الفصل الثامن عشر: التخويل

الجزء الأول

كان الباب حين أُغلق خلف إيليانا وإيلارا أشبه بختم

صوت خشب ثقيل يصطك، ثم صمت، ليس صمتًا طبيعيًا، بل صمت غرفة صُممت كي لا تُسمع منها الأسرار

المكان داخل الباب لم يكن مخزنًا ولا ممرًا

كان صالونًا صغيرًا، فخمًا بطريقة لا تستعرض نفسها، جدران خشبية داكنة، إضاءة خافتة تأتي من مصابيح مثبتة داخل تجاويف، كأن الضوء هنا يتعلم ألا يكشف أكثر مما ينبغي

على الطاولة الوسطى صندوق جلدي مستطيل، مغلق بقفل معدني بسيط، وبجانبه ملف رفيع عليه ختم ڤيريتاس دون كتابة

في زاوية الغرفة كرسيان فقط، متقابلان، وبينهما مسافة محسوبة، كأن المسافة هي جزء من الأسئلة

كانت رائحة المكان خليطًا من خشب قديم وعطر خفيف يذكّر بالممرات الخلفية، رائحة لا تشبه قاعة الحفل، بل تشبه غرفة قرار

وقفت إيليانا لحظة

لم تشأ أن تجلس قبل أن تُؤمر، ولم تشأ أن تقف كمن ينتظر العقاب

اختارت أن تقف بثبات، كما علمها كايل، كتفان مستقيمان، ذقن ثابت، عينان تريان ولا تتوسلان

إيلارا وقفت بجانبها نصف خطوة، لا تتقدم ولا تتأخر، وجودها وحده يقول إن إيليانا لم تدخل وحدها كما أرادوا

مرّت ثوانٍ

ثم انفتح باب آخر من الجهة المقابلة، باب داخلي صغير لا يوصل إلى الحفل، بل إلى ممر لا بد أن ينتهي إلى مكان أعلى

دخل رجل

كان في أواخر الأربعين أو بداية الخمسين، شعره مرتب بعناية، وجهه لا يحمل قسوة واضحة لكنه لا يحمل دفئًا أيضًا، ابتسامته تأتي متأخرة دائمًا، كأنها قرار لا رد فعل

كان يرتدي بدلة داكنة، وربطة عنق بلون عميق، وعلى معصمه ساعة بسيطة أكثر مما ينبغي لشخص في هذا المكان، وكأن البساطة عنده نوع آخر من الترف

نظر إلى إيليانا أولًا، ثم إلى إيلارا

توقف نظره على إيلارا لحظة، كأنه يسجل أنها ليست وحدها، ثم قال بنبرة هادئة

"آنسة بيلمون"

لم يقل مرحبًا

لم يقل مساء الخير

قال الاسم فقط، كأن الاسم هو المفتاح

أجابت إيليانا بصوت ثابت

"نعم"

جلس الرجل على أحد الكرسيين دون أن يدعوها للجلوس بعد

فتح الملف أمامه دون أن يلمسه كثيرًا، كأنه يعرفه من الخارج

ثم رفع عينيه إليها وقال

"أنا لست من عائلتك"

"ولا من خصومك"

ثم أضاف بصوت لا يعلو

"أنا من ڤيريتاس"

شعرت إيليانا بأن الكلمة الأخيرة أثقل من كل ما سبق

قالت ببطء

"وماذا يعني ذلك"

الرجل قال

"يعني أن لي تخويلًا"

ثم وضع إصبعه على الختم

"لتقييم من يدخل التأهيل الخاص"

"ولحماية ما يُبنى هنا"

تبادلت إيليانا وإيلارا نظرة سريعة

إيلارا لم تتكلم، لكنها شدّت فكها كأنها تقول، انتبهي

قالت إيليانا بهدوء

"هل هذا استجواب"

الرجل ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا

"سمّيه ما شئت"

"أنا أسميه محادثة قصيرة"

ثم نظر إلى الكرسي المقابل

"اجلسي"

