الفصل الحادي والثلاثون: المنصة

في اليوم التالي لم تحاول إيليانا أن تكون شجاعة أكثر مما يلزم.

تعلمت من أوغست أن الشجاعة ليست أن تتجاهلي الألم، بل أن تختاري متى يظهر ومتى يختفي. وتعلمت من كايل أن الوجه هو أول شيء يقرأونه، قبل اليد وقبل الخطوة.

استيقظت مبكرًا، فتحت المسار، قرأت التحديث مرة ثالثة:

بروفة علنية للموسم

منصة الرماية الخارجية

الحضور: مختار

أغلقت الهاتف ببطء. كلمة “مختار” كانت كافية لتجعل القهوة مرة.

دخلت جريس جناحها بعد قليل، تحمل حقيبة صغيرة.

“اليوم سنجهزك.”

إيليانا رفعت حاجبها.

“للقاعة؟”

جريس قالت:

“للعيون.”

ثم جلست قربها، ونظرت إلى الكاحل.

“كيف هو؟”

إيليانا حرّكت قدمها قليلًا.

“أفضل.”

جريس أومأت.

“ممتاز. إذن سنخفي الأفضل.”

لم تفهم إيليانا فورًا.

جريس فتحت الحقيبة وأخرجت رباطًا جديدًا، بلون قريب من لون البشرة، أقل ظهورًا.

“هذا.”

إيليانا نظرت إليه.

“لماذا؟”

جريس قالت بهدوء:

“لأن سيلست لا يجب أن تربح قدمك.”

ثم أضافت بابتسامة صغيرة:

“إذا أرادت قصة، فلتبحث عن قصة أخرى.”

دخلت سيلفي وإيلارا بعد دقائق. نيكو كان خلفهما ويبدو أنه يحمل شيئًا أكبر من اللازم.

قال نيكو بفخر:

“أنا أحضرت شيئًا مهمًا.”

جريس نظرت إليه بشك.

“ماذا؟”

نيكو رفع علبة صغيرة فيها سدادات أذن.

“للرماية.”

سيلفي قالت:

“هذا منطقي.”

نيكو قال بسرعة:

“أنا إنسان منطقي.”

ثم همس لإيليانا:

“وأيضًا لا أريد أن أصرخ أمام الناس.”

ضحكت إيليانا ضحكة قصيرة.

إيلارا كانت تراقب وجه إيليانا، ثم قالت بجدية:

“لا تذهبي وحدك إلى المنصة.”

إيليانا أومأت:

“لن أفعل.”

لكن المسار كان يفرض عليها أن تصل في وقت محدد. الوصول مع الدائرة مسموح، لكن الوقوف داخل المنصة… سيكون وحده للمتدربين والمشرفين والعيون المختارة.

قبل الظهر بقليل تحركوا.

منصة الرماية الخارجية لم تكن في قلب ڤيريتاس، بل على طرف مرتفع من الجزيرة، يطل على خليج صغير من جهة، وعلى غابة خفيفة من جهة أخرى. المكان مصمم ليبدو “رياضة”، لكنه في الحقيقة ساحة عرض.

المنصة كانت خشبًا مصقولًا، وأعلامًا صغيرة، ومقاعد قليلة للضيوف. خلفها مبنى منخفض فيه غرفة انتظار وغرفة تجهيز.

وكان هناك حضور بالفعل… مختار.

رجال ونساء بملابس نهارية فاخرة، نظراتهم هادئة، ابتساماتهم قليلة. ليسوا جمهورًا للتشجيع، بل لجنة غير معلنة.

همست جريس:

“انظري إلى الأيدي، ليس إلى الوجوه.”

إيليانا همست:

“لماذا؟”

جريس قالت:

“الوجوه تتقن التمثيل.”

“الأيدي لا.”

رأت إيليانا خواتم.

ساعات.

أساور.

تفاصيل صغيرة تصرخ بالسلطة دون أن تقول اسمًا.

ثم رأت سيلست.

كانت تقف في جهة الظل، تتحدث مع لافينيا ومع رجل أكبر سنًا بقليل، وقفته لا تشبه وقفة الأعضاء. كان هادئًا جدًا، والناس يفسحون له الطريق دون أن يطلب.

