدثون عنها"
ثم أضاف فورًا
"وأنتِ لا تبدين مخيفة"
ضحك نيكو من الطرف الآخر بصوت عالٍ، كان قد صعد اليخت متأخرًا كالعادة
قال نيكو
"تيو، أنت كارثة صغيرة"
تيو التفت إليه
"وأنت مهرج كبير"
ثم عاد ينظر إلى إيليانا
"هل أنتِ ستصيرين من العائلة"
تجمدت إيليانا
كان السؤال بسيطًا لأنه طفل، لكنه وقع كحجر في ماء هادئ
جريس قالت بسرعة وهي تضحك لتخفف
"تيو، هذا سؤال كبير"
تيو قال
"أنا لا أحب الأسئلة الصغيرة"
ثم اقترب خطوة من إيليانا، وخفض صوته كأنه يهمس بسر
"أنا أحب من يبتسم لي"
ثم نظر إلى وجهها بجدية طفل
"وأنتِ… تحاولين"
احمر وجه إيليانا
لأن الطفل قال ما تحاول هي إخفاءه
وقبل أن ترد، جاء صوت من الداخل، صوت رجل هادئ لكنه يحمل سلطة
"تيو"
توقف الطفل فورًا، التفت، ثم قال بصوت حلو
"نعم"
لم ترَ إيليانا من الذي ناداه، لأن السلم يحجب الداخل
لكنها رأت شيئًا واحدًا، أن تيو لم يركض هذه المرة، بل سار بخطوات صغيرة مطيعة، كأنه يعرف أن هذا الصوت لا يُجادل
وابتلع السلم الطفل كما ابتلع الصوت
سألت جريس بسرعة، بصوت منخفض جدًا
"هل رأيتِ"
إيليانا قالت
"ماذا"
جريس ابتسمت ابتسامة ضيقة
"الطريقة التي توقف بها تيو"
ثم هزت رأسها
"لا شيء"
لكن إيليانا شعرت أن جريس قالت كل شيء دون أن تقله
ازدادت الحركة على اليخت
بدأت كلمات مثل استثمار، مشروع، شراكة، تُقال بنبرات لا تشبه البيع لكنها تشبهه
وكانت إيليانا تحاول أن تبقى في الطرف، تبتسم حين يجب، وتصمت حين يجب، وتراقب دون أن تُرى
ثم جاء ريون
اقترب هذه المرة مباشرة، لا ينتظر مناسبة
قال بصوت مهذب يسمعه القريب
"آنسة بيلمون"
ثم نظر إلى جريس
"هل ستبقين محاطة بالحراس دائمًا"
جريس ابتسمت
"نحن أصدقاء"
ريّون قال
"الأصدقاء هنا لا يحمون"
"الأصدقاء يراقبون"
ثم التفت إلى إيليانا
"هل تخافين من الماء"
تجمدت إيليانا
كان السؤال بسيطًا، لكنه يحمل خيطًا من شيء آخر
قالت بحذر
"لا"
ريّون ابتسم
"جيد"
ثم قال بصوت أخفض، كأنه يريد أن يجرها إلى المنتصف من خلال كلمة
"تعالي إلى الداخل"
"هناك شيء يجب أن تريه"
إيليانا شعرت بأن كل شيء في جسدها يقول لا
لكنها تذكرت تدريب كايل، قولي لا دون أن ترفعي صوتك
قالت بهدوء
"لا"
ريّون رفع حاجبه
"لماذا"
قالت إيليانا بجملة واحدة
"لأنني لا أريد"
لمعت عينا ريون للحظة، ثم خفتت
ابتسم ابتسامة قصيرة جدًا، كأنه يقرر أن يغير طريقته
قال
"حسنًا"
ثم أضاف بنبرة كمن يقدم هدية
"إذن سأريكِ هنا"
وأشار بيده نحو الدرابزين، حيث الماء ظاهر
قال
"انظري"
ترددت إيليانا، لكنها نظرت
لم يكن هناك شيء في الماء
فقط انعكاس الضوء
لكن ريون قال بصوت منخفض
"الماء لا ينسى"
ثم التفت إليها
"وأنا لا أنسى"
شعرت إيليانا بقشعريرة، رغم أن الجو لم يبرد
قبل أن تستطيع الرد، ظهر نواه فجأة من الداخل، سريع الحركة، يحمل جهازًا صغيرًا
قال لرويون بلباقة حادة
"السيد دي لافونتين"
"هناك مكالمة لكم من البر"
ريّون التفت إليه بانزعاج
"ومن أنت"
نواه ابتسم ابتسامة لطيفة أكثر من اللازم
"لا أحد"
ثم أضاف
"لكن المكالمة مهمة"
تحرك ريون وهو يضيق عينيه، ثم قال لإيليانا قبل أن يذهب
"لم ننتهِ"
ومضى إلى الداخل
تنفست إيليانا بعمق
نظرت إلى نواه
قالت
"شكرًا"
نواه قال فورًا
"لا تشكريني"
ثم خفض صوته
"ولا تقفي هنا طويلًا"
سألته إيليانا
"لماذا"
نواه نظر إلى الماء ثم إلى الداخل
"لأن اليخت يطفو"
ثم ابتسم بسرعة
"والناس هنا… لا يطفون إلا إذا دفعهم أحد"
ثم استدار ليذهب، لكنه توقف لحظة كأنه تذكر شيئًا
قال بصوت أخفض
"إذا رأيتِ بابًا صغيرًا على الجانب الأيمن في الداخل"
"لا تدخليه"
سألت إيليانا
"أي باب"
نواه هز رأسه
"ستعرفينه"
ثم مضى
بقيت إيليانا واقفة، وقلبها يخفق
كانت الفعالية ما زالت تبدو مثل حفلة راقية
لكنها بدأت تفهم
أن كل خطوة على هذا السطح تتحول إلى معنى
وأنها، رغم وجود دائرتها، صارت محاصرة بالهمس
وفي الداخل، خلف السلم، كان هناك صوت يتحرك بلا أن يُرى
صوت السلطة التي لا تُعرّف نفسها
كوستوس
انتهى الفصل السادس عشر