جلست إيليانا

جلست دون أن تنحني، دون أن تتصلب، كما تعلمت، حضور هادئ

إيلارا بقيت واقفة

الرجل نظر إليها

قال

"وأنتِ"

إيلارا قالت بجملة واحدة

"أنا معها"

لم يعترض

لم يكن من مصلحته أن يعترض، لأن الاعتراض سيبدو كأنه يخشى وجود شاهد

قال الرجل بنبرة محايدة

"حسنًا"

ثم عاد إلى إيليانا

"سؤال بسيط"

"لماذا أنتِ هنا"

شعرت إيليانا أن السؤال نفسه يعود من جديد، لكن هذه المرة بوجه آخر

لم تجب بسرعة

قالت كما تدربت

"لأتأهل"

الرجل قال

"هذا جواب جميل"

ثم أضاف

"لكنه لا يجيب"

إيليانا قالت بهدوء

"هو يجيب بما أريد أن أقوله"

الرجل ابتسم قليلًا، ابتسامة رجل يشاهد فتاة تتعلم القواعد بسرعة

ثم قال

"أنتِ ذكية"

إيليانا لم تشكره

لم ترد على المدح، لأن المدح هنا فخ أيضًا

قال الرجل

"سؤال ثان"

"من الذي علمك أن تقولي لا بهذه الطريقة"

تجمدت إيليانا في داخلها

تذكرت كايل

تذكرت جملة لا تشرحي نفسك، تذكرت طلب الإذن قبل اللمس، تذكرت نظرة طويلة ثم تراجع، تذكرت المسافة

لكنها لم ترد أن تمنح هذا الرجل اسمًا

قالت بهدوء

"تعلمتُ من التجربة"

الرجل قال

"التجربة لا تعطي هذا الانضباط بهذه السرعة"

ثم مال قليلًا للأمام، دون تهديد واضح

"من"

سكتت إيليانا ثانية، ثم قالت بجملة واحدة

"من البرنامج"

الرجل ابتسم ابتسامة صغيرة

"جيد"

ثم كتب شيئًا في الملف

شعرت إيليانا أن كل كلمة تخرج منها تتحول إلى سطر في ورقة ستعيش أطول منها على هذه الجزيرة

قال الرجل

"سؤال ثالث"

"هل تفهمين معنى أن تكوني وريثة محتملة"

ابتلعت إيليانا ريقها

قالت

"أفهم أنه لا علاقة له بما أريد"

الرجل قال

"خطأ"

ثم أضاف بهدوء قاسٍ

"في هذا العالم، ما يُفرض عليك يصبح جزءًا مما تريدين، إن كنتِ تريدين البقاء"

ارتجفت إيليانا من الداخل، لكنها لم تُظهرها

قالت

"أنا لا أريد حربًا مع ريون"

الرجل قال

"الذين يقولون هذا… هم الذين يُرمى بهم أولًا في الحرب"

ثم فتح الصندوق الجلدي على الطاولة ببطء

لم يكن فيه سلاح

كان فيه بطاقة معدنية صغيرة، عليها نفس شعار ڤيريتاس، لكن بحافة مختلفة، أعمق، وكأنها ليست بطاقة عضوية بل شيء آخر

رفعها الرجل بين أصابعه

وقال

"هل تعرفين ما هذا"

نظرت إيليانا

قالت

"بطاقة"

الرجل قال

"ليست بطاقة"

ثم وضعها على الطاولة أمامها دون أن يدفعها إليها

"هذه علامة تخويل"

"ليست لكِ"

"لكي تفهمي فقط"

ثم قال بصوت أخفض

"هناك من أعطى أمرًا أن تدخلي هذا الباب"

شعرت إيليانا بتيار بارد في صدرها

سألت بصوت ثابت رغم أن قلبها لم يكن ثابتًا

"ومن"

الرجل لم يجب فورًا

بدلًا من ذلك، نظر إلى إيلارا، ثم قال لإيليانا

"سؤال رابع"

"هل تتلقين رسائل"