لم تستطع إيليانا أن تسمع اسمه.

لكنها شعرت أن هذا الرجل هو أحد “الأسماء الكبيرة” التي لا تُقال كثيرًا.

سحبت سيلفي نفسًا خفيفًا.

“المجلس حاضر.”

تجمدت إيليانا.

“كيف تعرفين؟”

سيلفي قالت:

“انظري لمن لا يضحك.”

كان كلامها بسيطًا، لكنه صحيح.

جاء موظف من الإدارة، دعا المتدربين إلى غرفة التجهيز. نظرت إيليانا إلى جريس لحظة.

جريس قالت بسرعة:

“تذكري… خطوة واحدة في كل مرة.”

دخلت إيليانا وحدها إلى الغرفة.

كان هناك ثلاث متدربات أخريات واثنان من المتدربين. بعضهم يبدو واثقًا جدًا، وبعضهم يبدو أنه جاء ليُرى لا ليصيب.

ماديسون كانت في الداخل، تراقب بهدوء، تسجل شيئًا في ملف.

وحين دخل كايل… سكتت الغرفة.

دخل من باب جانبي، بملابس تدريب داكنة، وجهه لا يعلن شيئًا، لكنه يفرض صمتًا. لم يلتفت إلى أحد طويلًا. نظرته مرت على الجميع ثم توقفت عند إيليانا لحظة أقصر مما تريد، وأطول مما يسمح به عقله.

ثم قال بصوت منخفض:

“سنبدأ.”

لم يقل مرحبًا.

لم يقل صباح الخير.

قال سنبدأ.

الوقوفات توضّحت.

السدادات توزعت.

القواعد قيلت بسرعة.

ثم اقترب كايل من إيليانا لأول مرة أمام آخرين.

لم يقترب كثيرًا.

وقف بزاوية رسمية.

قال لها بصوت منخفض لا يسمعه غيرها:

“لا تنسي قدميك.”

كانت جملة تدريب.

لكنها خرجت كقلق.

أومأت إيليانا.

وخرجوا إلى المنصة.

الهواء في الخارج كان باردًا قليلًا، لكنه صافٍ. الأهداف بعيدة. الجمهور المختار يجلس بهدوء. لا تصفيق. لا هتاف. فقط عيون.

وقف المتدربون واحدًا واحدًا.

حين جاء دور إيليانا، شعرت لثانية أن الكاحل يلسعها.

لكنها تذكرت: لا تنظري إلى قدمك.

رفعت رأسها.

رأت سيلست تراقب.

ورأت لافينيا تبتسم.

ورأت أوغست يقف بعيدًا، لا يتدخل، لكنه حاضر كجدار رسمي.

و… رأت كايل يقف خلف خط المشرفين، عيناه على كتفها ويدها، لا على الجمهور.

كأنه يعلّمها أن تنظر إلى من يثبتك، لا إلى من يحاكمك.

أخذت البندقية.

وقفت.

تنفست.

وفي اللحظة التي وضعت فيها إصبعها على الزناد، شعرت أن كل همس تدربت عليه صار حاضرًا بلا صوت.

وقالت لنفسها كلمة واحدة:

اثبتي.

لم تسمع إيليانا أي شيء للحظة.

حتى البحر البعيد بدا كأنه خفّض صوته احترامًا للعيون المختارة.

كانت تقف على الخط، تحمل البندقية بثبات تعلمته في الداخل، وتتنفس كما لقّنها كايل. الكاحل يؤلمها قليلًا، لكن الألم لم يعد يقودها. هي التي تقوده.

ثبتت نظرها على الهدف.

شعرت بأن الكل يراقب: سيلست، لافينيا، الرجال الهادئون، النساء اللاتي يبتسمن بلا سبب، وحتى المتدربات الأخريات اللواتي صرن فجأة أقل ثقة لأن الدور الآن ليس لهن.

سمعت صوت كايل من خلف خط المشرفين، منخفضًا جدًا، كأنه لا يقال للجمهور بل لها وحدها:

“ببطء.”

وضعت إصبعها على الزناد.

ضغطت.

خرجت الطلقة.

اهتز كتفها قليلًا، لكنها تماسكت فورًا. لم تسمح للارتداد أن يتحول إلى ارتباك. لم تنظر حولها. لم تبحث عن رد فعل.