تجمدت إيليانا

تذكرت الليلة الماضية

لا تجيبي، أغلقي الضوء، لا أحد يصل إليك الليلة

لم تشأ أن تكذب، لكنها لم تشأ أن تسلم نفسها

قالت ببطء

"لا أعلم ما الذي تقصده"

الرجل قال

"إذن تتلقين"

لم يكن سؤالًا الآن، كان استنتاجًا

ثم أضاف

"وهذا يعني أن هناك من يراكِ تحت مظلة"

توقف، ثم قال كلمة واحدة

"كوستوس"

شعرت إيليانا أن الغرفة ضاقت

إيلارا تحركت نصف خطوة إلى الأمام

قالت بحدة محكومة

"هذه ليست كلمة تُرمى"

الرجل نظر إليها ببرود، ثم قال

"هذه كلمة تُقال حين يجب"

ثم عاد إلى إيليانا

"حين تسمعين كوستوس، أنتِ لا تسمعين اسمًا"

"أنتِ تسمعين تخويلًا"

"تخويلًا يفتح أبوابًا ويغلقها"

ثم سكت لحظة كأنها مقصودة

"ويضع الناس في أماكنهم"

قالت إيليانا بصوت خافت، لكنه واضح

"هل كوستوس هو الذي أرسل لي الرسائل"

الرجل لم يبتسم

قال

"أنا لم أقل ذلك"

ثم قال كأنه يضع حدًا

"وأنا لا أجيب عن هذا"

سكتت إيليانا، ثم قالت

"إذن لماذا أنا هنا الآن"

الرجل نظر إليها طويلاً

ثم قال

"لأننا نحتاج أن نقرر شيئًا قبل أن يقرر الآخرون"

وسكتت الغرفة لحظة

ثم قال جملة واحدة، هادئة، لكنها ضربت في صدر إيليانا كالمطرقة

"هل أنتِ خطر على ڤيريتاس"

لم تتحرك إيليانا بيلمون فورًا بعد سؤال الرجل

هل أنتِ خطر على ڤيريتاس

كان السؤال بسيطًا في تركيبه، لكنه واسع بما يكفي ليبتلع حياة كاملة، كأنه لا يسأل عن فعل، بل عن طبيعة، عن إمكانية، عن شيء قد يقرره الآخرون بدلًا عنها

رفعت إيليانا عينيها إليه

قالت ببطء، وبوضوح

"أنا لست خطرًا على أحد"

الرجل ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا، لا تحمل سخرية، بل تحمل معلومة

"هذا ليس جوابًا"

تصلبت إيليانا من الداخل، لكنها تذكرت ما تعلمته من كل تدريب، أن بعض الأسئلة ليست لتجيب، بل لتقف أمامها دون أن تنكسر

قالت بجملة واحدة

"أنا هنا لأتأهل"

الرجل قال

"تأهلي لأي شيء"

إيليانا لم تقل الوراثة، ولم تقل الزواج، ولم تقل الحرب مع ريون، لأنها تعرف أن ذكر الكلمات يربطها بها

قالت

"للبقاء في هذا المكان دون أن يكتبني أحد"

سكت الرجل لحظة

ثم نظر إلى الملف، وكتب سطرًا آخر

قال بصوت هادئ

"هذه جملة جيدة"

ثم رفع عينيه إليها

"لكنها لا تطمئن"

إيلارا قالت فجأة، بصوت ثابت

"لا يوجد ما يلزمها أن تطمئنك"

التفت الرجل نحو إيلارا

كان في نظرته شيء يقول إن الوقاحة لا تُقبل هنا، لكنه لم يرد أن يفتح معركة جانبية

قال فقط

"وجودك مفهوم"

ثم عاد إلى إيليانا

"سأكون صريحًا"

"ڤيريتاس لا يخاف من فتاة"

ثم أضاف، كأنه يضع الحقيقة على الطاولة دون زخرفة

"ڤيريتاس يخاف من الفوضى"

سألت إيليانا

"وأنا فوضى"

الرجل قال

"أنت احتمال"

ثم أشار إلى الصندوق الجلدي

"أنتِ دخلتِ التأهيل الخاص بسرعة"

"اسمك خرج من قاعة الضوء إلى همس الظل"

"ريّون بدأ يتصرف بطريقة قد تضر سمعة النادي قبل أن تضر عائلته"

ثم قال الكلمة ببطء، كأنه يريد أن يراها في وجهها

"كوستوس ذُكر قربك أكثر من مرة"

شعرت إيليانا كأن الغرفة تميل قليلًا

قالت

"أنا لم أطلب ذلك"

الرجل قال

"أعرف"

"لكن في هذا العالم، ما لم تطلبيه قد يصبح أهم مما طلبته"

ثم مال قليلًا إلى الأمام

"سؤال"

"هل تفهمين معنى أن يُذكر كوستوس قرب اسمك"

إيليانا ابتلعت ريقها

قالت بصدق

"لا"

الرجل ابتسم

"هذا جيد"

"عدم الفهم أحيانًا حماية"

ثم قال

"لكن هناك حد"

ثم وضع كفه على الملف كأنه يغلق صفحة ويفتح أخرى

"الذي أتى بكِ إلى هنا ليس فقط مدام دي لافونتين"

"ولا أوغست"

شعرت إيليانا ببرودة في أطرافها

سألت

"إذن من"

الرجل لم يجب مباشرة

قال بدلًا من ذلك

"سأعطيكِ خيارين"

"خيار المؤهلين"

إيلارا شدّت فكها

إيليانا قالت بحذر

"ما هما"

الرجل قال

"الأول"

"تستمرين في التأهيل الخاص، ولكن وفق شروطنا"

"تُخففين الظهور"

"تلتزمين مسارات محددة"

"ولا تدخلين أماكن معينة في النادي دون إذن مكتوب"

ثم قال دون أن يرفع صوته

"الثاني"

"نوقف تأهيلك الخاص الليلة"

"ونعيدكِ إلى المسار العادي"

"وكل ما سيأتيكِ بعد ذلك… سيكون عامًّا"

لم تقل إيليانا شيئًا

فهمت معنى عام

عام يعني عيون أكثر

همس أكثر

سوء فهم أكثر

وريّون يستطيع أن يتحرك بحريته

وسيلست تستطيع أن تسميها دون مقاومة

سألته إيليانا بصوت منخفض

"وهل الخيار الأول… حماية"

الرجل قال

"سمّيه ما شئت"

ثم أضاف

"نحن لا نسميه حماية"

"نحن نسميه إدارة خطر"

شعرت إيليانا بالغضب، لكنها لم تسمح له أن يظهر

قالت بهدوء

"ومن سيشرف على هذا"

الرجل سكت لحظة

ثم قال

"الشخص الذي يشرف أصلًا"

توقفت إيليانا عند الجملة

الشخص الذي يشرف أصلًا

كايل

شعرت بقلبها يضرب في صدرها كأنه يريد أن يقفز ويقول الاسم بدلًا عنها

لكنها سكتت

الرجل قال

"أنتِ تعرفين اسمه مختصرًا"

ثم أضاف، كأنه يضع سمًّا في كوب ماء

"وهذا الاختصار… جزء من القناع"

تصلبت إيليانا

سألت

"قناع"

الرجل قال

"بعض الأشخاص لا يظهرون بهويتهم"

"ليس لأنهم يخجلون"

"بل لأن ظهورهم يغير السوق"

كانت الجملة غريبة، لكنها بدت منطقية في مكان تُباع فيه الوجوه

قالت إيليانا

"ماذا تريد مني الآن"

الرجل قال

"أريد قرارك"

"وأريده الآن، قبل أن تخرج الشائعة من هذا الباب"

إيلارا قالت بحزم

"هي لن تقرر تحت ضغط"

الرجل نظر إليها

ثم قال بجفاء مهذب

"الضغط جزء من التأهيل"

ثم عاد إلى إيليانا

"قولي نعم للخيار الأول، وسأغلق هذا الملف وأنتِ تخرجين كما دخلتِ"

"قولي لا، وستخرجين ومعكِ أثر"

سألت إيليانا

"أي أثر"