نظرت فقط إلى الشاشة الصغيرة التي تُظهر النتيجة.

النقطة كانت قريبة من المنتصف.

ليست مثالية… لكنها جيدة جدًا لفتاة تقف أمام من يقررون.

شعرت بارتياح داخلي، لكنه لم يصل إلى وجهها. أبقته في مكانه.

سمعت همهمة خفيفة من طرف الجمهور. ليست تصفيقًا. مجرد اعتراف صغير بأن الشيء حدث.

قالت ماديسون بنبرة لا تحمل دفئًا ولا قسوة:

“مقبول.”

كلمة “مقبول” من ماديسون لا تعني شيئًا.

لكن نظرة سيلست تعني.

سيلست مالت نحو الرجل الأكبر سنًا الذي يقف معها، وقالت له شيئًا لم تسمعه إيليانا، ثم ابتسمت ابتسامة قصيرة. ابتسامة من تلتقط ثغرة حتى في النجاح.

تقدمت إيليانا خطوة إلى الخلف كما تقتضي القاعدة.

وفي هذه الخطوة تحديدًا، خانها الكاحل.

ليس سقوطًا.

ليس انهيارًا.

فقط اهتزاز صغير في الوقفة، لحظة خلل كادت أن تُقرأ أكثر مما يجب.

في اللحظة نفسها، تحرك كايل.

لم يركض.

لم يلمسها أمامهم.

لكنه تقدم نصف خطوة إلى الأمام، ثم توقف في نفس الثانية، وكأنه تذكر أنه لا يستطيع أن يقترب.

هذا النصف خطوة كان كافيًا ليقول شيئًا للقارئ.

أنه لم يفكر.

أنه تحرك قبل حكمه.

إيليانا أعادت قدمها إلى مكانها بسرعة، ورفعت ذقنها، كأن الاهتزاز لم يحدث.

لكن سيلست التقطته.

رفعت صوتها قليلًا، بصوت لطيف مصقول:

“إيليانا… هل أنتِ بخير؟”

السؤال ليس سؤالًا.

هو دعوة لمشهد.

إذا قالت إيليانا “لا”، ستصبح قصة.

إذا قالت “نعم” بعصبية، سيضحكون.

إذا تلعثمت، سيكتبون.

تذكرت إيليانا ما قاله كايل: لا تبرري.

وتذكرت ما قالته جريس: اجعليهم يملون.

قالت بهدوء، دون ابتسامة كبيرة:

“نعم.”

سيلست ابتسمت:

“جميل.”

ثم أضافت بنعومة:

“الغابة قاسية.”

وهذه كانت محاولة أخرى لصنع قصة: إيليانا ضعيفة، إيليانا ضاعت، إيليانا عادت بأذى.

قبل أن ترد إيليانا، تكلم أوغست.

لم يرفع صوته.

لم يطلب إذنًا.

قال جملة واحدة فقط، لكنها أغلقت الموضوع كإغلاق باب:

“البروفة نجحت.”

ثم نظر إلى سيلست نظرة باردة مهذبة، وأضاف:

“لا داعي للتفاصيل.”

سكت المكان لحظة.

حتى سيلست، التي تعرف كيف تبتسم وسط السكاكين، اكتفت بابتسامة صغيرة تراجعت بها خطوة.

لافينيا حركت شفتيها كأنها تريد أن تقول شيئًا، ثم ابتلعته.

أشار كايل إلى المتدرب التالي.

“التالي.”

تراجع دور إيليانا إلى الخلف، لكنها لم تشعر أنها تراجعت كإنسانة.

جلست في غرفة الانتظار بعد الدور، تضع يديها في حضنها وتتنفس. لم تكن تريد أن تلتفت نحو الباب الجانبي حيث يتحرك كايل عادة، لكنها فعلت.

لم يكن هناك.

ثم، بعد دقائق، انفتح الباب الداخلي بهدوء ودخل كايل.

لم يدخل على الجميع.

دخل كأنه يبحث عن زاوية لا يراه فيها أحد، ثم وقف قرب الطاولة حيث تُوضع السدادات، ظهره للجميع تقريبًا.