الرجل لم يجب

ابتسم ابتسامة صغيرة

ثم قال

"أنتِ ذكية، ستفهمين"

سكتت إيليانا

تذكرت الجدة تقول لها، لا تشرحي نفسك

تذكرت أوغست، قولي اسمك فقط

تذكرت كايل، قولي توقفي عندما يجب

وهنا، لا توجد كلمة توقفي توقف هذه اللعبة

لكن توجد كلمة واحدة تمنع انهيارها

نعم

أو لا

قالت إيليانا بصوت ثابت

"أوافق على الخيار الأول"

سكنت الغرفة لحظة

الرجل نظر إليها

ثم قال

"جيد"

ثم كتب سطرًا أخيرًا، وأغلق الملف، وأعاد البطاقة المعدنية إلى الصندوق، وأغلق الصندوق كذلك

ثم قال كأنه ينهي محادثة عمل

"من الآن، حين يُطلب منكِ شيء باسم كوستوس"

"تتأكدين من أمر واحد"

"أن الطلب مكتوب في مسارك"

رفعت إيليانا حاجبيها

"أين مساري"

الرجل قال

"سيصل"

كانت جملة مرعبة بقدر ما هي غامضة

ثم نهض من كرسيه

قال لإيلارا

"يمكنكِ الخروج معها"

كأنه يمنحها فضلًا رغم أنه لم يأخذه منها

سارت إيليانا نحو الباب

قبل أن تفتحه، قالت دون أن تلتفت

"من الذي أعطى أمرًا أن أدخل هذا الباب"

صمت الرجل لحظة

ثم قال بهدوء

"ليس كايل"

تجمدت إيليانا، لأن جوابها لم يطمئنها، بل فتح بابًا آخر

قال الرجل

"كايل لم يأمر"

"كايل… جاء لاحقًا"

ثم أضاف بجملة قصيرة

"ليخفف"

شعرت إيليانا بقشعريرة

فتحت الباب

خرجت هي وإيلارا إلى الممر الداخلي الضيق

كان الصوت من الخارج يعود تدريجيًا، موسيقى خافتة، ضحكات محسوبة، حركة كؤوس

لكن الممر ظل صامتًا

سارتا خطوتين

ثم توقف الموظف نفسه عند زاوية

أشار لهن أن يسلكن ممرًا جانبيًا

قال ببرود

"من هنا"

إيلارا نظرت إليه

"إلى أين"

الموظف قال

"خروج آمن"

لم يعجب إيليانا التعبير

الخروج الآمن يعني أن هناك خروجًا غير آمن

سارتا في الممر الجانبي

كان أقصر من المتوقع، يؤدي إلى باب خلفي يفتح على سطح جانبي من اليخت، مكان لا يقف فيه الضيوف عادة

هواء البحر هنا أقوى، ورائحة الملح أوضح

وفي هذا المكان، كانت تقف هيئة واحدة

كايل

لم يكن داخل الضوء

كان في منطقة نصف مضاءة، كأن اليخت نفسه يفضل أن يبقيه بعيدًا

وقف بملامحه الحادة، عينان ثابتتان، فكه مشدود، يده تحمل هاتفًا صغيرًا أو جهازًا قصيرًا، كأنه كان في منتصف شيء ثم توقف

حين رآها، لم يسأل

قال بصوت منخفض

"هل أنتِ بخير"

توقفت إيليانا

كانت هذه أول مرة يسألها هذا السؤال بهذه الصراحة

قالت بصوت خافت

"نعم"

ثم، رغم أنها حاولت أن تكون قوية، خرج منها سؤالها كأنه يرتجف

"لماذا أدخلوني"

كايل لم يشرح فورًا

نظر إلى إيلارا

قال

"شكرًا"

إيلارا لم تبتسم

قالت

"لا تفعل هذا مرة أخرى"

كايل رد بجملة واحدة

"لم أطلبه"

ثم نظر إلى إيليانا مرة أخرى

قال

"هم طلبوا"

سألته إيليانا

"ومن هم"