قال بصوته المنخفض دون أن ينظر إليها:

“لا تمشي الآن كثيرًا.”

عرفت إيليانا أنه يقصدها.

لم ترد فورًا.

انتظرت حتى لم تعد هناك عيون قريبة.

ثم قالت بصوت خافت:

“أنا لم أسقط.”

كايل قال، بنفس الهدوء:

“أعرف.”

ثم سكت لحظة، وأضاف:

“لكنهم كانوا يتمنون.”

تجمدت إيليانا.

قالت:

“لماذا؟”

كايل لم يجب بطريقة طويلة.

قال فقط:

“لأن السقوط أسهل من الثبات.”

رفعت إيليانا عينيها إليه.

كان ينظر إلى ملف بيده، لكنه لم يكن يقرأه فعلًا.

قالت بصوت منخفض:

“سيلست كانت تنتظر مني مشهدًا.”

كايل قال:

“وأنت لم تعطيها.”

ثم، دون أن يلتفت إليها مباشرة، قال جملة قصيرة كأنها تخرج منه رغما عنه:

“أحسنتِ.”

كانت كلمة مختلفة عن “جيد”.

كانت شخصية أكثر.

وقبل أن تستطيع إيليانا أن ترد، دخل موظف من الإدارة.

سلّم كايل ورقة صغيرة.

قرأها كايل بسرعة.

تغير شيء في وجهه، ليس خوفًا… بل تضيق بسيط في العينين، كأن الأمر لا يعجبه.

ثم قال بصوت مسموع للجميع:

“سيكون هناك لقاء تعريف هذا المساء.”

ارتفعت همهمة خفيفة.

أحد المتدربين سأل:

“تعريف بماذا؟”

كايل قال ببرود:

“بالموسم.”

ثم أضاف:

“الحضور مختار.”

وكان هذا يعني: أنتم، لأننا نريد أن نراكم تحت الضوء مرة أخرى.

خرج المتدربون واحدًا واحدًا.

وخرجت إيليانا مع أوغست إلى الخارج.

على طريق العودة، قال أوغست بهدوء:

“لا تقولي لأحد إن قدمك تؤلمك.”

إيليانا قالت:

“لماذا؟”

أوغست قال:

“لأن الألم هنا… دعوة.”

ثم توقف قليلًا وأضاف:

“واللقاء الليلة سيكون مليئًا بالدعوات.”

لم يعجبها ما يعنيه ذلك، لكنها فهمت.

في البهو، كانت جريس تنتظرها كأنها لم تتحرك منذ الصباح.

لمحت الكاحل، ثم نظرت إلى وجه إيليانا:

“نجحتِ؟”

إيليانا ابتسمت ابتسامة صغيرة:

“نعم.”

نيكو صفق تصفيقة واحدة مبالغ فيها:

“أنا كنت سأصفق أكثر، لكن كرامتي تمنعني.”

سيلفي قالت:

“كان أداءً جيدًا.”

إيلارا نظرت إلى إيليانا بعين حادة:

“وسيلست؟”

إيليانا قالت:

“حاولت.”

جريس قالت بسرعة:

“إذن انتهى.”

إيليانا هزت رأسها، وهي تفتح المسار في هاتفها لترى التفاصيل.

ظهر إشعار جديد:

لقاء تعريف بالموسم

المكان: قاعة المجلس الصغيرة

الوقت: 21:00

اللباس: واجهة مسائية

تجمدت إيليانا عند سطر المكان.

قاعة المجلس الصغيرة.

هذا ليس شايًا.

هذا ليس واجهة خفيفة.

هذا باب آخر، لكن بديكور أجمل.

رفعت إيليانا عينيها.

في طرف البهو، قرب ممر لا يمر منه الأعضاء عادة، رأت كايل للحظة.

كان يتحدث مع نواه، ثم التفت بسرعة، كأنه شعر بنظرها.

التقت عيناهم لثانية.

ثم خفض نظره فورًا.

لكن الثانية كانت كافية لتفهم شيئًا:

الليلة لن تكون سهلة عليه أيضًا.

نهاية الفصل الحادي والثلاثون

2026/02/24 · 1 مشاهدة · 1579 كلمة
Qio Ruan
نادي الروايات - 2026