كايل لم يجب

بل تقدم خطوة، ثم توقف عند مسافة مدروسة، مسافة لا تشبه حضن المسبح ولا قرب الياقة، مسافة رجل يعرف أن أي حركة قد تُقرأ

قال بصوت أخفض

"استمعي إليّ"

"اليخت ليس آمنًا لك الليلة"

تجمدت إيليانا

"ماذا تقصد"

كايل قال

"أقصد أن ريون يجرّب حدودًا"

"وسيلست تفتح أبوابًا"

"والمجلس يكتب"

ثم قال الكلمة التي جعلت الهواء يثقل

"وكوستوس لا يحب الفوضى"

سألت إيليانا بسرعة

"هل كوستوس أنت"

سكت كايل لحظة

لحظة واحدة فقط، لكنها كانت أطول من أي إجابة

ثم قال بصوت ثابت

"لا تسألي هذا هنا"

جفّ حلق إيليانا

لم تنكر

ولم تؤكد

وهذا كان أسوأ من أي جواب

قالت إيليانا بصوت منخفض

"لكنهم قالوا إنك جئت لاحقًا… لتخفف"

كايل شد فكه قليلًا

ثم قال

"نعم"

"لأنكِ لستِ وحدك"

شعرت إيليانا بأن قلبها يتحرك بطريقة لا تليق بظرف كهذا

قالت بصدق

"أنا لا أفهم"

كايل قال

"لا تحتاجين أن تفهمي كل شيء الليلة"

ثم نظر إلى الساعة في معصمه

وقال جملة غريبة

"لدينا عشر دقائق"

سألت إيليانا

"عشر دقائق لماذا"

كايل قال

"قبل أن يلاحظوا أنكِ خرجتِ من الباب"

ثم قال

"ستعودين الآن إلى السطح"

"ستقفين مع دائرتك"

"ستبتسمين ابتسامة واحدة فقط"

"ثم حين أقول لكِ، ستغادرين"

ابتلعت إيليانا ريقها

قالت

"وأنت"

كايل نظر إليها لحظة، ثم قال

"سأكون قريبًا"

لم يقل سأكون معك

قال سأكون قريبًا

وكأن القرب هو أقصى ما يسمح به لنفسه

أومأت إيليانا

لكن قبل أن تتحرك، قالت بجملة واحدة لا تنوي أن تقولها، خرجت منها كأنها سؤال لآخر لحظة

"لماذا يهمك"

توقف كايل لحظة

لم تتغير ملامحه كثيرًا

لكن شيئًا صغيرًا، خاطفًا، تحرك في عينيه

ثم قال بصوت منخفض، بصدق لا يطول

"لأنكِ… لا تعرفين كيف يعضّ هذا المكان"

ثم استدار سريعًا

كأنه قال أكثر مما يسمح به لنفسه

قادها إلى ممر العودة

وقبل أن تفتح الباب المؤدي إلى السطح الرئيسي، أمسك كايل بذراعها من فوق المعصم لثانية واحدة فقط

لمسة سريعة

تصحيح

إيقاف

ثم تركها

وقال بصوت منخفض جدًا

"تذكري المسافة"

التقت عيناها بعينيه لحظة

ثم دخلت

عادت إلى السطح

الضحكات كانت في مكانها، الموسيقى عادت، سيلست تتحدث كأنها لم تغادر، ريون يقف كأنه ينتظر نتيجة

لكن إيليانا لم تعد هي نفسها التي دخلت هذا اليخت

كانت تحمل الآن كلمة جديدة دون أن تنطقها

تخويل

وتحمل سؤالًا أثقل من الماء

من يكون كايل حقًا

وفي الطرف، خلف مجموعة من الضيوف، لمحت سيلست تلتفت نحوها بابتسامة صغيرة، ابتسامة من فهمت أنها خرجت من الباب

وفي اللحظة نفسها، وصل إشعار على هاتف إيليانا

ملف جديد

عنوان واحد فقط

"مسارك"

انتهى الفصل الثامن عشر

2026/02/23 · 1 مشاهدة · 2437 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026